جاؤوا من كل مكان / سمير عطا الله

الذين يحذروننا من الآتي: يسمّون خوف القاهرة “الاخوان”. وفي اليمن لا مجال لتخفيف الصيغة، فيسمون “القاعدة”. وفي تونس، حيث كان اول ما فرضه بورقيبة بعد الاستقلال، الزامية التعليم وحق المرأة، يسمونهم “حزب النهضة” باعتبار ان بورقيبة قرر طرد الاستعمار واستبقاء مناهجه الدراسية وسبل تقدمه. وفي الاردن اسمهم مرة واحدة “الاخوان المسلمون”. وفي غزة اختاروا “حماس”. وفي ليبيا يسميهم القذافي “القاعدة”. كذلك في المغرب. في الجزائر “جبهة الانقاذ”، تقليدا لاسم فرنسي قديم. وابن خلدون قال ان السجين يحاول دائما تقليد سجانه. وها هي سوريا تكشف اخيرا اسم الفزع “الاخوان المسلمين” بدل اسماء الدلع، من مندسين وسواهم.

تقاسيم على ايقاع واحد، كما يقول أهل الموسيقى، في وصف عذوبة لا مكان لها وسط هذا المد الصاخب. او هي عادة العرب القديمة (البعض يقول طبيعة لا عادة) في التفاجؤ. فالمفاجأة تبرر كل شيء حتى سقوط الامة على جبينها. حتى موقظ الامة في الخمسينات، جمال عبد الناصر استسلم لحق العدو في استغلال حق الغفلة، فقال في تبرير حزيران 1967، قبل 44 عاما من اليوم، “انتظرناهم من الشرق فجاؤوا من الغرب”.

يتوقع العرب ان يأتي المهاجم من حيث هم متأهبون، لا من حيث يغفلون.

يكتشفون، يوما بعد يوم ان اصحاب الربيع العربي الحقيقيين، هم الذين يعملون له منذ 85 عاما. وقد تنقب “الاخوان” خلف “ثورة الياسمين”، واي عريش زهري آخر، لأنهم يملكون الوقت الذي نفد من بين اصابع الانظمة. وتركوا للآخرين ان يكتشفوا ان الربيع العربي ليس ذلك الطل الضاحك الذي انشده الاخطل الصغير، بل يمكن ان يتحول ايضا دماء وشظايا واشلاء.

لماذا يعود اليمين العربي، او التيارات المتطرفة، باشكال واسماء مختلفة ومتفاوتة؟ اذا كنتم تريدون جوابا مقتضبا يوفر عليكم قراءة بقية المقال، فلأن “اليسار” قد خاب وغاب. لانه ذر الوعود ثم سفحها. لانه هلل لـ”الرفاق” ثم رماهم في السجون او ساقهم الى ساحات الاعدام والمحاكمات الصورية الوقحة والمزورة. لانه حكى عن هيغل وماركس وطبق قوانين تكريت. ولانه داس الدولة المدنية بذريعة الهم العسكري، فكان ان داس الاثنين معا.

تعشق عبد الناصر الحرية ضد الاستعمار الغربي، اما حرية الشعب المصري فسلمها الى صلاح نصر، يرسم حدودها ومداها وآفاقها: من سجن طرة الى سجن ابو زعبل. سجون رمي فيها “الاخوان” والشيوعيون والباشوات والرجعيون واعداء الثورة، بتهمة واحدة وفي وقت واحد. والخارج كان ايضا سجنا. وكان الكاتب محمد سيد احمد يقول انه عندما يريد ان يعبر لزوجته عن رأيه في القرارات، كان يطلب منها الخروج الى الشرفة. وحتى هناك يتحدث بصوت خافت.

كان الرئيس سليم الحص في زيارة المهندس العراقي الراحل عادل خياط في لندن. وسأله ان يشرح له الوضع في بغداد يومها. فقام عادل وعاد ومعه صورة قديمة لستة عشر لاجئا عراقيا في القاهرة، وسأل الرئيس الحص، ماذا يلاحظ فيها. ولم يدر جوابا. فقال له: من بين 16 هناك اثنان على قيد الحياة، صدام حسين، وانا، لانني هربت مبكرا. هذا هو الوضع في العراق.

عاش العرب سنوات طويلة وهم يرون تجربة اليسار المنقذ من “الرجعية” تنتقل من ثكنة الى ثكنة. والرفاق من مشنقة الى اعدام بالرصاص، او الى سجن لا يخرجون منه، الا بأكفان. وحتى آنذاك، كان صدام حسين يمنع مجالس العزاء. السجين المتوفي لا يستطيع شقيقه الوزير تقبل التعازي به. واعفونا من الاسماء، فمنهم اصدقاء، والرحمة للموتى والاحياء معا. وهل الا رحمة الله تتسع لمظالم هذه الامة؟

اي فكر يمكن ان ينمو في ظل هذا العسف؟ حتما ليس الفكر الذي عاد به ميشال عفلق من السوربون وساحة اوغست كونت، في الاربعينات. فقد وقع العراقي تحت الاحتلال، ولكن كان ثمة ما هو اكثر رعبا ومذلة. كان عليه، بعد قراءة الصحيفة التي لا تقرأ اصلا، ان يتجنب اتلافها او رميها او لف بطاطا مقلية بصفحتها الثقافية، لان عليها صورة الرئيس. لا. ليبيا كان الامر مختلفا. فقد توجب تقديس “الفجر الجديد” بسبب اقوال، وليس صورة الاخ القائد. والصورة مخفية في اي حال تحت النظارتين السوداوين، نصيحة طبيب التجميل البرازيلي. دون اي عمد في التجرؤ او الانتباه الى قلة الكياسة. قلت مرة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ان ثمة تغيرا في ملامح قائد الفاتح العظيم، فصرفني عن مناقشة الامر بالقول “العمر”.

وماذا عن تجربة الجزائر؟ ماذا عن الشعب الذي جر خلفه العالم العربي في اطول رحلة قومية رومانسية؟ لماذا اطاح احمد بن بللا ولماذا أبعد حسين آيت احمد وهل مات بومدين حقا بالمرض، وكيف يقتل الرفاق الرئيس محمد بو ضياف برصاصة في الظهر، بعدما كانوا قد صفوا بقية الرفاق برصاص في الصدر؟ لا يمكن ان انسى وجه بوضياف واخاديد الكآبة عليه. تمثال من تماثيل الميلانكوليا، ودع اروقة الثورة ودهاليز الدولة، بل ودع فوح الكروم في الجزائر وذهب الى المغرب ينشئ مصنع صابون. قالوا له عد، الجزائر في حاجة اليك. بعد اشهر قليلة، عاد واعطى ظهره لحارسه. اعتقد ان تقاليد الاستقلال غيرت عادات الاستعمار. يا حيف، يا سي محمد.

لم يكن لي جلد على قراءة مذكرات اكرم الحوراني. تفاصيل لا تعني الكثير الا لاصحابها، وعمليات ثأر بلا نهاية من كل من مر به، من عبد الناصر الى كوسيغين. ولكن اذهلني مقطع وجداني لم اره في كل ما قرأت من روايات. الزعيم الاشتراكي الذي مشت خلفه سوريا، يصف اليوم الاول في السجن، فيقول انه استأذن حارسه، ان يخرج دقيقة الى السطح، ليتأمل انوار دمشق.

كان هذا الرجل قبل ليلة زعيمها الاول. رجل الاشتراكية والفلاحين والعمال. حكمت دمشق على ميشال عفلق بالاعدام ونفذته في صلاح الدين البيطار ولجأ المؤسسون الى بغداد. ولم يكن من عداء مشابه للعداء الذي قام بين بعث العراق وبعث سوريا، الا عداء الصين والاتحاد السوفياتي. بدل ان تعقد بكين صفقة التاريخ مع موسكو، عقدتها مع “النمر الورقي” الاميركي، وقامت صداقة مذهلة بين التشيرمان ماو، صاحب “الثورة الثقافية وريتشارد نيكسون، ابن بقال من قرية ويتيكر. أليس عجيبا ان الرأسمالية دفعت ابن البقال في ويتيكر ومارغريت تاتشر، ابنة بقال فينشلي، الى مقعدي ايزنهاور وتشرشل. وماذا عن خلفها، جون ميجور، ابن مهرج السيرك في بريكستون، حارة الاشقياء؟

الغت التجربة اليسارية العربية الفرص وبددت الاحلام ولم تف باي وعد او كلمة اعطيت للفقراء والبسطاء الذين صفقوا لها. سخرت الكتاب والمثقفين ومن لم يقبل أميتَ او أنسي او اصبح ذكرى. ابعدت الدين وقربت الطائفيين. شرد العراق وقتل ملايين البشر، فانتهى الامر الى نوري المالكي وحزب الدعوة. وفي الكبت والصمت والصبر انصرفت “جماهير شعبنا العظيم” تصغي الى خطب يوسف القرضاوي، على انها ذروة الحياة الروحية، وتستخدم اسلحة وائل غنيم، على انها رمز تقدم الامة التكنولوجي. ولكن علاقة الامة بالعلم كحال العيس في البيداء، يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول.

“ربيع” الاخوان ولد من خريف اليسار واستقالة المثقفين الذين عينوا بدرجة كتبة عند مفوض الشرطة الفكرية. وهذا مثله في موسكو وفي تبيليسي، كان فظا وجاهلا.

وها نحن جميعا متفاجئون لانهم جاؤوا من الغرب! ألم ينتبه احد من عشرين عاما الى ان فكر “الجزيرة” هو الشيخ يوسف القرضاوي، وليس ساطع الحصري؟ ألم يلاحظ احد ان ضيف البرنامج التلفزيوني في بيروت ليس سعيد تقي الدين ولا عادل ارسلان ولا فؤاد حمزة؟

في ظل التجارب “اليسارية” انجرف العرب الى انوار واضواء انور الظواهري والملا عمر. سحقهم الفشل والخيبة والظلم والفقر، فعادوا الى القرون الماضية، كأنما المستقبل ممنوع على العرب، او كأنما هو لعنة او لوثة يريدون تجنبها. لكثرة ما رأوا طفقوا عائدين الى الغيب. الطفل الفقير يجلس على حافة النهر ويحلم بمواعيد البواخر. لاحظوا الخط البياني للامة. لا. ليس بالمقارنة مع سواها بل مع نفسها.

 

عن جريدة النهار اللبنانية 16/6/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق