جائعون إليكِ / عقل العويط

هذا المقال مكرَّس للحرية ولهجس الأحرار بها، حيث هم، وفي كل وقت.

من باب أَولى، هو مكرَّس لها ولهم في لبنان، حيث الدروب طويلة طويلة، وحيث الدروب – ولا وجل – هي الجلجلة، أياً تكن مواعيدها والأزمنة.

ليست قضيتكِ بنت اليوم، ولا الأمس القريب، ولا الغد الذي يبتعد أو يقترب. قضيتكِ هي الحياة كلّها. القضايا كلّها. واللغة. والأرحام. والكتب. والأحلام. وهي الهواء كلّه، عابراً الأحوال والمشقات والأعمار، مولوداً كلّ يوم، مشمساً، مقمراً، متراكماً، نافضاً عن رئتيه فساد الغبار والترهّل، الى أن يتدحرج حجرٌ عن قبر، والى أن تقومي، ممهورةًً ببراهين العقل والقلب و… العين المجرّدة.

عبثاً نتأخر عنكِ. عبثاً تتأخرين.

قد يدمع قمرٌ على الشرفات، قد ينكسر غصنٌ على شجرة، قد يتساقط البعض على المفترقات، قد ننسى، قد نتناسى، قد نتعب، قد نملّ، قد نخسر، قد نربح، قد تختلفين معنا، قد نختلف معكِ، قد نكفر بكِ، قد تكفرين بنا، وقد يدلهمّ الظلام.

هذه مسائل، أساسية أو عَرَضية، لا فرق، لكنها لن تغيّر شيئاً في طبعكِ والطبيعة.

فعبثٌ كلُّ ما يحول دونكِ، وعبثٌ كلُّ ما يحول دوننا. عبثٌ سواه. أياً هو سواه.

لا مفرّ منكِ. لأنكِ الباب. والطريق. ولأنكِ الباب الى الطريق. والطريق الى الباب. ثمّ لا مفرّ من استكمال التدابير.

وحدكِ استحقاق نفسكِ، ووحدكِ استحقاق الأحرار.

أكبر من السياسة طبعاً. أكبر من السياسيين. والأحزاب. والأنظمة. والشدائد. والآلهة. والديّانين. والأجهزة. والانتهاز. والمصالح. والمطامع. والمحاذير. واللياقات. والجهات. والأطراف. والظروف. والدسائس. والمؤامرات. ومعايير الدول.

أكبر من الاستبداد طبعاً. وأكبر من المستبدّين.

كثيفة، لكنكِ بسيطة وواضحة.

ليّنة، لكنكِ منيعة وشديدة على الظلم والظالمين.

باهظة، لكنكِ تستحقّين.

مشرقة، وتدقّين الأجراس، وآتية. على صهوة. أو سيراً على الأقدام. أو في الحلم.

آتية، وإن مستحيلة.

عاجلاً أم آجلاً، وهل ينفع التأجيل؟!

الذين "انتصروا" بك، سرعان ما أدركوا، وسرعان ما سيدركون أنكِ وحدكِ تنتصرين.

الذين "انتصروا" عليكِ، سرعان ما أدركوا. سرعان ما سيدركون. فلا شيء ينتصر عليكِ. ولا أحد.

البراهين وراءنا. البراهين أمامنا. وتلك التي ستشرق بعد قليل وكثير.

ماذا بعد، أيتها العصيّة المعمّرة الفتية؟!

كلُّ شيء بعد. الوعظ نتركه للوعّاظ، والخطابة للخطباء، والسفاهة للسفهاء، والحكمة للحكماء، والنبوءة للمتنبئين.

لن ننغّص عليكِ هذا الفجر. لن نفسد قهوتكِ الصباحية. ولن نخربط أعمالكِ والمواعيد الغفيرة.

الدروب، دروبكِ، طويلة طويلة، وهي دروب الأحرار والجلجلة. ولا وجل!

صحيحٌ أن هذا المقال مكرَّس لكِ، ومن باب أَولى هو مكرَّس لكِ هنا، في بلدنا العصيّ المتألم، وللأحرار. لكنْ، كلّنا، على قول الشاعر، كلّنا في الهمّ شرق!

 

***

 

 

قد يقول قائل: هذا مقالٌ إنشائي. تبجيلي. لفظي. عام. ملتبس. متهرّب. ولا يُغني عن جوع.

الجواب: ما هَمّ. فالمقال يعيّن الجوع إليكِ، ويشير الى الهدف: شرقنا كلّه، عرباً وعجماً، من المحيط الى الخليج. وكم بالأحرى لبنان. جميع هؤلاء جائعون إليكِ، ولا… طعام. ولا استثناء.

يا حرية! ¶

 

عن ملحق النهار الثقافي 13/3/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق