جدل مع جورج طرابيشي ولؤي حسين حول المعجزة



كنت وأنا أقرأ كتاب (المعجزة أو سبات العقل في الإسلام) للمفكّر جورج طرابيشي، أتذكّر دائما رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ. وكلما أوغلت في القراءة كانت شخصيات الرواية تحضر على شاشة ذاكرتي، الأمر الذي جعلني أفكر طويلا  بعد الانتهاء من قراءة الكتاب: ما الأمر الذي استدعى الرواية ؟ ما الرابط بين عمل فكريّ وعمل روائيّ؟

استطاع الروائي الكبير نجيب محفوظ في روايته سابقة الذكر،  أن يحفر بعناية حول أسس المقدّس الدّينيّ، ويهزّه ويخلخله دون أن يستفزّ عقل المؤمن ويجرح معتقداته بطريقة مباشرة، إذ اعتمد أسلوب الكناية والمجاز والمكر اللغويّ الأخّاذ الذي يسمح له بقول ما يريد بعيدا عن أعين الرقابات المتعدّدة التي تتّخذ من الكلام الظاهر والمباشر في أيّ عمل ذريعة لها لتكتم أصوات المثقفين وتلغيهم وتهدر دماءهم، ومع ذلك لم يسلم الروائيّ الكبير من شرورها.

وهنا في هذا الكتاب يسعى جورج طرابيشي إلى نقد البنية المولّدة لكلّ ذلك الكذب واللاعقلانية والسحر واللامعقول، الذين تحفل بهم حياتنا المعاصرة وتراثنا المحشوّ بالأكاذيب، وذلك كلّه بطريقة عقلانية هادئة تعتمد التحليل الهادئ والرصين وإيراد الأمثلة المستقاة تماما من مصادرها ( القرآن والسنة النبوية وكتب الفقهاء والمؤرّخين)، تلك المصادر التي تشكّل  المرجع الأساس للفقه الإسلاميّ المعاصر وللحركات الإسلامية  على اختلاف أنواعها: من المتطرّفين والإرهابيين إلى المعتدلين والليبراليين الإسلاميين إضافة إلى الإسلام الشعبيّ، الأمر الذي يعني أنّ جورج طرابيشي يُعمل مبضع نقده في سويداء قلب الفقه العربي المعاصر، مستندا على مراجعه فقط، بعيدا عن أيّة مراجع غربية يعتبرها الإسلاميّون تخريبية، وغير ذات مصداقية بالنسبة إليهم، وهنا يصادر منهم جورج طرابيشي واحدة من أهمّ حججهم التي يسوقونها عادة للردّ على مخالفيهم متّهمين إيّاهم بالتغريب، قائلا لهم: هاهي مصادركم ومستودع معلوماتكم تحفل بالكذب والتناقضات مع النصّ القرآنيّ الذي تبجّلون وتحترمون فهاتوا ردّكم إن كنتم مؤمنين؟

في هذه النقطة بالذات تكمن أهمّية الكتاب: إنّه يسعى لإقامة جدل وحوار مع تيّار إسلاميّ عريض يستولي على السّاحة ـ شئنا أم أبينا-  ومن داخل بيته، وهذا ما نحتاجه بالذات: إيجاد أرضية مشتركة للحوار مع الآخر والعمل على جرّ هذا المختلف معنا فكريا إلى ساحات الجدل والحوار، وإيصال أفكارنا له لحثه على التفكير والتدقيق وإعادة النظر في تراثه وكتب فقهائه، أي إنه يُشَرّح أسّ تلك التيّارات المعادية للعقل، ويثبّت بذلك أسس العقلانية العربية وتيّارات الحداثة دون أن ينفي هزيمتها وفق ما استنتج الكاتب لؤي حسين في مقاله المنشور في الأوان( المعجزة والإيمان في الإسلام تاريخ النشر: 2008-07- 29)  ،حيث يقول  لؤي في ختام مقالته: ( يمكن أن نتساءل: ماذا لو اقتصرت الفتوحات الإسلامية على المناطق الناطقة بالعربية، أو على الشعوب التي لا تدين بديانات كتابية تقوم ـ في جانب رئيسيّ منها ـ على المعجزات، أو لو أنّ الفتوحات لم تكن سريعة وتعتمد الحرب واكتفت بالطريقة التبشيرية، فهل كان  الإسلام يبقى خاليا أو نقيّا من المعجزة؟ وهل يمكن لأيّ دين أن يتخلّى عن المعجزة؟ بل وهل يمكن لعقيدة أن تقوم على العقلانية فقط؟ على هذا يجيب طرابيشي بالإيجاب من خلال خاتمة قصيرة يدعو فيها إلى ثورة كوبرنيكية على صعيد العقل، “ثورة عقلية أكثر مما هي محض ثورة علمية”. إنّ “الانقلاب الكوبرنيكي المنشود في الثقافة العربية الإسلامية يمكن أن يأخذ ـ ضمن جملة أشكال أخرى ـ شكل عودة إلى الإسلام القرآنيّ دون ما عداه. واليوم، كما بالأمس البعيد، فإنّ القرآنيين الخلَّص يمكن أن يضطلعوا بدور رياديّ في هذا الانقلاب”.

وكأنّ جورج طرابيشي في هذا الاقتراح يسلّم نهائيا بعجز تيّارات الحداثة العربية عن إقامة الفصل مع الدين الإسلاميّ وتحييده عن المجال العامّ إلى داخل الصدور ودور العبادة، فيقترح طريقا آخر يعتمد التحالف مع المسلمين القرآنيين الذي يعتبرون في أغلبهم أنه لا دخل للإسلام في السياسة ونظم الحكم.)

على عكس استنتاج أستاذنا لؤي حسين، نرى أنّ جورج طرابيشي يؤكّد أهمّية تيارات الحداثة العربية في إقامة علاقة جديدة ( دون أن أقول  كلمة فصل التي يوردها لؤي في مقاله) بين الدين الإسلاميّ والمجال العامّ حاليا على أمل أن نصل مستقبلا للفصل المنشود بينهما، وذلك عن طريق إعادة قاطرة الحداثة العربية إلى سكّتها، المتمثّلة في إحياء ذلك الحوار الغائب بين الحداثويين والإسلاميين، بين العلمانيين ومعادي العلمانية، عن طريق اشتغال الحداثة على ما يمكن أن يمثّل مصلحة حقيقية للشارع العربيّ، مصلحة تكمن في نزع سلاح الدين واحتكار تفسير القرآن من أيدي الشيوخ والحركات الإسلامية والمراجع الدينية. ولا بدّ للمفكّرين العرب من تقديم رؤية وقراءة عقلانية للقرآن لوضعها أمام الإنسان العادي المتديّن، وذلك بطريقة هادئة وحوارية دون أن تستفزّ عقله، وذلك وفق ما فعل جورج طرابيشي في كتابه الذي نتحدّث عنه حيث حلّل بشكل منهجيّ علميّ هادئ تناقضات المؤرخين والفقهاء من النصّ القرآنيّ المقدّس لدى المسلمين.

ولفت نظري أنّ الكاتب لؤي استخدم مفردة /التحالف/ في نقده لجورج طرابيشيّ، لذا أقول إنّ الحوار ودعوة القرآنيين إلى تقديم قراءة عصرية وإحداث انقلاب كوبرنيكي في الإسلام ليس تحالفا أبدا، فالتحالف يكون بين تيارات سياسية، وليس بين مفكّرين!

وأرى هنا أنّ من واجب جورج طرابيشي وغيره من المفكّرين دعوة القرآنيين وغيرهم من العاملين في حقل المجال العامّ الإسلاميّ إلى جدل وحوار لا ينتهي، لأنّ الحوار هو السبيل الوحيد لتجاوز الأخطاء وتصحيحها، وبالتأكيد لا نعني هنا الحوار مع التيّارات التكفيرية والوهابية وما شابهها.      

وهنا تحضرني كلمة قالها الروائيّ السوري حيدر حيدر بعد هدر دمه وخروج التظاهرات في شوارع القاهرة مندّدة بروايته الجميلة ” وليمة لأعشاب البحر ” : (كنا نظنّ أنّ الشارع العربيّ معنا فاكتشفنا أنّه ضدّنا). وهنا نتساءل لماذا أصبح هذا الشارع ضدّنا؟

أليس لأنّنا تركنا القرآن وتفسيره للجهلة، يتحكّمون من خلال احتكارهم له بعقول الناس وتوجيهها وفق مصالحهم  وإيديولوجياتهم؟ أليس الأحرى بنا أن نجتهد من داخل هذه البنية ونعمل على إعمال تيارات الحداثة فيها من الداخل، بدل الاكتفاء بتوجيه النصائح عن بعد، والتمترس خلف يقينيات عفا عليها الزمن .

أسباب تضخّم المعجزات:

بعد ذلك نستطيع أن ندخل في الجدل الذي نريده مع موضوع الكتاب، حيث يمكن أن نختلف أو نتفق مع الكاتب حول   تفسير تضخّم المعجزات.

1- يقول الكاتب أنّ سبب تضخّم المعجزات  في الإسلام السنّي هو  عامل خارجيّ يتمثّل بالفتوحات التي أقامها أهل السنة، حينما دخلوا بلدانا أعجمية لا يتقبّلون فكرة نبيّ بلا معجزة بسهولة مما أجبر الفقهاء والسياسيين على اختراع معجزات للنبيّ ليسهل عليهم دخول البلدان وليؤمن أهلها برسالة النبي، وذلك لأنّ البلدان الأعجمية التي لم تكن تتكلم العربية لم تكن قادرة على فهم معجزة الإعجاز اللغويّ للقرآن الكريم، ولكن إضافة إلى ذلك  أعتقد  أنّ هناك حاجة كانت موجودة أيضا لدى السنّة، لأنهم  كانوا مضطهدين أيضا من حكّامهم وملوكهم الذين سرقوا بيت المال واستولوا على كلّ موارد الدولة وحوّلوا الخلافة إلى ملك شخصي متوارث ، أي أنّ السنّة كانوا يعانون اضطهادا سياسيا، بينما كان الشيعة يعانون اضطهادا سياسيا ودينيا مشتركا، الأمر الذي جعل المعجزات عندهم أكثر خرافة ومحاكاةً للامعقول، وفق ما يقول الكاتب في كتابه 🙁 ولئن لم يطوّر الإسلام السنّيّ – إلا فيما ندر- معجزات إضافية على المعجزات النبوية فلأنه لم يكن بحاجة إلى إنجاز قفزة سحرية فوق الواقع الذي كان عليه واقعه، وهذا على العكس من الإسلام الشيعيّ الذي ما كان له أن يستمرّ لولا رهانه على المعجزة التي من شأنها أن تقلب ميزان القوى وأن تخترق الجدار الفولاذيّ لواقع غير قابل للاختراق . وبمعنى من المعاني وبقدر ما أنّ المعجزة هي خرق لقوانين العقل والواقع، وبقدر ما أنّ العقلانية هي – في مظهر رئيسيّ من مظاهرها- قدرة على التكيّف مع الواقع فقد كان في مستطاع الإسلام السنّي، المتوافق مع واقعه كأكثرية غالبة، أن يجيز لنفسه حتى وهو يمارس منطق المعجزة، التقيّد بدرجة من العقلانية لا يستطيع أن يقيّد بها نفسه الإسلام الشيعي غير المتوافق مع واقعه كأقلية مغلوبة . ومن هنا كانت قصص المعجزات الإمامية الشيعية أكثر إيغالا في الغرائبية وفي النزعة السحرية من قصص المعجزات النبوية السنية)

ولكن أيضا هناك حاجة فقهاء الشيعة أنفسهم للمعجزة، وذلك للسيطرة على عقول أتباعهم وسحرها ومنعها من التفكير كي تبقى أسيرة منظومتهم الفقهية.

                  

2- إضافة إلى أنّ الاستخدام السياسيّ للمعجزات في الصراع الدائر بين فرقاء السنّة من جهة وبين فرقاء الشيعة من جهة أخرى  وبين الاثنين معا أيضا، نعتقد أنه يحتلّ أهمية أكبر من تلك الإشارة التي أوردها الكاتب في كتابه . ونحن نعتقد أنّ الأسباب السياسية كانت الدافع الأبرز والأقوى في تضخّم المعجزات وتلفيقها، ذلك أنّ المعجزة  تساهم في خلق عقل مستلب يسهل السيطرة عليه من قبل الحكام، لأنّ العقل المؤمن بالمعجزة هو عقل يسهل ترويضه ويستطيع تقبل أيّ شيء مهما كان خرافيا، وهنا يبرز دور الحكام والسلاطين في العمل على تضخيم تلك المعجزات وتسهيل وصولها إلى عقول العامة، عن طريق شراء ضمائر المؤرخين والفقهاء من أجل أن يعملوا على نشر المعرفة السالبة للعقل والمخدّرة له كي يسهل ترويضه هذا في مستوى أوّل، وهنا ربما يجدر بنا إعادة قراءة العلاقة بين الفقهاء والمؤرخين  وخاصة الذين اعتمدهم هذا الكتاب مصدرا لمعلوماته، لنتبيّن العلاقة التي تربط هؤلاء المؤرخين  بخلفاء تلك الأزمنة وسلاطينها وملوكها، وأغلب الظن أننا سنجد أنّ أغلبهم قد كتب ذلك في قصور السلطان وتحت رعاية سيفه.   

أمّا على المستوى الثاني: بعد أن يكون قد تمّ تزييف الوعي وإبطال العقل وجعله ذا بنية قابلة لقبول كل ما هو سحريّ ولاعقلانيّ أي جعله عقلا مكوَّنا بلغة طرابيشي، يتمّ استخدام المعجزات سياسيا لصالح فريق ضدّ آخر، وذلك سنجده بين السنة والشيعة من جهة. ثمّ بين الشيعة بمختلف فرقها، ثم بين السنة بمختلف فرقها وهكذاا ..        

3- هل المعجزة وحدها هي سبب سبات العقل في الإسلام؟

في الحقيقة أنّ الكاتب بوضعه العنوان ” المعجزة أو سبات العقل في الإسلام ” يضعنا – كما لاحظ لؤي حسين أيضا في مقاله-  أمام استنتاج أنّ المعجزة هي السبب الرئيسيّ لسبات العقل في الإسلام !

ولكن من المؤكد أنّ جورج طرابيشي لا يعني ذلك كما قال، لأنّ من قرأ كتب طرابيشي ويعرف طريقة نقده، يدرك أنه لا يعني ذلك تماما، وإنّما يعني أنّ المعجزة هي أحد الأسباب الرئيسية التي ساهمت في تنويم ذلك العقل ومنعه من التفكير، ولا شكّ أنّ هناك أسبابا كثيرة ساهمت في سبات ذلك العقل منها السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ وغيرها. 

 

ما سبق يؤكّد الحاجة  لثورة من داخل التراث نفسه، ثورة ينتفض بها العقل المكوَّن على نفسه ليغدو عقلا مكوِّنا ينتج ويجدّد نفسه، وفق ما يقول طرابيشي:

(ثورة كوبرنيكية على صعيد العقل وعلى صعيد عالم العقل الذي هو التراث والتأويل الموروث للتراث هي شرط شارط لاستئناف عملية الإقلاع نحو الحداثة التي كان لاح بارقها مع عصر النهضة قبل أن يخمد في ما لم نتردّد بأن نسميه عصر الردة  )

وهذه الثورة لا يمكن أن تقوم إلا من داخل البنية نفسها، لأنّ القيّمين على شؤون التراث والعقل المكوَّن هم وحدهم الذين يملكون التأثير على الشارع والفئات الوسطى التي لا يمكن أن يحصل أي تغيير دون مساهمتها. 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق