جديد هشام جعيط: محمّد ودعوته من وجهة نظر تاريخية وأنثروبولوجيّة (1)

إنّه حدث استثنائي وغير مسبوق، أن يقدم مؤرخ مسلم على التأريخ للدعوة المحمديّة ملتزما التزاما صارما وصادقا بمناهج البحث العلمي الحديث. لقد ظهرت عشرات الكتب التي تعيد ما قصّته أدبيات السيرة القديمة في أسلوب جديد، لكنّ ذلك ليس كافيا لمنحها صفة الحداثة مادامت تسبح في فضاء القصص والسير النموذجيّة الذي هو غير التاريخ. وظهرت بعض المحاولات المحتشمة لكتابة سيرة عصريّة بمعنى إعادة إخراج حياة نبيّ الإسلام ودعوته في قالب يستسيغه إنسان العصر الحديث، وخاصة من لم يكن من جموع المسلمين، مثل “حياة محمّد” للكاتب محمد حسين هيكل، وقد ظهر في بداية القرن الماضي، ومثل كتاب “السيرة” الصادر مؤخرا بالفرنسيّة باسم محمود حسين (اسم مستعار). لكنّ التاريخ لا يقوم على إسقاط رغبات المعاصرين على الماضي، ولا يكفي تخليص السيرة القديمة من المبالغات الإيمانيّة والميتافيزيقيّة لبلوغ الصرامة التي يفرضها البحث التاريخي المعاصر.

لم يكن أمام القارئ العلمي إلاّ أن يستنجد بكتابات غير المسلمين، والكثير منها لا يخلو من تحامل واستفزاز. لكنّ الكتابات الغربيّة أو ما يدعى بالاستشراق هي التي فتحت مجال البحث التاريخي الحقيقي في هذا الميدان الحسّاس، ولم يكن ذلك بكيد للإسلام أو نبيّه كما يرى بعض المسلمين، إنّما هو مسار طبيعي بدأ بإعمال المناهج العلميّة الحديثة في مصادر العهد القديم ثم في كتب العهد الجديد وما يتصل بالمسيح وحياته وبلغت بعد ذلك الإسلام وتاريخه الأوّل. والرأي عندي أنّ كتاب مونتغمري وات بجزئيه، “محمّد في مكّة” ( 1958 ) ومحمّد في المدينة ( 1959 )، قد بلغ الدرجة الأرقى في مجال دراسات السيرة النبويّة، أو لنقل في سيرورة الانتقال من أدب السير إلى علميّة التاريخ، مع التسليم بما يتضمنه العمل التاريخي عامة وهذا العمل تخصيصا من نسبيّة في النتائج والاستنتاجات.

كأنّ الأستاذ هشام جعيّط قد طرح على نفسه أن يتحدّى هذا المرجع العملاق بكتابة سيرة جديدة (تاريخيّة الدعوة المحمديّة في مكّة، بيروت، دار الطليعة، 2007) تبدأ بقسم أوّل موضوعه الدعوة المحمديّة في مكّة، وللقارئ أن ينتظر صدور قسم ثان حول الفترة المدنيّة، ومناقشات جعيّط للمؤرخ وات كثيرة في الكتاب وكذلك مظاهر تقديره لذلك العمل الضخم. ولن يكون من المبالغة إذا قلنا أنّ كتاب جعيّط قد جاء إحياء وتجديدا للمنهج الفيلولوجي الذي اعتمده وات وغيره من كبار الباحثين، وأنه سيكون مستقبلا المرجع الرئيس في هذا المجال وسيحلّ محلّ كتاب وات حسب ما تقتضيه سنن التطوّر العلمي.

وفي الفترة الحالية التي سيطر فيها الاتجاه التشكيكي (وانزبرو، كراون، كوك، الخ) على الدراسات المتصلة بالقرآن والسيرة وتاريخ الإسلام الأوّل، جاء كتاب جعيّط ليرفع تحدّيا آخر، هو إعادة الاعتبار للفيلولوجيا في وجه التشكيكيّة، وإبراز الفارق بين علميّة الفيلولوجيا رغم نسبيتها وشطحات التشكيكيّة رغم إغراءاتها. ولقد جاء نقد جعيّط للتشكيكيّة نقدا قويّا ومتعاليا، إذ جعل الهوامش محلّ مناقشة أبرز أطروحاتها وكبار ممثليها، معتبرا أنّها ليست من باب العلم وإنّما هي للخيال العلمي أقرب، متأسّفا للفراغ المترتب عن وفاة كبار العلماء في الغرب وقد فسح المجال لكلّ صاحب قول أن يقوله دون تمحيص. لكنّ موقف جعيّط هذا ليس الدافع إليه الإيمان بالدين لكنّه نتيجة الإيمان بالفيلولوجيا، فجعيّط في هذا الكتاب لا يختلف عن جعيّط في دراسته لنشأة مدينة الكوفة أو تاريخ الفتنة الكبرى، إنه نفس المنهج الذي أتقنه وحذقه وأخذه عن مراكز البحث الغربية وواصله بعد أن خبت تلك المراكز بتراجع الاهتمام الغربي بالبحوث الرصينة في تاريخ الإسلام.
ينبّه الكاتب منذ الصفحة الأولى إلى أنّ “التاريخ إنما هو علم وضعي وأرضي يتناول فعاليات الأفراد والمجتمعات البشريّة في الماضي ويخرج عن دائرة الإيمان والمعتقد” (ص 5). ويؤكّد إمكانيّة الدراسة التاريخيّة لكلّ المواضيع مهما كانت حسّاسة، لأن التاريخ علم ووظيفة العلم تفسير الأشياء لا الحكم عليها. فإذا كان المؤرّخ مسلما فلا مناص من أن يضع إيمانه وقناعاته بين قوسين عندما يدرس تاريخ الإسلام ويتذكّر أنّ صفته باحثا تقتضي منه في لحظة البحث الوفاء والالتزام بنتائج بحثه وليس بضرورات إيمانه. وليس من دور المؤرخ أن يحاول نسف الإسلام ولا أن يحاول إحياء مقاصده، إنما دوره أن يستنطق المصادر المتوفرة لديه ويعارض بين ما تحتويه من معلومات ومعطيات ويمحّص منها ما هو الأقرب إلى تمثيل الحقيقة التاريخيّة.

لا يقلّل الكاتب من أهميّة الوضع النفسي للمسلمين الذين يعيشون أزمة هويّة كما يقول ويشعرون بالحصار من الداخل والخارج فلذلك هم غير مستعدّين لمراجعة القصص المؤسسة للأصول. كما لا يقلّل من المشاكل التي تطرحها المصادر فهي تجعل الكثير من النتائج وقتيّة وافتراضيّة وقابلة للاختلاف بل النقض. إلا أنّه لا يرى بديلا عن التاريخ الذي “تأسست في ألمانيا وفرنسا في القرن التاسع عشر مناهجه المعروفة في التعامل مع المصادر، وازداد ثراء في القرن العشرين، حتى وصل إلى نوع من النضج بتكافل المعارف التي تصبّ فيه، من اقتصاد وأنثربولوجيا وسوسيولوجيا” (ص 7). وينبّه في هذا السياق إلى أنّ العلم اليوم قد خفّف من ميوله النضاليّة، لأنّه أصبح ملتصقا بالتكنولوجيا وخرج عن عهد التصادم مع الكنيسة، فهو بذلك أصبح أكثر رصانة وأقلّ ارتباطا بالوضعانيّة القديمة. لكنّ هذا التوصيف ينسحب في رأيي على الغرب وحده وعلى المواضيع التي تتصل بتاريخه، أمّا في المجتمعات الإسلاميّة فالعلم ما يزال محاصرا من قوى عديدة منها القوى الدينيّة، من جهة أخرى لم تنمح النضاليّة تماما في الغرب عندما يتعلّق الأمر بتاريخ غير الغربيّين، أو “من لا تاريخ لهم” حسب عبارة إريك وولف، فالكثير مما يكتب حول الإسلام مثلا تمتزج فيه نتائج البحث الدقيق بالأفكار المسبقة للباحث. إلاّ أنّ كتاب جعيّط هو خير شاهد على كونيّة العلم التاريخي وقابليّة البحث في المجتمعات المسلمة لأن يبلغ أقصى درجات الامتياز إذا توفرت له الإمكانيات والحريّة، وإذا التزم صاحبه بالموضوعيّة ونأى عن الاستفزاز أو التمجيد في آن واحد.

إذا ضربنا صفحا عن المشاكل التي تعوق دراسات التاريخ النبوي من الخارج فإنّنا نصطدم مع ذلك بمشاكل “داخليّة” تتمثّل في مصداقيّة المصادر وما تقدّمه من معلومات. وقد أشرنا إلى تيار التشكيكيّين الذي يلتقي حول فكرة أساسيّة مفادها أنّ المصادر الإسلاميّة عاجزة عن تقديم القدر الأدنى من المعلومات لإعادة كتابة السيرة النبويّة. لكنّ جعيط يرى على العكس من ذلك أنّ مصادر تاريخ الإسلام الأوّل هي مصادر ثريّة إذا ما قارنّاها بالمصادر المتوفّرة حول تأسيس أديان أخرى مثل المسيحيّة والبوذيّة. فالقضيّة في رأيه ليست قضيّة مصادر وإنما القدرة على نقدها وتفحصها ومعارضتها بعضها البعض.

والمصدر الأوّل والأهمّ والمرجعي هو القرآن الذي لا يتوقّف جعيّط كثيرا حول المجادلات التي طرحها بشأنه التشكيكيّون، وهو يلخّص ردوده عليهم في ما يلي:
– اكتشفت مصاحف في صنعاء ترجع إلى الفترة الأمويّة لا تختلف كثيرا عن المصاحف السائدة،
– لا يمكن للدولة الإسلامية التي قامت على أساس الشرعية الدينية أن تترك ضبط المصحف إلى فترة متأخرة،
– القرآن كان مستعملا في الصلوات الجماعيّة وقد وجدت المساجد في فترة مبكرة من تاريخ الإسلام فلا يمكن أن يكون نصه محلّ اختلاف كبير بين المسلمين،
– عثر على نقوش قرآنيّة ترجع إلى القرن الأوّل الهجري،
– أسلوب القرآن مختلف عن أدب القرون الموالية،
– القرآن يخالف قواعد اللغة العربيّة التي وضعت في القرن الثاني من الهجرة فصياغته قد سبقت هذه الفترة،
– فكرة قداسة القرآن ظهرت مع ظهور الإسلام فلا يمكن تصوّر المسلمين يقدسون القرآن ولا يحفظونه،
– غياب نسخ من قرآن القرن الأوّل لا يعني شيئا لأن النسخ الجديدة تلغي سابقاتها وأقدم مخطوط محتفظ به من العهد القديم يرجع إلى القرن التاسع بعد الميلاد دون أن يعني ذلك أنّ العهد القديم قد حرّر في تلك الفترة.

يؤكّد جعيّط حينئذ على أنّ القرآن يعكس واقع فترة تأسيس الإسلام، وليس مهمّا أن يكون حصل فيه بعض إسقاط أو إضافة أو تكرار فذلك لا يعدو مواضع ثانويّة، لكن لا يمكن أن يكون قد حصل فيه تغيير كبير. وهو يشكّك في كونه قد كتب أوّلا على جذوع النخل وعظام الإبل كما ورد في الروايات الإسلاميّة التقليديّة لأنّ العرب كانوا يعرفون الرقّ والبردي ويحسنون الكتابة. إنّ مؤرّخ حياة محمّد ودعوته يجد في القرآن النواة الأولى للأحداث غير مفصّلة ويمكنه بعد ذلك أن يجد في المصادر الأخرى تفصيلها ويواجه هذه التفاصيل بما هو وارد في القرآن. ولا بدّ من الاستفادة هنا من جهود المستشرقين الذين قاموا بترتيب آياته وسوره ترتيبا تاريخيّا، فهذا الترتيب هو الذي يمكّن الباحث من اعتماد النصّ القرآني شاهدا على تاريخ محمد عامة وتاريخ الفترة النبويّة تخصيصا. والعمدة هنا ترتيب نولدكه مع المراجعات التي قام بها بلاشير. ويقتضي هذا الترتيب تقسيم الآيات القرآنيّة إلى فترة مكيّة أولى وفترة مكية ثانية وفترة مكية ثالثة وفترة مدنيّة.

والمصادر الأخرى أو ما يدعوها جعيّط بالأناجيل الأربعة للإسلام هي السيرة لابن إسحاق والطبقات لابن سعد والأنساب للبلاذري وتاريخ الأمم والملوك للطبري، وهذا هو ترتيبها الزمني وهي تتراوح من النصف الأوّل من القرن الثاني إلى النصف الثاني من القرن الثالث، غير أنّ ما تحويه من معلومات هو أقدم طبعا من تاريخ كتابتها، فقد احتفظت بالمادة الخام التي كانت تتداول شفويّا أو جمعت في مدوّنات ضاعت أصولها. فابن سعد مثلا ينهل من كتب الواقدي المفقودة وخاصة من سيرته التي قد تكون الجزء الأوّل من مغازيه. والطبري قد احتفظ لنا بسيرة ابن إسحاق قبل التهذيب الذي قام به ابن هشام واحتفظ بروايات كثيرة كانت تنقل مشافهة إلى عصره. ويلاحظ أن جعيّط لم يهتمّ في كتابه بما تحويه كتب الحديث (البخاري، مسلم…) وقد يكون السبب في ذلك أنها كتب متأخرة بالمقارنة بهذه المصادر وما يرد فيها حول السيرة المكية قليل. وهو لا يعير أهميّة لتشكيك المحدّثين في عدالة رواة السير مثل ابن اسحاق صاحب السيرة ورواة آخرين (الواقدي، ابن الكلبي، أبو معشر، الخ) فهو يرجع ذلك إلى الاختلاف في الاختصاص إذ حكم أهل الحديث على أهل السير من خلال منظورهم الخاص. وهذا تفسير قد لا نرتاح إليه كثيرا ونميل إلى اعتبار أنّ جزءا مهمّا من أدب السيرة إنّما كان ينتمي إلى القصص الخيالي فلذلك نظر إليه المحدثون بعين الارتياب وهم الذين كانوا يدقّقون في الأسانيد، مع أنهم وقعوا بدورهم في أوهام كثيرة لغلبة قضيّة السند عندهم على نقد المتون.

لقد بلغ تدوين السيرة مستوى مرضيّا منذ منتصف القرن الثاني، فابن اسحاق توفي حوالي سنة 151 هجري وكتب كتابه في الفترة بين 120 و150 هجري، وسيرة ابن اسحاق معروفة أكثر عبر التهذيب الذي قام به ابن هشام حتى أصبحت تعرف بسيرة ابن هشام، مع أن الأخير متأخّر بجيلين وقد قام بعمليات حذف وإضافة على النص الأصلي الذي نعرفه من خلال رواية الطبري في “تاريخ الأمم والملوك”. فوجود سيرة على شاكلة ما تركه ابن إسحاق يدلّ على وجود جهد تاريخي بدأ قبل جيل أو جيلين، ويرجّح جعيّط أنّه بدأ حوالي 80 هجري عندما بدأ أحفاد العشائر الكبرى من قريش يكرّسون حياتهم للتدريس بعد أن فقدوا طموحاتهم السياسيّة وقد قمع الأمويّون ما دعاه جعيّط بالفتنة الثانية سنة 80، وفشلت ثورة ابن الزبير واستبيحت المدينة وسكانها. وفي عهد عبد الملك ابن مروان ثم ابنه الوليد، بدأ الاستقرار والوعي بعظمة الإمبراطوريّة الإسلاميّة وبدأ تعريب الدواوين والعملة فكان بروز الحسّ التاريخي نتيجة طبيعيّة لهذه التطوّرات. ولدينا بعض الآثار عن هذه الفترة مثل قطعة البردي المنسوبة إلى وهب بن المنبّه كتبت حوالي 110 هجري ولا تحتوي معلومات كثيرة، ورسالة عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان وهي وثيقة اعتمدها جعيّط في عمله هذا واستخرج منها معلومات كثيرة. ثمة إذن نشاط تاريخي تواصل من سنة 80 هـ إلى 120 هـ وقد جاءت سيرة ابن اسحاق تتويجا له وجمعا لما وفّره من معلومات وروايات. ولعلّ من أهمّ شخصيات هذا العصر ابن شهاب الزهري الذي توفي سنة 124 هـ وكان يقال عنه أنه مؤسس الإسناد وتنسب إليه كتابات فقدت جميعها، وعنه أخذ ابن إسحاق الكثير من روايات السيرة كما أخذ عنه محدثون وإخباريّون آخرون ونجد رواياته في موطّأ مالك وصحيح البخاري وصحيح مسلم. وكان عبد العزيز الدوري قد ذهب إلى أنّ الزهري هو أب الحديث والسيرة في آن واحد، ومعنى ذلك أن السيرة هي فرع من التاريخ، ويخالفه جعيط هذا الرأي ويعتبر السيرة قد نشأت منفصلة عن الحديث وسابقة له (يرى أن الاهتمام بالحديث لم يكن موجودا في القرن الأول للهجرة)، ويشكّك في حقيقة ما نسب إلى الزهري من كتابات ويرجّح أنّه كان من جيل رواة المشافهة وأنّ التدوين الحقيقي للسيرة إنّما بدأ مع ابن إسحاق وجيله.

ويبدو أن قيام الدولة العباسيّة كان عاملا إضافيّا لتشجيع كتابات السيرة لأنها دولة قامت على شرعية الإسلام والقرابة من أسرة النبي، ولا شكّ أنّ كتابة السيرة قد تأثرت بالمناخ الجديد في العهد العباسي لكنّ جعيّط يؤكّد على تمتّع كتّاب السيرة بحِرفيّة تمنعهم من أن يكونوا تحت تأثير رجال السياسة وإن كان المرجّح أنّهم تحاشوا ذكر ما قد يغضب خلفاء بني العباس.
هذه المصادر تقدّم مادة خاما تتسم بالضبابيّة والأسطوريّة لكن المؤرخ الحصيف يمكن أن يستخرج منها النواة التاريخية. ولا شكّ أنّ الأمر أكثر عسرا في الفترة المكيّة لأنّ القرآن شحيح بالمعلومات حولها، لكن جعيّط يستخرج منه منطقا للدعوة المحمديّة في هذه الفترة يجعله حكما بعد ذلك على صحّة الروايات المذكورة في المصادر، وسنرى أنّ هذا المنهج هو الذي حدا به إلى التشكيك في قصّة الغرانيق المشهورة.

إنّ أصحاب هذه المصادر قد واجهوا ما يواجهه المؤرّخ الحديث من جهة نقص الشهادات على الفترة المكيّة وخاصة بداياتها، ولم يكن الناس آنذاك يتوقعون أن يشتهر محمد ودعوته كي يحتفظوا بتاريخ فترة البداية، ومن عاصر تلك الفترة يكون متقدّما في السنّ لم يبلغ عهد استقرار الدولة الإسلاميّة وبداية التدوين. والقرآن نفسه شحيح بالمعلومات عن هذه الفترة فلا يذكر شيئا عن أحداث كبرى موجودة في كتب السيرة مثل الهجرة إلى الحبشة وحصار بني هاشم ورحلة الطائف والدعوة بين القبائل. وقد حاول كتّاب السيرة القدامى أن يملأوا الفراغات بالحسّ التاريخي الممكن في عهدهم أو بقبول القصص الوهميّة واختلاقها. أمّا المؤرخ المعاصر فهو قادر على استعمال مناهج تاريخيّة أكثر نجاعة لبلوغ الحقيقة التاريخية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق