جان برتراند بونتاليس Pontalis : الصمت، في التحليل النفسيّ، هو شرط للكلام

{{في سنّ الخامسة والثمانين، ما زال جان برتراند بونتاليس (Jean-Bertrand Pontalis ) يذكر اسمه المركّب بشيء من الدعابة. كانت أمّه تناديه بالحرفيْن الأوّليْن من اسمه (ج. ب)، فيما كانت تنادي أخاه (ج. ف). تساءل بونتاليس في كتابه ( Frère du précédent ): “هل كان ذلك النداء المختصر من أجل ربح الوقت أم ليكون الفرق بيني وبين أخي حرفا واحدا..”.

بونتاليس ( 1924 – ) وجه مميّز من وجوه النصف الثاني من القرن العشرين في الثقافة والأدب والتحليل النفسيّ. فيلسوف، محلّل نفسيّ وكاتب حصل سنة 1945 على ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عن رسالة حول سبينوزا، ثمّ قُبل في التبريز في الفلسفة سنة 1948. سنة 1960 وضع بمساهمة جان لابلانش (J . Laplanche) الموسوعة الشهيرة “معجم مصطلحات التحليل النفسيّ” الذي ترجمه إلى قرّاء العربيّة مصطفى حجازي. أسهم سنة 1964 في تأسيس الجمعية الفرنسيّة للتحليل النفسيّ وأنشأ ” المجلّة الجديدة للتحليل النفسيّ “. انضمّ إلى التحرّكات السياسيّة اليساريّة إلى جانب موريس ميرلوبونتي وجان بول سارتر.

خلف بونتاليس 40 عاما من الخبرة في التحليل النفسيّ ونحو خمسة عشر كتابا في صدارتها ترجمة الأعمال الكاملة لفرويد إلى الفرنسيّة، ومعجم مصطلحات التحليل النفسيّ، بعد فرويد ( 1965 )، بين الحلم والألم ( 1977 )، هوى البدايات ( سيرة ذاتيّة 1986 )، طريق الظلال ( 2003 )، هنّ ( 2007 )، رؤيا منوموتابا ( 2009 ).. وغيرها.

يدير عن دار غاليمار سلسلة بيوغرافيّة مهمّة ( الأنا والآخر )، يتحقّق فيها، من خلال سير الكتّاب واعترافاتهم، كلفه بالأدب والتحليل النفسيّ معا.

عثر بونتاليس على عبارة جميلة ليبدّد حيرة من يسأل عن سرّ هذا النشاط المتعدّد والكثيف لرجل في الخامسة والثمانين، فقال: ” أرق النهار ! “.
}}
{{[ المترجم ]}}

{{[*تليراما: كتبك توشوش، وتمشي على أطراف الأصابع لترشح بأفكار عميقة في كتمان. ألك أن تحدّثنا عن هذا الصمت الذي يغلّفها؟*]}}

بونتاليس: الكلام على الصمت خيانة لا يمكن اجتنابها. وكيف يمكن الكلام بالصمت عمّا هو غائر فينا؟ إذن، سألازم الصمت. لعلّ ذلك هو الطريقة المثلى لبيان ما هو..

{{[*- الكلام، عندك، لا يمكن أن يفسّر الصمت..*]}}

-الكلام يمكن أن ينبثق عن الصمت. لاحظت هذا في عملي كمحلّل نفسيّ. الصمت، في التحليل النفسيّ، هو شرط الكلام. هو يمثّل خلفيّة لا بدّ منها حتّى ينطلق من المريض ما هو غير متوقّع، ما نسمّيه الفكرة الطارئة. إنّها الفكرة التي تأتيك رأسًا، وبمنأى عن الخطاب المنظّم للمحادثات العاديّة.

أسمّي ذلك حالة الطفل الأعجم L’infans 1: وهي المرحلة قبل اللغة التي تتأبّى على كلّ السُّنن وكلّ الخطابات. في العادة، يقال إنّ الطفل الأعجم هو من حُرِم الكلام. وما أكثر ما ننسى أنّ الطفل الأعجم له منفذ إلى سجلّ من الأحاسيس والصور والمشاعر الملتبسة، ولكن الثمينة جدّا. هو من لم يدركْه جبروت اللّغة.
{{[*
-أيّ نوع من أنواع الأطفال كنتَ؟*]}}

-كنت طفلا ميّالا إلى الصمت، كما لو أنّني كنت أرفض الوقوع، مبكّرا، في الأحبولة، في الشَّرَك، في سجن اللّغة.

{{[*-هل تتّفق مع الشاعر جورج بيرو Georges Perros الذي قال: ” لا نكتبُ إلاّ إذا كنّا على حافة الصمت..”؟*]}}

-يمكن أن أقول ذلك بصيغة أخرى: نكتب لكي نتيح الكلام لِما لم ينقلْ قطّ. بل لما لم نكنْ لنقوله. نحن نتقدّم على أرض مجهولة، بلا معالم ولا مراجع في خارطتنا الجوّانيّة.

الكتابة، عندي، سفرٌ بلا بوصلة ولا وجهة معلومة. عندما أشرع في كتاب، لا أضع تصميما قطّ. ثمّ يأتي أو لا يأتي شيء مّا مجهول. إتاحة الكلام لمن لا يتكلّم هو، كما يبدو، ما خلصت إليه في المعالجة النفسيّة، وما أسعى إلى الحديث عنه في كتبي.

من الممكن أن يكون للصمت دلالات شتّى. ثمّة صمت من أُخضع للاستجواب. وثمّة، أيضا، صمتُ الزهّاد يرين في الفراغ. أحبّ كثيرا صمت بارتلباي Bartleby بطل مالفيل Melville الذي لا يعرف ، كلّما اُقتُرِح عليه أمر مّا، إلاّ أنْ يقول: ” أودّ أنْ لا..”. ثمّ يتقوقع في صمت يجد فيه، بلا ريب، حقيقة ذاته.

{{[*-كتبك تمشهد عمليّة الكتابة باعتبارها رغبة مستمرّة في الإرجاء. فأنت كثيرا ما تقول إنّك تكتب نصّا أو بحثا حول ملفّ مّا، ثمّ تدعه على الرفّ..*]}}

-أنطلق، دائما، من كلمة لا أعلم حقّ العلم ما تدلّ عليه. خذ لك، مثلا، كلمة ” البرزخ ” (limbes). قرأت أنّه يشير إلى موضع أعدّ للأطفال الذين ماتوا قبل أن يُعمّدوا. هم، إذن، لم يرتكبوا خطيئة شخصيّة، على أنّهم كانوا حملة للخطيئة الأصليّة. إذن، فالبرزخ هو منطقة وسطى بين الفردوس والجحيم. الوسط موضوع أثير لديّ. والبين بين موضوع ماثل في كلّ كتبي. في البرزخ، أيضا، صمتٌ.

{{[*- أتحبّ لعبة التوريات وتفكيك شفراتها؟ وهل يبدو لك ذلك يسيرا؟*]}}

-بين الأمريْن. قد أعطي قيمة للمعنى المزدوج لكلمة، بل قد أهتمّ بمعانيها المتعدّدة. غير أنّ الاكتفاء بذلك لدى المحلّل النفسيّ خاصّة لا يكون إلاّ دفاعيّا وفي الحالة القصوى. إنّها، بحقّ، طريقة للبقاء في أسر اللغة وإتاحة حيّز قليل لكلّ ما هو من طبيعة انفعاليّة عاطفيّة. ينبغي، إذن، أن نكون يقظين إزاء الألعاب اللّغويّة دون أن نجعل منها موضوعا للبحث. للصحف ولع بالمجانسات اللّفظيّة وخصوصا في العناوين. هذا الأمر يزعجني أيّما إزعاج.

{{[*- تضعون كتبا يمكن تسطيرها بيسر ويمكن وضع الحواشي عليها. فهل أنّ هذا الجانب الشذريّ في الكتابة جانب واع ؟*]}}

-شخصيّا، لا أحبّذ الكتابة على صفحات الكتب. إنّ فكرة التسطير تحت كلمات الغير أبدو معها وكأنّني بصدد إتلافها. ولكن، لا شيء يعدل سعادة الكاتب حين يجد صدى عند القارئ.

يحدث هذا، في الغالب، لأنّ القارئ يجد مكتوبا ما فكّر فيه دوما دون أن يكتبه أو يقولْه. أمّا بالنسبة إلى مسألة الكتابة الشذريّة، فإنّي غالبا ما أكتب فقرات هي أدنى للفصول منها إلى المقاطع المتتالية. بعد ذلك، أعمل على التأليف بينها. هي أشبه شيء بلعبة البازل. نأخذ قطعة، ثمّ أخرى، ونجتهد في التنضيد حتّى يلتئم من الشذرات الوجيزة كلٌّ واحد.

كذلك الأمر في التحليل النفسيّ. كلّ حصّة محادثة تمثّل شذرة من سلسلة شذرات تأخذ في الانتظام حول موضوع المعالجة حتّى تأخذ شكلا كلّيا. يحدث كلّ شيء كما في الحياة دائما. أنا لا أكاد أختار بقدر ما أنّ الموضوع هو الذي يفرض نفسه عليّ.

[*{{-أين كتبك التي ألّفتها؟ أمازالت تعيش فيك؟}}*]

– حينما ينشر أحد كتبي في طبعة جيب، يحدث أن أعيد قراءته. وينتابني شعور غريب بأنّي كتبت الكتاب نفسه مرّات. بيد أنّني أهدّئ من روعي بالقول: إذا كنت، دوما، أقول الشيء ذاته، فلأنّ هذا الشيء يسكن قلبي. ليس ذلك من قبيل التكرار أو الترديد، ولكنّه أمر آخر سأعود إليه.

ثمّة كتاب لكيركغارد Kierkegaard ترجم عنوانه إلى ” التكرار ” La Répétition. لكنْ في الحقيقة، اللّفظ الدقيق هو ” الإعادة ” la reprise. وهما ليسا سواء… نكرّر، ولكن، في كلّ مرّة، نحوّر لنكون أقرب إلى الحقيقة.

لهذا، إنّي أمارس الإعادة. كلّ كتاب هو استعادة لسابقه.

{{[*- في كتابك ” عبور الظلال ” Traversée des ombres La، قلت: من أجل أن تكون لنا هويّة لا بدّ أن نعترض أشباحا. فما هي الأشباح التي تدخل في تكوينك؟*]}}

-أذكر أبي بكلّ تأكيد، وقد فقدته في سنّ مبكّر.. ذات يوم في ستراسبورغ، وجدتني على مقعد بجانب جزائريّ يبدو أنّه بلا مأوى. حدّثني عن حياته، ثمّ غاب. إثر ذلك، تساءلت: لم أصغيتُ، بتعاطف، لرجل لا يجمعني به شيء.

فجأة، تذكّرت أنّني، بعد موت أبي، كنت كثيرا ما أراه في منامي في هيئة شخص مشرّد، رغم أنّه كان رجلا مولعا بأناقته.

كنت أراه في أحلامي تائها بين الطرقات. ولا أحد يتعرّف عليه باستثنائي. هو، أيضا، كان يتعرّف عليّ. كان ذلك هوام الطفولة. كان أبي على غير وفاق مع أمّي. وكان لا يحبّ أخي البكر. كان بيننا، إذن، حلف حقيقيّ. كان الوحيد الذي يعترف بي، وكنت الوحيد الذي يعترف به. لقد كان كشبح. وكان لي فيه منفذ إلى جانب مهمّ من هشاشته المخفيّة.

{{[*-لعلّه أورثك هذه القدرة على النفاذ إلى هشاشة الآخرين. الأمر الذي جعل منك محلّلا نفسيّا ذا صيت..*]}}

-كلّ حياة تنطبع بلقاءات شتّى تسهم في تحديد من نحن. لنا، جميعا، هويّة متعدّدة. فلا أحد يقبل أن يُحْصَر داخل أناه. لا أحد يقبل أن يقول عن نفسه: لست إلاّ أنا.. لقد وسمني أبي بميسمه، ووسمني، أيضا، موريس ميرلوبونتي وجاك لاكان..

{{[*- بمَ أنت مدين لموريس ميرلوبونتي؟*]}}

-من المستحيل أن أجيب بكلمتيْن ودَيْني له دَينٌ ثقيل. لقد حرّرني من كلّ لغة مختصّة. وأثبت لي أنّ الإنسان يمكن فيلسوفا كبيرا وكاتبا كبيرا في آن، كما كان هو . ذلك معقود بكلمة واحدة: التجسّد.

{{[*- في كتابك ” هوى البدايات ” L’Amour des commencements أقررتَ أنّ التقليد ينتج ضربا من الزهد. وأنت معروف بكونك مقلّدا للاكان Lacan…*]}}

-أحب التقليد، غير أنّ التقليد، عندي، هو وسيلة للتحرّر. لا يمكنني أنْ أقلّد أبي ولا ميرلوبونتي. التقليد، دائما، أمر كاريكاتوريّ ساخر. لذلك، لا يمكن أن نقلّد شخصا عزيزا نريد أن نحافظ عليه قريبا منّا. لا أقدر أن أقلّد إلاّ أولئك الذين أحتاج إلى الابتعاد عنهم دون التنصّل منهم في الآن ذاته…إنّ المقلّدين الكبار يستثيرون الضحك على حساب من يقلّدون.

{{[*- ما الذي يضحكك اليوم؟*]}}

– لا أحبّذ الهزء الصريح. إنّه رفض للاعتراف بدَيْننا نحو الآخرين. في المقابل، أحبّذ الفكاهة لأنّ فيها تعاطفا مع الآخر. أمّا السخرية فيمكن أن تؤذي، بما هي شكل من التعالي والتفوّق. ولذلك، فأنا لا أحبّذها.
{{[*- في كتابك الأخير ” رؤيا منوموتابا ” Le Songe de Monomotapa ، كتبتَ أنّ التأثيرات السيّئة كانت لك أجدى من التأثيرات الحسنة..*]}}

– لم تكن أمّي تراقب علاقاتي. حينما كنت طفلا، كنت تلميذا جيّدا. غير أنّ زملاء الفصل كانوا، في الغالب، من المشاغبين وسيّئي الأدب. لقد كانوا يتيحون لي فرصة الخروج من دور الطفل الحكيم والمؤدّب.
{{[*
– ما العملُ لتوقّي الخضوع ( لأيّة سلطة )؟*]}}

-جرّبت ذلك، من بعد، مع شخص كان له أثر كبير عليّ. هو محلّل نفسيّ أنقليزيّ من أصول باكستانيّة اسمه مسعود خان. كان شخصيّة طريفة غريبة مفترية بشكل فريد، بيد أنّه كان على حظّ من النبوغ. قلّة هم المحلّلون النفسيّون الخلاّقون والعصاة في آن.

فتنني مسعود خان كما فتن كثيرا غيري. وخطيرة هي الفتنة ! ثمّ آن أوان الانفصال عنه.

إذا ما ألفينا أنفسنا مرتهنين كلّية في عالم الغير، وفي هوامات الغير، وإذا ما كففنا عن أن نكون نحن، وتحوّلنا إلى شيء، فقد وجب أن نخلع القيد. إذا ما وقعنا في شَرَك الغير، فلننج بأنفسنا فورا. نحتاج إلى الغير لكي نخرج من ذواتنا، ولكنْ لا لنقطع معها نهائيّا.

لعلّ الحياةَ كذلك: دورة من الخضوع والانقطاع.

{{[*- كتابك ” رؤيا منوموتابا ” يدور على الصداقة. فهل تعرف الفايس بوك؟*]}}

– كلاّ. ما هو؟

Télérama 3111
27- 08- 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق