جائزة «أورانج» البريطانية تذهب إلى أميركا / فوزي محيدلي

ترجمة وإعداد في التاسع من حزيران لهذا العام أعلن عن فوز الكاتبة الأميركية باربارا كينغسولفر بجائزة «أورانج» البريطانية المرموقة. وتكرم الجائزة الروايات المكتوبة باللغة الانكليزية من قبل المرأة مهما كانت جنسية المؤلفة. من الروائيات الشهيرات اللواتي تقدمن سابقاً لنيل الجائزة مارغريت آتوود وتوني موريسون، لكن من دون نيلهما لها حتى الآن.

وقد ذهبت الجائزة إلى كينغسولفر عن روايتها «الفجوة» التي تمزح بمهارة بين الفن والسياسة والهوية، والتي تحكي قصة الشاب هاريسون شيفرد المولود في الولايات المتحدة لكن المترعرع في المكسيك حيث يلتقي الفنانة فريدا كالو والزعيم السوفياتي المنفي ليون تروتسكي. يعود شيفرد لاحقاً إلى الولايات المتحدة ويخضع للتحقيق بسبب معرفته بهما.

عودة شيفر إلى الولايات المتحدة تأتي بعد انفصال امه المكسيكية عن أبيه البيروقراطي وذلك في ثلاثينات القرن العشرين. مع توجيه والدته للتوفق بزوج غني يُترك الصبي للاعتماد على نفسه مع القليل من التعليم ومن الاشراف فيجد نفسه يعمل طباخاً في منزل آل كالو، زوجين فنانين، ثم كسكرتير للمنفي الشهير ليون تروتسكي. وكانت الحقبة تلك عاصفة سياسياً ودينياً وفنياً مما حدا بهاريسون الشاب للتعارك مع هويته، مع فنه، ومع معنى الحقيقة.

أخيراً حين يصار إلى اغتيال تروتسكي يفر هاريسون عائداَ إلى الولايات المتحدة مستقراً في كارولينا الشمالية وساعياً أيضاً وراء صوته الخاص، لكنه يغدو هدفاً لحملة ماكارثي المحققة بالنشاطات المعادية لأميركا.

تنطوي الرواية على مزيج لافت لكن من الحقيقة والسرد المتخيل والتاريخ والمخيلة مقدم كتوليفة من يوميات هاريسون، مع مقتطفات من الصحف ومدونات أخرى تحول المقروء إلى عمل آسر من الصعب عدم تصديقه.

اما مدلول «فجوة» العنوان فعبارة عن كهف تحت سطح البحر يربط الشاطئ بمكان مخفي. وقد أسرت الفكرة كينغسولفر منذ أن قرأت قصة قصيرة عن كهف كهذا لسنوات خلت. تقول كينغسولفر: «إني مصابة إلى حد ما برهاب الاحتجاز او الأماكن المقفلة، لذا فان فكرة كهوف البحر تنطوي عندي على قدر من الرعب والانجذاب معاً. ولم أنفك أفكر بالانفاق والمسالك مع انكشاف جهلي بأشياء لا نعرفها عن الناس».

في أثناء عيشه مع أمه وعشيقها الأخير والذي هو رجل نفط مكسيسكي ثري، يكتشف هاريسون كهفاً كهذا: داخل النفق كان الجو بارداً جداً ومظلماً. بيد انه ظهر نور أزرق واهن أشبه بنافذة ضبابية، في الخلف. لا بد أنه الطرف الآخر، وليس من شيطان هناك، بل مجرد مكان للوصول إلى الطرف الآخر، ممر. لكنه كان قصياً جداً للسباحة إليه، بل وكان أيضاً مخيفاً جداً».

هذا الكتاب يشكل بالنسبة لكينغسولفر استكشافها لذلك الحيز «البيني» حيث ثمة أشياء مفقودة وحيث كذلك الحقيقية مخبأة. وهي انطلقت عبره ايضاً لسبر السؤال التالي:

هل من مسؤولية الفنانين تناول المسائل الاجتماعية مباشرة والتعبير عن آرائهم؟

على هذا تجيب كينغسولفر، «منذ أن بدأت النشر طُرح عليّ سؤال محدد بخصوص شرعية التعرض لمعطى سياسي في الفن. لطالما بدا لي السؤال مستهجناً. فتناول احقية السلطة ومسائل الطبقات يشكل جزءاً مكملاً للفن في أماكن أخرى من العالم، لكن هنا ثمة شيء مضحك حول الأمر. بت مقتنعة أن الفن والسياسة بلغا الطلاق في هذه البلاد دونما توسط بينهما. لدينا التالي «لا تسأل ما معنى أن يكون المرء اميركياً. لا ترسم صوراً عن ذلك، ولا حتى تكتب عنه».

لذا بدأت كينغسولفر بالحفر ووجدت نفسها غارقة في اعماق أرشيف النيويورك تايمز والعديد من الصحف المكسيكية ناخلة آلاف الصور والأعمال الفنية ومسافرة في النهاية إلى المكسيك.

وعلى هذا تعلق كينغسولفر قائلة، «الفارق بين الهاوي والباحث المحترف هو استعدادك لتوسيخ يديك». وهي ترى أن قراءة الصحف القديمة والتقارير التاريخية تشكل نوعاً واحداً من أنواع البحث. هذه القراءة لا تخبرك عن رائحة الشيء، ولا تخبرك عن مذاق شيء ما. لا يمكنك الكتابة عن مكان لم تقم بزيارته«.

انطلاقاً من ذلك قامت كينغسولفر بزيارة منازل شخصياتها وسارت في الأدغال المكسيكية لمراقبة السعادين العاوية، بل المولولة، ولزيارة الطبيب الشعبي. كما وأنها قرأت الرسومات التي خربشتها السيدة كالو حتى في دفتر حسابات المصروف. «استنتجت الكثير عنها وعن كيفية شعورها تجاه الاشياء وهذا لم يكن مسجلاً في يومياتها». أجل هذا اشبه بتحويل فيلم بالأسود والأبيض إلى فيلم ملون؟

بحث مضنٍ كهذا أوجب فاصلاً زمنياً من تسع سنوات بين هذا العمل وبين آخر رواية كتبها، مع أن كتاب «حيوان، خضار، أعجوبة» ظهر خلال ذلك الفاصل. ويحكي هذا العمل الأخير عن جهود عائلتها ان تأكل النتاج البلدي المحلي.

ويبدو أن هذا الكتاب المتعلق بالغذاء السليم وما ينتج عنه جلب لها نوعاً جديداً من القراء «أبلغني بعض القراء إنهم لم يقرأوني أبداً (قبل كتاب «حيوان، خضار، اعجوبة» لأنهم لا يريدون إزعاج انفسهم بقراءة رواية ما».

تثابر عائلة كينغسولفر المؤلفة من زوجها وابنتين على التمسك قدر الامكان بمبادئ كتابها المذكور، «نحرص ما أمكن على الأكل من النتاج البلدي. كل سنة أقول إن عليّ الاقلال من هذا التعلق، لكن العمل على انتاج بلدي يذهب عني السمنة، وبالطبع لا يمكن للمرء سوى الاقدام حين يأتي أوان جزّ صوف الخراف أو نزع الأعشاب الضارة من بين شتلات البندورة».

العيش تبعاً للمعطى أو البيئة المحلية بات مطبوعاً داخل الروائية كينغسولفر. وهي تميل لأن تكون عاطفية حين التحدث عن واقع أو مفهوم المجتمع الحقيقي مقابل مثلاًُ مجتمعات الانترنت التي تنتجها أدوات الميديا الاجتماعية من مثل «الفايسبوك».

وتوضح كينغسولفر فتقول، «أحب حقيقة أن يكون لعملي مغزى بالنسبة للناس، وأنا أقدر رسائلهم إلي. لكن الصديق بالنسبة لي هو من أستطيع الاتصال به حين أكون في ورطة ما، من أستطيع ان أقدم له كسرولة طعام عند موت أحدهم. لست بحاجة إلى ثلاثة آلاف منهم، فأنا متجذرة وصاحبة علاقات داخل مجتمعي المحلي، علاقات تجعلني صديقة جيدة لاصدقائي. وفيما عدا ذلك اعتقد انه زيف أو تمثيل».

والأصالة امر تفكر فيه كينغسولفر كثيراً هذه الأيام. فزعم توظيفها الكثير من البحث المضني في روايتها الأخيرة تعترف بأنه قد يتسلل مع التفاصيل الغنية الواردة في «الفجوة» مخاوف من وضع او ايراد اشياء في غير زمانها. وتوضح أكثر فتقول، «كابوس كاتب الرواية التاريخية المتخيلة انه قد يكون لديك مرادف مثلاً لمشهد في عمل سبارتاكوس حيث يضع هذا البطل في يده ساعة رولكس».

بالطبع ليس ثمة ساعة روليكس في رواية «الفجوة» بل صفحة اثر صفحة ثمة دفق من التفاصيل والأسئلة السابرة المتمحورة حول الهدف من الفن وقد أتت «الفجوة» كما أرادتها كينغسولفر محفزة للتفكير العميق ومسلية تماماً».

ولا بد من الاشارة إلى ان الرواية تقع في خمسمئة صفحة وهنا تعلق المؤلفة «قاعدتي الاساسية هي: طالما انني أعطيك السبب لتقلب كل صفحة، لا يهم مقدار طول العمل».

 

عن جريدة المستقبل – ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق