جدار الأعظمية… الطوائف “الإسمنتية” وأنهار الطين

قد يبدو لافتاً أنَّ بغداد وهي عاصمة الخلافة الإسلامية لخمسة قرون لم تكن محميَّةً بقلاع شاهقة، أو بمراصدَ متقدِّمة لتوفير الحماية الداخلية للمدينة، كان اتساعُ الإمبراطورية وانتشار الجيوش الإسلامية على رقع متسعة من آسيا إلى أفريقيا، جنَّب الخلفاء حمل عبء التفكير في توفير تلك الحماية الذاتية للعاصمة. وكان طينُ دجلة لا يصلحُ بالتأكيد أن ينافس حجر الجبل ولا صخر البحر لتشييد القلاع، ولكنْه كانَ رُقُماً للكتابة وآجرّاً لبناء المنازل ورفع الأسيجة ضد الطوفان.

بغداد كانت تحرسها الخرافة حقاً، إذ يذكر الخطيب البغدادي أنَّهُ كانَت في قصر المنصور قبة خضراء عالية إلى درجة أنها كانت تُرى من أطراف بغداد، ينتصب عليها تمثالٌ لفارس على جواده وهو يحملُ الرمحَ كأنه يسدِّدهُ، فكانَ الخليفة إذا ما رأى الفارسَ استدارَ واستقبلَ إحدى الجهات ووجهَ رُمحهُ نحوها، علمَ أن عدوَّاً خرج من تلك الجهة فأمرَ بالتجهيز لملاقاته!

ولكي تتم الخرافة يشير صاحب تاريخ بغداد إلى أن التمثال لم يكن موجوداً يوم سقطت بغداد بيد المغول فالفارس النذير كانَ قد سقط قبل ذلك في ليلة ممطرة وذات برق ورعود!

أما سور بغداد فكان مُحدَّداً بأحياء دون غيرها، ورغم بنائه وإعادة بنائه لمرات عدة منذ عهد المنصور حتى سقوط بغداد بيد المغول، فلم يعرف عنه أنهُ عَصَمَ المدينة يوماً من النزاعات الداخلية.

على أن العراق عموماً هو بلد الجدران الأسطورية والواقعية معاً منذ أسوار أورك في الملحمة كلكامش البابلية إلى جدار الأعظمية في حكاية حرية بوش الأمريكية، فحروبه جعلت من حوله يفكرون بالجدار درعاً ودريئة لتجنب التماس معه ومع مشكلاته العابرة للحدود، فالسعودية أعلنت في أكتوبر 2006 عن نيتها بناء جدار بطول 840 كيلو متراً وبأحدث التنقيات لمنع عبور المتسللين إليها، أما سوريا فأقامت ساتراً ترابياً على حدودها مع العراق لمنع دخول المسلحين بناء على طلب أميركي، لكنَّ الكويت سبقت الجميعَ إلى الفكرة عندما أعلنت بعد “عودة الفرع إلى الأصل” عام 1990 أنَّ لا شيء يردُّ صدام عن معاودة احتلالها سوى إقامة سور بين البلدين، ولا أظنها عدلت عن هذه الفكرة بعد إعدام صدام.

أما إيران التي خاض العراق معها حرباً لثماني سنوات فلا تزال حدودها مفتوحة، رغم أن هناك بعض الشوفينيين يردد حديثاً لا وقوفَ على صحته، منسوباً إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب يقول فيه ” ليت بيننا وبين الفرس جبل من نار لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم” ..متى قال عمر هذا؟ هل عندما كانت جيوشه في إيران أم عندما كان سلفه يرسل الجيوش لفتحها؟ وهل يعقل أن يقول قائدٌ في أمة تطمح إلى التواصل والانتشار مثل هذا الحديث.

واليوم تبدو الجدران عوازل مفترضة بين المتقاتلين في الحروب الداخلية للعراق، ولكن هل ستتحقق فكرة الدرع والحاجز هذه المرة، أم ستغدو “القلاع” التي لم تبن قديماً لحماية المدينة، محميات إسمنتية تجعل من الحروب الأهلية أكثر قسوة، وأبعد شأناً من حروب الجيران؟
من أين وصلنا إلى الجدران الإسمنتية؟ لقد كانت الأسلاك الشائكة صورة البشاعة للاحتلال خلال القرن الماضي، نتذكر أغنية أم كلثوم من شعر نزار قباني:
” أبحث عن بيتي الذي هناك
عن وطني المحاط بالأسلاك”
رحم الله أم كلثوم وعبد الوهاب ونزار قباني وأيام الأسلاك الشائكة والبندقية جميعاً.
فتلك الأسلاك الشائكة كانت كافية لحملِ بندقية، لكنَّ الجدران تنشأ اليوم في حملات التفخيخ.

نحن في شرق من الجدران، من جدار الفصل بين رام الله والقدس إلى الجدار المقترح بين باكستان وأفغانستان وغداً جدران هنا وجدران هناك وبينها جدران العراق بالتأكيد.

نحن خلف الجدران تماماً في الزمن ذاته الذي يتصل فيه الأميركي بالعربي في لحظة واحدة عبر تقنيات الحداثة! في زمن تفاعل الحضارات أو تصادمها، تشابك الثقافات أو اشتباكها، لكننا أيضاً في عزلات محلية وأكثر من منفى إقليمي.

لم تكن الجدرانُ يوماً سوى خريطة “للغيتو” حتى وإنْ اتخذت أسماء حسنى، فسور “السلام” بين الكاثوليك والبروتستانت في بلفاست أصبح جداراً أسمنتياً يفصل الأيرلندي الكاثوليكي عن الأيرلندي البروتستانتي، ولعل البحث عن بريطانيا ضروري هنا.

جدار برلين بقي رمزاً غربياً “للاستبداد الشيوعي” قبل أن تنهار رمزية الشيوعية بانهيار الجدار في العام 1989، وتحول الجدار إلى ذكرى. وإذا كان جدار برلين الرمز الأيقوني للحرب الباردة بين الإمبراطوريات وجدار بلفاست عنواناً غير موفق لتعايش الطوائف فإن “جدار الأعظمية” لن يكون تعويذة لطرد شبح العنف الطائفي، ولا الهجمات اليومية ضد القوات الأميركية.

الجدار والجسر وتدابير القدر

بين الإعلان عن إنشاء جدار الأعظمية في الليالي العشر التي أعقبت الذكرى الرابعة لاحتلال العراق وتفجير جسر الصرافية يوم 12 أبريل وقت يبدو واحداً، فبينما كان الجسر، الذي يعرف أيضاً بجسر الحديد، ينسف في مكانين مما سهل انهيار قسم منه في مياه دجلة، كان الجدار يشيَّدُ برصف مجموعات من القطع الإسمنتية حول المدينة من جهة الشرق، ثمة أكثر من تأويل لهذا وذاك معاً لعل “الطائفية” أسهلها في العراق الجديد.

الطائفية كما يتَّهمها مثقفو المارينز، وفقهاء الطوائف على حدٍّ سواء، “الطائفية” التي لم تعُدْ طائفيَّة كتبِ الاحتجاج ومنابر اللعن، ولا مؤلفات المثالب والمناقب، والوفيات والمَقَاتِل، لا طائفية السيوف ولا طائفية الحروب والغزوات القديمة، إنها طائفية الحواجز في شوارع المدن “المحررة” من سطوة الاستبداد، حيث يُقتلُ عمر “الشيعي” وعبد الأمير “السني”، والعبارة صحيحة 100 %، لأنَّ عمر “الشيعي” قتله الطائفيون من “الشيعة” لأنَّ أسمه يشيرُ إلى “هوية مضادة” وعبد الأمير السني قتله “الجهاديون” من السنَّة لأنَّ الجهادَ ضدَّ أسمِهِ أولى من أيِّ جهادٍ آخر.

الطائفيَّةُ الملتبسة ليست الدينية وإنما الفكرية، منذ يوم التاسع من أبريل الذي أصبح متوزعاً على وصفين “يوم التحرير” أو “يوم الاحتلال”، فهي لقاح جديد من هذا السِّفاح بين الحرية والاستعباد، بين الاستبداد والكولونيالية.

وفي معمان التيه الأميركي والحيرة في صناعة الحرية، وفي رحلة غامضة هي خبط عشواء بكل المعايير، وجدها الأميركان أخيراً ، وَجَدها قادة المارينز الذين أسقطوا تمثال صدام في ساحة الفردوس بينما فتحوا باب الجحيم على العراقيين من جهة أخرى.

لكأنَّ الأميركان، باكتشافهم الجديد خرجوا عراة، تماماً كما فعل أرخميدس عندما اكتشفَ نظريته في “الوزن النوعي” فخرج من حمامه عارياً مردداً تلك العبارة الشهيرة: وجدتها وجدتها.

فلا العملية السياسية ولا اجتثاث البعث، لا مجلس الحكم ولا الانتخابات، لا الخطة الأمنية ولا تعزيز القوات في العراق ولا سحبها، جميعها لا تنفع، فليكن “الجدار” بديلاً عن “النهر” و”الغيتو السني” في المحيط “الشيعي” ثم استكمال المعادلة معكوسة، إنها فكرة الإمبراطوريات من اليونانية إلى الرومانية وهي استعادة لنموذج “الغيتو” اليهودي في أوروبا.

وإذا كان “الغيتو اليهودي” وليد عصور الإقطاع والإمبراطوريات القديمة فإن “غيتو الطوائف” وأحياء العزل القسري بجدران الإسمنت هو سمة القانون العالمي الجديد لكفالة حقوق الأقليات في المجتمعات المفدرلة أو المتفدرلة حتى كأنَّ لا كفالة للهويَّة إلا خلف جدار!

إنه مقترح مفتوح لأنساق مغلقة، وخيار متاح لإعادة “أعظمة” أحياء أخرى، تمهيداً للترحيب مجدداً بعودة العواصم المشطورة، على هَدْيِ تلك “الثقافة القديمة” من برلين إلى قبرص إلى بلفاست وصولاً إلى القدس وبيروت الحرب.

بغداد أكبر عاصمة عربية بعد القاهرة وهي مفتوحة أفقياً ربما أكثر من القاهرة، ولأنَّ من أشرف على تشكيل شرطة بغداد هو أحدُ كبار العاملين في إدارة شرطة نيويورك فلا بأسَ أنْ تكونَ هناك أحياءٌ شبيهة بهارلم وبروكلين! أحياء مغلقة للسنَّة وأخرى منغلقة على الشيعة تدخل الريبة كلما دخلها “الأغيار”.

و”الغيتو” المناطقي والديموغرافي كان قد تحقق فعلاً في البلاد منذ مدة، حتى قبل جدار الأعظمية في الرصافة وجدار المنطقة الخضراء في الكرخ.

فملامحه كانت تتشكل مع الحواجز التي يضعها الجيش الأميركي في الشوارع، بعزل المنطقة الخضراء، وعزل الفلوجة بعد معارك ربيع العام 2004 وخريفه، قطع الطرق بين المحافظات ذات الغالبية الشيعية خلال معارك النجف، كلها مؤشرات لم تلقَ إدانة مناسبة بل حظيتْ غالباً “بمباركة” دعاة العراق الجديد، مما شجَّعَ الأميركان على المضي قدماً في عزل السكان على أساس طائفي باستراتيجية العزل الأسمنتي، وتحديد الدخول إلى المدن على “الهوية” بعد أنْ أصبحتْ حواجزُ القتل على الهويَّة سمةً سائدة من سمات “العهد الجديد”.

وقد يكون مستغرباً حدَّ الاستهجان، أنْ يُصرف كلَّ هذا الجهد والموارد والوقت والقدرات البشرية والمواد الأولية على تشييد جدار يعزل الناس عن بعضهم بينما ثمَّةَ آلافُ العوائل تخيِّمُ في ضواحي المدن دون مساكن، وأخرى مُهجَّرة لا تجدُ لها مأوى، ناهيك عن عزوف الأميركان عن رصف آجرة واحدة في مشروع ما سمي “إعادة أعمار العراق”.

لكنَّ الغريبَ حقاً أنَّ بين سُكَّان ” الأعظمية” وآخرين من مناطق أخرى تالية، من وصل إلى قناعة تجعل من هذا الجدار يبدو جزءاً من الحل! هذه القناعة الحائرة المحيرة، تُعبِّرُ عن توجُّهين داخلَ المدينة نفسها فهناك منْ خَرَجَ متظاهراً ضدَّ الجدار مطالباً بإزالته.

إذن كيف سيكون تعايشُ منْ هُمْ داخل الجدار؟ وهل هو سياج خارجي أم شرخ داخلي؟

يقال للأعظميين إنَّ الجدار لحمايتهم من الهجمات الإرهابية القادمة من خارج الحيَّ، ويقالُ لمنْ حولهم من “الشيعة” إنه لمنعِ الإرهابيين من الانطلاق من أوكارهم في “الأعظمية” وشنِّ هجماتهم، وهي ستنحسر عندما يغدو الحيُّ ببوابة وحيدة مُراقبة.

شرخ آخر رسمه جدارُ الأعظمية حينَ أظهرَ وجود ازدواجٍ في اتخاذ القرار، يصلُ حدَّ التضارب، ليس بين الأميركان وحكومة المالكي فذلك أمرٌ باتَ معلوماً، وإنَّما بين الحكومة التي فوجئ رئيسها وهو خارج العراق ببناء الجدار فطلبَ إيقافه، وبين القوات المسلحة التي يعدُّ رئيس الحكومة قائدَها العام وهي تأتمرُ بأمرهِ حسب الدستور، فأعلنَ قياديونَ من الجيش أنَّ قضية الجدارَ من صلاحية القيادة العسكرية لا السياسية!

والأعظمية شرخ آخر بين زمنين وعهدين، فمنها اختفى صدام في آخر لقطة له في ثيابه العسكرية، وآخر ظهور علني لهُ بينَ المواطنين ليصبحَ بعدها “الرئيس المختفي” و”نزيل الحفرة” ثمَّ “السجين والأسير” لينتهي معلقاً بحبل المشنقة، شهيداً بطلاً لدى “طائفة” و”مجرماً” واجه مصيره لدى “طائفة” أخرى، والعبارة هنا بحاجة إلى توضيح فـ “الطائفة” هنا استعارة مولدة من الطائفة السياسية والطائفة الدينية معاً!

الأعظميَّة اليوم معزولةٌ عن حيِّ “الشعب” وعن “مدينة الصدر” من الشرق وهي محاصرة بدجلة من الغرب ومحصورة في خاصرة النهر. إذن النهر من جهة والجدار من الجهة الأخرى والعنف الطائفي في كل مكان.

غير أن هذا لنْ يمنعَ العنف الطائفي إذا ما أراد شنَّهُ أحدٌ من الجانبين، فأسلحة الهاون والراجمات ” الكاتيوشا” المعدلة لكي تُحمل على شاحنات مدنية صغيرة ومموهة قد دخلت المواجهة منذ مدة، ولعلَّ الجدار سيصبحُ إحداثيةً طوائفية جديدة يتلخَّصُ مداها في إصابة كل ما وراء الجدار إلى الخارج، وكل ما في داخل الجدار من جهة مقابلة.
أحرار خلف الجدران
في العودة إلى بغداد العباسية، نجد أنَّ الأعظمية لم تكن واقعة في الحدودِ الدائرية للهندسة المستحدثة في بناء المدن والتي أنشات بغداد على الضفة الغربية من النهر، حيث وقف المنصور وأعلن بناء المدينة، داراً لخلافة وعاصمة لإمبراطورية يمتدُّ خراجُها من أراضي المغول الدافئة إلى شتاء القبائل البربرية.

لكنَّ كلَّ ملامح بغداد العاصمة لدولة وُلِدتْ بعد الاحتلال البريطاني تتركز في الأعظمية حقاً. وعندما نقول الرصافة فإنَّنا نقصدُ أهمَّ معالم بغداد العثمانية وبغداد الملكية والجمهورية ومناطق الأقليات المتجاورة والمتداخلة: شارع الرشيد وشارع أبي نؤاس والبتاويين وحي اليهود وكامب سارة وكامب الأرمن والأعظمية التي تكاد تكون اليوم درتها الوحيدة الباقية حقاً.. صحيح أن الرصافة هي ” عسكر المهدي” نسبة إلى المهدي أبن المنصور ووريثه الذي جعل الرصافة ثكنة والكرخ داراً للخلافة إلا أنَّ الخلافة زالت وغربت شمسها، وبقيت الرصافة وانهزم العسكر مرات ومرات، وبقيت المدينة بضريح ومئذنة حيث يجتمع الناسُ ولا ينفرطون.

فالأعظمية من تلك المدن التي يُسهمُ في عمرانها الأموات، بمعنى أنْ يتجمَّعَ الأحياء من مهاجري النواحي والأطراف ليتمركزوا حول أضرحة الأموات فتقوم المدينة.

هذا هو شأنُ “الكاظمية” الشيعية كما هو شأنُ الأعظمية السنِّية، ولم تعد الأعظمية مجرد ضريح للإمام أبو حنيفة النعمان فهي تضمُّ كذلك مقبرة “الخيزران” والدة الخليفة هارون الرشيد، والمقبرة الملكية التي تضم رفات العائلة الملكية الذين قتلوا في 14 تموز 1958، وكذلك رفات الملكة عالية وعلي بن الحسين إضافة إلى قبر جعفر العسكري أول وزير دفاع في الدولة العراقية الذي اغتيل في انقلاب بكر صدقي عام 1936، في سابقة خطيرة على يد ” عريف” يخدم في جيش كان العسكري من مؤسسيه.

وتُعدُّ الأعظمية من تلك المدن الاستيطانية التي تحتضن المهاجرين فتنتزعهم من ولائهم القديم وتُصبح هوية مناطقية جامعة وصاهرة للمهاجرين، شأنها في ذلك شأن مدينة الثورة/الصدر المجاورة، وإذا كانت الثورة حاضنةً للمهاجرين الشيعة من جنوب العراق: العمارة والناصرية والكوت نهاية الخمسينات، فإن الأعظمية حاضنة للمهاجرين السنَّة من سامراء والرمادي وتكريت والموصل. منذ العهد العثماني مروراً بعهد الاحتلال البريطاني فالعهد الملكي.

إنها البنية الاجتماعية الجديدة في العاصمة وهي إما أنْ تكونَ ترييفاً للمدن أو تكون تهذيباً للبداوة على رأي أبن خلدون، وكانت الأعظمية من الصنف الثاني لسنوات مديدة، فكونت نسيجها المدني الأثير، ساعدها في ذلك وجود تمركز للمؤسسات المدنية في محيطها وتعايش للأنساق المدنية والأهلية مثل جامعة بغداد وكلية الإمام الأعظم وملعب الكشافة “أقدم ملعب كرة قدم في العراق” وكورنيش الأعظمية على دجلة الذي كان نموذجاً للانفتاح الاجتماعي.

ولهذا طغت كنية المكان على مرجعية التحدر لدى القادمين من تلك المناطق في الشمال والغرب، فأصبحت نسبة “الأعظمي” هوية متولدة عن تلك المناطق وماحية لها.

ولهذا أيضاً لن يكون الجدارُ حلاً لمعضلة بالتأكيد، وإنَّما هو تكريسٌ لمعضلة قائمة وتهييج لتفاعلاتٍ لاحقة. فالعسكرُ الذين اتخذوا قراراً “أمنيَّاً” بوضع الحواجز، لم يدركوا الانعكاس الثقافي السيء، والأثر الاجتماعي الأسوأ لمثل هذا السلوك، تماماً مثلما كان جانب إسقاط النظام في العراق وإلغاء الدولة الغاية القصوى لدى الجنرالات، ولم تتبدَ بعدها أمام ذوي ربطات العنق أية آفاق واضحة سوى الفوضى المتوالدة.

إنه الجدار “الساقط” حتماً ولكن بعد أن يُسقط ما يسقطُ، فهو شُيِّد بليلٍ وما أنْ طلعَ الفجرُ عليه حتى بدا مثل فضيحة تستحقُّ الإدانة. التظاهرات وتناقض القرار بين السفارة الأميركية والحكومة بين الجيش ومحافظة بغداد، تؤكد أن الجدار ما هو سوى بالونَ اختبار، وسؤال أولي يحاول أن يمرَّ بأقلِّ ثمنٍ ممكنٍ من أجل أن يستكملَ أولاً على أنْ يغدو سورَ بغداد الجديد، السور الذي يحيط بالأحياء ويقفلها على همومها.

سياج طوله خمسة كيلو مترات وارتفاعه ثلاثة أمتار ونصف المتر، ذلك هو سياج التجربة الأميركية في العراق اليوم، والوصول إلى الجدار الذي لا يقود إلى أفق حرٍّ، فبه كرَّستْ أميركا عيشها مع تجربتها وراء السياج، فسفارتها تحكم من خلف سياج المنطقة الخضراء في وقت يقود فيه أحد الأحزاب العراقية المشاركة في العملية السياسية حملة لإخراجها من تلك المنطقة، لكنَّ السفارة هي من جعل المنطقة الخضراء مسوَّرة بجدار عازل هي من يبتدع فكرة الجدران حلولاً حينما يصل الحلُّ إلى لا طريق.

ألم تكن مدينة الخليفة المنصور دائرية وخضراء أيضاً ومسوَّرة كذلك بسور من الطين ويجري في بساتينها أحدَ عشرَ نهراً صغيراً غير دجلة؟ أين أصبح المنصور والسور؟ مضى الجميعُ وبقيت دجلة وصيرورة بغداد بين الماء والطين.

وخلال مرحلة الاستبداد الماضية، طالما وصف العراق بالسجن الكبير. كانت فكرة السجن تطغى على حقيقته، وذلك ما جعل الفكرة قاسية، أما اليوم فإن الحقيقةَ هي القسوة متجسدة بسجن كبير بلا مجاز ولا كناية، سجن متوزع على سجون فرعية بجدران، تلك الطائفة الأسمنتية الأخطر في عراق الشقاق.

الجدار الأسمنتي اليوم أبيضٌ نظيفٌ، رماديٌّ ربَّما، يتنزَّهُ الأولادُ ويسيرون بموازاته كأنهم يتعرَّفونَ على شاخص غريب وجديد في المدينة، لكن ماذا سيفعلون غداً؟ ما هي الشعارات واللوحات التي سيكتبونها عليه؟

وماذا عن بعد غد؟

ماذا سيفعلون بعد الكتابة والرسم؟

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق