جبريل متأبّطا شعرا…

ليس الشعر، عند الفارابي، مجرد نظم للقوافي والأوزان، بل هو في جوهره قول «مسلجس». فالقول الشعري رغم مباينته لأصناف القول المذكورة في الأورغانون الأرسطي من برهان وجدل وسفسطة وخطابة «يرجع إلى نوع من أنواع السولوجسموس أو ما يتبعه السولوجسموس. وأعني بقولي ما يتبعه الاستقراء والمثال والفراسة وما أشبههما ممّا قوته قوّة قياس»(1). ويعقد الفارابي مقارنة – أو مفاضلة- بين أصناف الشعراء، فيجد أنهم في الواقع ثلاث طوائف: طائفة الشعراء الفطريين أو الشعراء بالطبع، وطائفة الشعراء المقلّدين ممّن ليست لهم”طباع شعرية ولا وقوف على قوانين الصناعة”(2). ثمّ طائفة الشعراء الخليقين بهذا الإسم، وهم الذين «يجوّدون التمثيلات والتشبيهات بالصناعة، وهؤلاء هم المستحقّون إسم الشعراء المسلجسين»(3). القول الشعريّ من حيث هو تمثيل يرتدّ إلى صورة القياس. لكنّه من جهة المادة أو المحتوى قياس يتوسّل بالتخييل، أي أنّ صوره التعبيرية وخيالاته تقوم مقام التصديق، وتترتّب عليها وظيفة التأثير في المتلقّي، فيقف هذا المتلقّي ضدّ موضوع التخييل الشعريّ أو معه وبالتالي يسلك إزاءه سلوكا(4). يقول الفارابي:”والتخييل هاهنا مثل العلم في البرهان، والظنّ في الجدل، والإقناع في الخطابة. فإنّ أفعال الإنسان كثيرا ما تتبع تخيلاته”(5). لكن ما طبيعة التخييل الشعريّ حقّا؟ وما علاقته بالفعل الإنسانيّ؟

يقوم الشعر إذن على آلية التمثيل، وبوصفه كذلك فهو قول «مسلجس» ويؤول إلى بنية القياس. ولئن كانت مقدّمات القياس الشعريّ تؤخذ “دون تدقيق في صدق المقدّمات أو كذبها” بالمقارنة مع أصناف المقدّمات البرهانية والجدلية والسفسطائية والخطابية، فلأنّ القول الشعريّ ينشد الحقيقة بواسطة التخييل. فهو يقوم على إذن على المحاكاة. فالشعر كما يوضّح الفارابي: “يصير أكمل وأفضل في ألفاظ غريبة وإما مشهورة، وبأن تكون المعاني المفهومة عن ألفاظها أمورا تحاكي الأمور التي فيها القول، وأن تكون مقسومة الأجزاء”(6). والفارابي كما نرى هنا يأخذ بعين الاعتبار، في حديثه عن الشعر، عناصر الإيقاع والوزن و”اللفظ الشعريّ”. لكنه لا يلتزم بذلك ولا يراعي هذه العناصر كلّها عندما يتعلّق الأمر بتحديد «ماهية الشعر»إن صحّ التعبير. يدلّ على ذلك التمييز الذي أجراه بين “الشعر” و”القول الشعريّ”. قال: “والقول إذا كان مؤلّفا ممّا يحاكي الشيء ولم يكن موزونا بإيقاع، فليس يعدّ شعرا، ولكن يقال هو قول شعريّ”(7). ولهذا التمييز كما سنرى أهمية بالغة. حسبنا الآن ما يمكن اعتباره محدّدا جوهريا للشعرية عند الفارابي وهو المحاكاة أو التخييل. ذلك أنّ هذين المفهومين مترادفان عند الفارابي. فهو يصف الأقاويل الشعرية أيضا بأنها “تركب من أشياء شأنها أن تخيّل في الأمر الذي فيه المخاطبة حالا أو شيئا أفضل أو أخسّ”(8). ومعلوم أنّ أرسطو لم يشر في “كتاب الشعر”إلى الخيال بوصفه قدرة “خلاقة”، إنّما تحدّث عن المحاكاة- في إطار تنظيره لمفهوم التراجيديا- بوصفها تشخيصا لأفعال ومواقف وانفعالات؛ في حين تشمل المحاكاة الفارابية سائر الأشياء أو الموجودات التي يمكن أن يسعها “علم إنسان”، لأنّ مهمّة الشعر”إيقاع المحكيات في أوهام الناس وحواسهم”(9). إن تقدير المسافة التي تفصل أو تقرّب، في هذا الصدد، بين الفارابي وأسلافه من الفلاسفة سواء تعلّق الأمر بأرسطو أم بأفلاطون أو أفلوطين أو غيرهم يتطلب قبل كل شيء استقصاء دلالات وأبعاد مفهوم التخييل عند الفارابي، وفهم الدواعي التي حملته على اتخاذ تلك المسافة “التأويلية” تجاه نظرائه الإغريق.

{{سياسة الشعر:}}

القول الشعري هو عبارة عن قياس تمثيلي وتخييلي هدفه التأثير في المتلقي. وتتحدد مهمة التخييل في نقل الحقائق البرهانية من حقل المجرد إلى حقل المحسوس، وحمل المتلقي على التصديق بتلك الحقائق عن طريق ما “يماثلها” من صور الحس من “المثالات والمحاكيات دون تدقيق في صدق المقدمات أو كذبها”(10). وذلك أن مهمّة التخييل هي تشخيص الحقائق أو تمثيلها، التي سبقت البرهنة عليها في مظانها سلفا، عن طريق الصور الحسية المماثلة لها، لتفعل فعل التصديق في المتلقي. أما الهدف المنشود من التخييل الشعري فهو حمل المتلقي على عمل الخير وسلوك الفضيلة في «المدينة الفاضلة» تلك اليوطوبيا التي تنشد السعادة التي «إذا حصلت لنا لم نحتج بعدها أصلا إلى أن نسعى لغاية أخرى غيرها»(11). ومعنى ذلك أن للشعر وظائف تربوية وأخلاقية واجتماعية، أو لنقل «سياسية». وهذه نقطة خلاف مركزية بين الفارابي وأرسطو الذي جعل من الكاتارسيس أو التطهير أفقا أو غاية قصوى للمحاكاة. غير أن سياسة الشعر، عند الفارابي، لا تلغي وظيفته الجمالية بل تحتويها – إن صحّ التعبير – طبقا لأجندة «السياسة المدنية»التربوية والأخلاقية والاجتماعية. كما أن سياسة الشعر لا تحجب الأبعاد المعرفية والسيكولوجية والميتافيزيقية للتخييل الشعري.

{{شعرية النبوة:}}

يحتل التخييل مكانة وسطى بين الحسّ والعقل. وإذا كانت المخيّلة تنتج قضايا كاذبة متى امتحنت بمعيار المطابقة للأعيان، فلأنّ مهمتها تتمثل في إنشاء صور أو تركيبات جمالية ومؤثرة من شأنها أن تحمل المتلقي على سلوك الفضيلة التي تتطلبها «المواطنة» في يوطوبيا الفارابي. ولا يمكن للمخيلة أن تخيل أي شيء اتفق، وإنما هي تنقل الحقائق الكلية المبرهن عليها سلفا في قطاعي الحكمة النظرية والعملية بهدي من «العقل الفعال». ولذلك فتركيبات الخيالي لا تأتي دائما مطابقة للمحسوس؛ فالقوة المخيلة “تحفظ المحسوسات بعد غيبتها عن الحسّ، وهي بالطبع حاكمة على المحسوسات ومتحكّمة عليها، وذلك بأن تفرد بعضها عن بعض، وتركب بعضها إلى بعض، تركيبات مختلفة، يتفق في بعضها أن تكون موافقة لما حس، وفي بعضها أن تكون مخالفة للمحسوس»(12). وعندما يتعلق الأمر بالتخييل الشعري، فإن الشاعر «المسلجس» مدعوّ لتجويد الصناعة بمحاكاة الأمور البعيدة والمجردة متى قدر على ذلك. فالتخييل مستويات ومراتب، وأفضلها ما أثّر في المتلقّي أكثر من غيره وكان محاكيا لحقائق ومبادئ النظر والعمل المتاحة بفضل نور العقل الفعّال.

وبعد، فالسؤال الذي يلحّ علينا في هذا المضمار هو: ألا يوشك التخييل أن يحتل، بمقتضى”سياسة”الشعر، المكان نفسه الذي تشغله الخطابة في نظام أرسطو؟ يبدو أن الأمر هو كذلك بالفعل، لا لمجرد أن الشعر شكل «ديوان العرب»كما كان يردد النقاد التقليديون؛ فالفارابي يصرح منتقدا «أنّ أشعار العرب إنما هي في النهم والكدية»(13)؛ بل لأن «الناموس»الماسك بناصية «المدينة الإسلامية»هو بطبيعته ناموس شعري. ولا تتمثل شعرية الناموس في البنى الصوتية والإيقاعية للكلام الإلهي، وإن اتفق أن كثيرا من الآيات جاءت موزونة، ومثلت كل بحور الشعر المعروفة(14). فمثل هذا التفسير محجوج على الأقل بانتفاء القصدية:”وما علّمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين”(يس:69)؛ والفارابي كما مرّ بنا يميز بين «الشعر»وبين «القول الشعري». إن شعرية الناموس تحددها طبيعة الكلام الإلهي كتخييل للحقيقة وكسياسة للناس.

إنّ الإشكالية التي استغرقت نظر الفارابي، سواء في حقل نظرية المعرفة أو في مسائل السياسة المدنية أو غير ذلك، يجليها هذا السعي إلى المصالحة أو التوفيق بين المشروعية الدينية والمشروعية «العقلانية»والإنسانية : حقّ الملّة وحقّ الفلسفة. فالملّة – أو تأويلاتها –التي لا تعترف بحقّ الفلسفة أو حقّ العقل والإنسان بحيث “لا تكون للفلسفة ولا لأهلها رئاسة على تلك الملّة ولا على أهلها بل تكون مطرحة وأهلها مطرحين”(15) هي ملّة تستوجب «العناد». ويلتزم الفلاسفة في نظر الفارابي «أن لا يعاندوا الملّة نفسها بل يعاندوهم في ظنّهم أنّ الملّة مضادّة للفلسفة ويجتهدون في أن يزيلوا عنهم هذا الظن بأن يلتمسوا تفهيمهم أنّ التي في ملّتهم مثالات»(16).

إنّ الملة المناهضة للفلسفة جملة هي ملّة فاسدة. والملّة المشروعة هي تلك التي تمتح من الحقائق النظرية ومبادئ العمل المبرهن عليها في مظانها من كتب القوم. أما امتياز”واضع النواميس”عن الفيلسوف، فلا يتعدّى جودة التخييل والتمثيل فيما ينقل عن العقل الفعال وللأغراض التي يشرعها العقل العملي. ولا عجب أن يطلب الفيلسوف هذه الملكة لنفسه وهو أصلا طالب كمال. فللفارابي دعاء معروف يتضرع فيه إلى «العلة الأولى»أن تجود عليه بفيض من العقل الفعال، وأن تهذب نفسه من «طينة الهيولى»وتطهّرها من “كدر الطبيعة والعناصر”(17). ومن حيث هو تخييل فهو بطبيعته”قول شعريّ”، ومن حيث هو تمثيل فهو بالضرورة “سولوجسموس”، ويجب بالضرورة أن يخضع لامتحان العقل، ذلك أن التمثيل يقع تحت طائلة “المعنى الكلي الذي من أجل وجهته وجد الحكم للأعرف”(18). وتستمد الرقابة العقلية سلطتها من أولوية ذلك «المعنى الكلي»الحاكم على التخييلات والتمثيلات. وتتخذ هذه الرقابة صورة التأويل أي إرجاع التمثيل الخيالي إلى الأصل «الأول»الفائض عن العقل الفعال.على هذا النحو يضمن الفارابي للفيلسوف موطئ قدم في مدينة «واضع النواميس»،حيث “الفلسفة مطرحة وأهلها مطرحون”(19).

فلأنّ الناموس شعريّ بطبيعته أي تمثيليّ وتخييليّ، ولأنّ «أفعال الإنسان كثيرا ما تتبع تخيلاته»، ولأنّ هذه الأفعال تهمّ سعادة الناس أجمعين، كان لزاما على الفيلسوف أن يضع نظرية في الشعر يبرز من خلالها قيم العقل والفضيلة والخير العامّ. فالشاعر والنبيّ كلاهما «مسلجس»أو ناظم أقيسة، وكلاهما صانع أخيلة وتمثيلات تمتح مصداقيتها من فيوضات العقل الفعال، و”هو الذي ينبغي أن يقال أنه الروح الأمين وروح القدس، ويسمى بأشباه هذين من الأسماء، ورتبته تسمى الملكوت وأشباه ذلك من الأسماء»(20).

وبعد.. إن الفارابي ينقلنا، في تناوله لقضايا نظرية الشعر، من دائرة القول البلاغي الصرف إلى فسحة القول الفلسفي بله الأنثربولوجي المفتوح على شتى التأويلات المعاصرة. شجاعة نادرة، ودرس رفيع من العصر الوسيط يشعرنا بالخجل والأسى متى قورن الأمر بحالنا اليوم، حيث يتناسل بصورة رهيبة مرتزقة «الإعجاز» النفطيون، عبدة الحبّة السوداء.

{{
الهوامش:}}

1-الفارابي، رسالة في قوانين صناعة الشعر، ضمن أرسطو، كتاب فن الشعر، تح. عبد الرحمن بدوى، القاهرة، النهضة المصرية، ط.1،1953.ص 151

2-نفسه،ص ص 155-156.

3-نفسه،ص 156.

4-عاطف جودة نصر،الخيال:مفهوماته ووظائفه، القاهرة-بيروت، الشركة المصرية العالمية للنشر ومكتبة لبنان،1998،ط.1،ص 179.

5-الفارابي، جوامع الشعر، ضمن ابن رشد، تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر، تحقيق محمد سليم سالم، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ط.1،1971.ص174.

6-نفسه،ص 171.

7-نفسه،ص 172.

8-الفارابي، إحصاء العلوم، تح.عثمان أمين، القاهرة، مكتبة الأنجلو، ط.2، 1968، ص ص 65-66.

9-الفارابي، رسالة في قوانين الشعر، مذكور، ص158.

10-الفارابي، إحصاء العلوم، مذكور، ن.ص.

11-الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، تح. جعفر آل ياسين، دار المناهل، ط.2،1987،ص49.

12-الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تح.ألبير نصري نادر، بيروت، دار المشرق، 1985، ص89.

13-ابن رشد، تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر، مذكور،ص.67.

14-محمد بدوي المختون،»علم العروض»، ضمن موسوعة الحضارة العربية الإسلامية، ج.3،بيروت-عمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ومؤسسة فارس للنشر، ط.1، 1995، ص534.

15-الفارابي، كتاب الحروف، بيروت، دار الكتب العلمية، ط.1، 2006.ص 90.

16-نفسه، ن.ص.

17-الفارابي، كتاب الملة ونصوص أخرى، تح.محسن مهدي، بيروت، دار المشرق، ط.2، 1991، ص89-90.

18-أورده حم النقاري، «الاستدلال في علم الكلام»، ضمن الاستدلال في العلم، تنسيق عبد السلام بن ميس، منشورات كلية الآداب بالرباط،2000 ،ص148.

19-الفارابي، كتاب الحروف، مذكور، ن.ص.

20-الفارابي، السياسة المدنية، أورده عبد الرحمن بدوي، الفلسفة والفلاسفة في الحضارة العربية، ضمن موسوعة الحضارة العربية الإسلامية، مذكور، ج1، مذكور، ص 237.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق