ثورة النحل ضد الدبابير: يجب القطع مع النظام المالي غير المنتج


يعمل النحل في عالم الحشرات على إنتاج العسل بينما الدبابير، مثلها مثل الوحوش المفترسة، تمتصّ عسلها وتعمل على هلاكها.

 

وفي الاقتصاد، لم يجد البشر منذ زمن سحيق غير وسيلتين للحصول على الموارد: أن يغتصبوها كما يفعل الدبابير٬ أو يبتدعوها كما يفعل النحل. النحل في الاقتصاد، هم المنتجون للثروة والقيمة المضافة، أي المزارعون والصناعيون ومقدمو خدمات الانتاج وممولو الاستثمار المنتج. الدبابير في المقابل، هي تلك الوحوش المفترسة، وأذيعهم صيتا أولئك المتمعّشون من الإيرادات، الذين يستغلون ويضاربون على الثروات الطبيعية أو يمارسون الاحتكار على الواردات ومقاولات البناء وغيرها.

 

لا يزال هؤلاء المفترسون كثرة في البلدان العربية والإفريقية، أضف إليهم في البلدان الغربية مفترسين جددا أكثر ضراوة، يتقنون جيّدا سواء أساليب التلاعب بالإعلام أو تفكيك قواعد التنظيم المالي.

 

وفي الجنوب كما في الشمال نجد أن الدبابير المفترسة تجني مداخيلها الضخمة لا من الإنتاج والإبداع والتجديد، بل من قربها من السلطة السياسية، عن طريق الفساد، وذلك بنهلها مباشرة من خزائن الدولة كما يفعل العديد من طغاة العرب والأفارقة.

 

كشفت الأزمة الراهنة لمجموعة “ماردوك” عن الكثير من سلب ثروات الدولة قامت به المجموعات الخصوصية وعن الدور الحاسم الذي قام به الإعلام لصرف نظر السكان عن الاهتمام بالرهانات الحقيقية. وبالمثل، وبجشع كبير وقصر نظر، أغرق الاقتصاد المالي -الذي حوّل لفائدته قواعد اللعبة- العالم العربي في الأزمة والإفلاس والانحطاط. إلا أننا نجد أن النحل هو الذي يكسب التميّز ويتفوّق في مجموعة البلدان الصاعدة، إنه المنتصر الكبير في العولمة بفضل شهيته للصناعة، بينما الغرب منهمك ومنذ ثلاثين سنة في تكديس ثروة افتراضية قد يقدّر لها أن تتبخّر خلال ليلة ذعر واحدة (تحل) في سوق الأسهم.

 

لنا مثالان على ذلك: الأوّل هو أن “بنوك النحل” التي تموّل حتى الآن أنشطة إنتاج الثروات لا تمثّل سوى %1 من مجموع البنوك، مقابل %99 لـ”بنوك الدبابير”؛ وهذه الأخيرة تأسر السياسات لإبطال قواعد تنظيم القطاع المالي وتبيع لنا مشتقات عديمة الفائدة – مليارات من الإيصالات الضارة – وتقوم بالمضاربات الفورية. والثاني هو أن “فكر الدبابير” يغزو حتى مدارسنا العليا، إذ أن أكثر من نصف طلبة معهد”البوليتكنيك” يعتزمون تعاطي المهن المالية.

 

يثور النحل العامل في كل أنحاء العالم ضد الدبابير المفترسة التي تستغله. وهناك رابط قوي من القرابة يشدّ بين “الربيع العربي” و”الساخطين على الأوضاع” في مدريد والثائرين عليها في أثينا والمنتفضين في تل أبيب وحتى المشاغبين في لندن. كلهم يريدون العيش من عملهم واسترجاع كرامتهم. في كل مكان من العالم وفي الشوارع يتجاسر النحل، أي المزارعون والحرفيون وسوّاق سيارات الأجرة، والشبان المتخرّجون والفنانون ورؤساء المؤسسات والعمال ورجال الدين، على مواجهة عالم الدبابير المفترسة، أي الطغاة ودنيا المال وأصحاب الدخل غير المكتسب من كل رهط والمتمتعين بالامتيازات وأهل الخمول والكسل وكل الجالسين أمام “شبابيك الاستخلاص” (حراس بوابات الأعمال) في انتظار أن تُدفع لهم، من موارد المشتركين في كل الخدمات الممكنة، معاليم اشتراكهم أو حصولهم على الخدمة. 

 

حان وقت التخلص من مستبدّي البلدان العربية ومن السياسيين اليونانيين الفاسدين ومن المضاربين الأسبان في قطاع البناء ومن الحكومة الاسرائلية التي تنحاز بدون داع إلى اختيار الحرب ومن الوحوش الكاسرة المستظلة بـ”وال ستريت” وبـ”السيتي”. ففي كل مكان وفي كل البلدان، إنها نفس المعركة ضد الدكتاتورية السياسية في الجنوب وضد الدكتاتورية المالية في الشمال.

 

إن ما سمحت الأزمة في الغرب بالكشف عنه هو نظام منحرف، مؤسس على الافتراضي وبعيد عن الابتكارات الرئيسية. وقد انبثقت اليوم رغبة في منوال اقتصادي واجتماعي جديد، يوفر المزيد من الخيرات والمنافع ومن المهندسين ومن الصناعة والفلاحة ومن الشغل للشباب وغير الشباب ولديه نظرة بعيدة المدى. فما يزال هناك متسع من الوقت بالنسبة لفرنسا وأوروبا، لتصحيح المسار.

 

ليس من الإنصاف أن نطلب من النحل أن يعمل أكثر لإصلاح ما أفسدته دبابير النظام المالي التي نجحت (عبر منتجات لا تخضع لقواعد، ووكالات أموال إمبراطورية، وديون سيادية ترزح تحت وطأتها) في الإبقاء على هذا النظام وفي فرضه على السياسيين الذين خضعوا إلى هذه الوحوش الجديدة المطلوب منا “إعادة طمأنتها” بلا توقف. ومن يهتمّ، في المقابل، بطمأنة البطالين والعمال والصناعيين؟ يكمن الحل في ترصّد كل المهن المغلوطة التي تقلّدتها الدبابير وكل الأوكار القريبة من السلطة السياسية حيث منها تزدهر وفي فرض الضرائب على هؤلاء المتدخلين غير المنتجين، ولكن أيضا في تجميع كل النحل والانضمام إلى ثورته ضد الدبابير. 

 

– جان لويز غيغو: اقتصادي 

نشر المقال بصحيفة “لومند” الفرنسية بتاريخ 18 أوت 2011

 

 

 

النص الأصلي:

La révolte des abeilles contre les frelons

Il faut en finir avec la finance improductive


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق