جرائم “شرف” فضفاض ملتبس…

تناقل السوريون مؤخرا وعلى نطاق واسع مشاهد مصورة لحدث نادرا ما يتم توثيقه على هذه الشاكلة. استخدم الانترنت والموبايل من أجل توزيع مقطع الفيديو الذي يصور عددا من الأخوة الشبان أثناء ارتكابهم جريمة قتل. الضحية كانت أختهم التي انهالوا عليها ضربا بحجارة “البلوك” وهم يعبرون عن سخطهم لأن هذه الـ”…” لم تمت بعد. أقر معظم من بدؤوا بالمشاهدة أنهم لم يقووا على المتابعة لفرط همجية الجريمة ووحشيتها. آخرون ممن استطاعوا المتابعة تحدثوا عن زغاريد وأشياء أخرى، وللحقيقة فأنا أنقل هنا ما سمعت لأنني حذفت المشاهد التي وصلتي عبر بريدي الالكتروني واكتفيت بالصور المروية، وهي بحد ذاتها تصيب بالألم والغثيان.

جرى توزيع مقطع الفيديو على أنه جريمة ارتكبت في محافظة السويداء السورية بحق فتاة تزوجت من خارج طائفتها، ثم تم تكذيب هذا الخبر فيما بعد من قبل منظمات حقوق المرأة في سوريا، التي أكدت وقوع الجريمة لكن في شمال العراق وليس في السويداء، حيث قتلت فتاة عراقية من قبل إخوتها بسبب زواجها من غير دينها.

لاقت الجريمة الموثقة بالصوت والصورة شجبا واستنكارا كبيرين. لكنها في الوقت نفسه أثارت نوعا آخر من رد الفعل “الردعي” إن صح التعبير، أو ربما ذلك ما استنتجه أولئك الذين كانوا يفكرون أو يخططون لزواج مختلط. إحدى الصبايا وتنتمي إلى إحدى الأقليات الطائفية، أخبرتني أن صديقها الذي ينتمي إلى طائفة أخرى أعلن لها بعيد مشاهدته مقطع الفيديو إياه، بأنه لا أمل لعلاقتهما وأنه غير مستعد لرؤيتها تذبح على يد أفراد عائلتها!

{{جرائم شرف؟!}}

الزواج من خارج الدين أو الطائفة أمر غير محبذ على الإطلاق. أغلب الأحيان يؤدي إلى القطيعة مع الأسرة والمجتمع، وفي حالات أخرى يؤدي إلى القتل. هذا في مجتمعنا السوري الذي تتعدد فيه الأديان والطوائف والمذاهب.

عام 2005، قتلت الشابة هدى أبو عسلي (23 عاما) في مدينة السويداء. قام شقيقها بقتلها بعد زواجها من شخص من خارج طائفتها. تم استدراجها إلى بلدتها في السويداء بعد الإيحاء لها بأنه تم العفو عنها. هناك جرى طعنها حتى الموت، وسجلت الجريمة تحت عنوان ما يسمى بـ”جرائم الشرف”! على غرار جرائم أخرى من الطبيعة ذاتها سبقت أو تلت جريمة قتل هدى أبو عسلي.

بطبيعة الحال لا توجد إحصائيات أو أرقام رسمية عن عدد ما يرتكب من تلك الجرائم في سوريا. الأرقام المتوافرة هي حصيلة متابعة ومراقبة نشطاء حقوق المرأة، من خلال المحاكم ووسائل الإعلام والجهود الشخصية، وبالتالي لا يمكن الركون إلى الأرقام المعلنة مع تأكيد النشطاء دائما بأن ما خفي أعظم، ومن جهة أخرى فإن تلك الأرقام تشمل “جرائم الشرف” بمعناها الواسع المتعارف عليه.

ففي العرف المجتمعي السائد، “جريمة الشرف” هي تلك المرتكبة بحق فتاة أقامت أو اشتبه بقيامها بعلاقة جنسية خارج إطار الزوجية. ومن الغريب أن تدرج جرائم القتل على خلفية الزواج من دين أو طائفة أخرى ضمن الإطار نفسه.

تقول إحدى ناشطات حقوق المرأة، بأن الفتاة التي تتزوج من غير طائفتها يعتبر زواجها باطلا وبالتالي فهي ترتكب الزنا وهو ما يدرج الجريمة اجتماعيا وقانونيا ضمن النوع الأول!

بينما يرى الناشط بسام القاضي المشرف على موقع “نساء سوريا” والذي يقود حملة “أوقفوا جرائم الشرف” منذ أكثر من عامين: “’جرائم الشرف’ ليست هي الجرائم التي تبنى على أساس أن المرأة قد قامت فعلا بسلوك جنسي محدد. بل هي جميع الجرائم التي يجري الإعلان عنها مجتمعيا، ويجري التعامل معها قانونياً، على أنها ارتكبت ’دفاعاً عن الشرف’. وبالتالي فالجرائم التي ترتكب بحق النساء اللواتي يتزوجن من خارج أقليتهن هي ’جرائم شرف’ طالما أعلنت كذلك، وتم التعامل معها قضائياً كذلك. هنا المادة 192 من قانون العقوبات السوري تسمح للقاضي باعتبار هذا الدافع ’القتل لأنها خرجت عن تقاليد الأقلية’، دافعاً ’شريفاً’! وفي حال أرجعت الجريمة المرتكبة بهذا السبب إلى تسميتها الدقيقة، فهذا يعني أن ترجع جميع الجرائم التي لها أسباب أخرى غير السلوك الجنسي (كالإرث، والممتلكات..) إلى تسمياتها، وهذا غير حقيقي. فالمشكلة هنا في هذه الجرائم ليس ارتكاب الجريمة بحد ذاتها. فالجريمة جزء من حياة البشر، ويجري التعامل معها دائماً وفق القوانين المختلفة التي تنظم التعامل معها. المشكلة هي أن هذه الجرائم، حين توضع تحت هذا العذر، تأخذ الاعتبارات الخاصة التي تسمح للقتلة بالتملص من العقوبة”.

لكن كيف تكيفت جرائم “القتل بسبب الزواج من خارج الطائفة أو الدين” مجتمعيا لتصبح إخلالا بـ”الشرف” وكي تحظى هذه الجريمة بمثل ما تحظى به تلك المرتكبة على خلفية “جنسية” من مظاهر احتفالية وزغاريد واحتفاء بالقاتل أو القتلة “غسلا للعار”؟

{{الحفاظ على الهوية!}}

يقول أحد الشبان وينتمي إلى إحدى الأقليات الطائفية: “هناك المحظور غير المعبر عنه اجتماعيا لأسباب كثيرة. لا أحد يجرؤ على القول بأن التغاضي أو السماح بالزواج من خارج الطائفة عندما تكون أقلية، من شأنه أن يؤدي إلى ذوبان هذه الطائفة ضمن الأكثرية في غضون عقود ربما، وهذا أمر طبيعي ينطبق على جميع الأقليات في العالم سواء كانت دينية أو قومية أو إثنية. وإذا كان هذا الأمر واضحا لدى البعض فإنه ليس كذلك لدى آخرين من مجتمع الطائفة، الذين تم تلقينهم بأن هذا الأمر إخلال بالقيم وشرف العائلة والقبيلة والطائفة وهم يتصرفون بناء على ذلك “.

أما أغرب ما سمعت أثناء إجراء هذا التحقيق فكان من أحد الآباء الذي بادرني بالقول لدى سؤالي فيما إذا كان يقبل تزويج ابنته من خارج الطائفة: “لو كان الأمر لي لزوجت بناتي من دون اعتبار للطائفة. أنا أصلا شخص غير مؤمن، وجميع السوريين سواء لدي. لكن هذا مستحيل، أنا أعيش ضمن مجتمع لا أستطيع الخروج عليه تحت طائلة النبذ الاجتماعي”.

بينما يرى شاب آخر بأن: “الحفاظ على الطائفة وعلى هويتها وتعداد أفرادها أمر أساسي وله الأولوية، أكثر منه أمر يتعلق بالمعتقد الديني الذي يحرم الزواج من خارج الطائفة لاعتبارات دينية بحتة، فالحفاظ على الهوية هو الأساس بدون أن يعني ذلك أن جانب المعتقد الديني ليس له دور أو أهمية، فالإنسان المؤمن يحاول الالتزام بتعاليم دينه ويعتبر أي خروج عليها أمرا غير مقبول”.

وإذا كان الأمر كذلك، فهل الحالات التي قامت أو حاولت الارتباط من أشخاص ينتمون إلى دين أو طائفة مختلفة هي مجرد حالات شاذة في مجتمعات الأديان والطوائف على تعددها؟

{{لماذا الزواج المختلط؟}}

يبدو أن هناك “طائفة” مختلفة ليست بطارئة على مجتمعنا لكنها آخذة بالظهور بشكل أكثر وضوحا. تلك التي لا يعتبر أفرادها اختلاف الدين أو المذهب سببا في عدم الارتباط وتشكيل أسرة، داعين إلى ارتباط يقوم على علاقات إنسانية “عابرة للطوائف والأديان والمذاهب”.

على شبكة الانترنت أنشئت بعض المنتديات التي تنادي بالزواج المدني. صبايا و شباب بدؤوا على قلة عددهم بجمع أصواتهم لرفض القيود الدينية على الزواج.

الصبايا عادة ومن مختلف الطوائف هن أكثر المتحمسات لمثل هذا الزواج لعدة أسباب. أولا الشاب المسلم يستطيع الزواج بفتاة غير مسلمة، لكن العكس غير ممكن ما لم يقم الشاب بتغيير دينه وإشهار إسلامه، وهو ما قد لا يرغب به الشاب المعني. ثانيا، الفتاة التي تتزوج من خارج طائفتها أو دينها، تكون عرضة للقتل بدافع “الشرف” وهو ما يحد إلى درجة بعيدة من قدرتها على تحدي المحظور والتمرد عليه. فالفتاة هي الضحية الأولى لمثل هذه القيود، من غير أن يعني ذلك أن الشاب لا يناله بعض من معاناة كمقاطعة مجتمع طائفته وأسرته وحرمانه من الميراث وغير ذلك.

أخبرني أحد الشبان أنه على الرغم من مرور عدة سنوات على زواج أخيه من فتاة على غير دينه، لا يزال الضغط الاجتماعي ضده مستمرا: “فالبعض قطع كل علاقة لهم معنا وبعض النساء إذا صادفوا والدتي يبصقون باتجاهها”.

شاب آخر على علاقة منذ سنوات بفتاة تدين بدين مختلف يقول: “لم أتجرأ على اتخاذ قرار الارتباط بها لأن ذلك يعني أنني سأصبح شخصا منبوذا في أسرتي ومجتمعي. لقد عايشت معاناة خالي الذي اضطر إلى مغادرة البلد مع زوجته لأنه لم يستطع تحمل تلك الضغوط. طبعا هذا إذا أراد المرء أن يستمر في مجتمعه وأن لا يحدث قطيعة تامة معه ويبدأ حياة جديدة تماما كأن لا ماضي له”.

المطالبة بالزواج المدني لا تأتي غالبا إلا على خلفية تجربة شخصية، يرتبط خلالها شاب وفتاة من دينين أو طائفتين مختلفتين بعلاقة حب تدفعهما إلى تحدي العادات والأعراف والقيود الدينية.

أحد المحامين يقول: “عرفت بضع حالات لجأ أصحابها إلي كمحام لإيجاد حل قانوني لهم، لكن هذا مستحيل. وأنا أتكلم هنا عن الأشخاص الذين بحكم طبيعة عائلاتهم ومجتمعاتهم الصغيرة، لا يواجهون صعوبة كبيرة في الارتباط المختلط (قد يكون الوالدان شيوعيين مثلا أو أحدهما أجنبي غير سوري) ومع ذلك فهناك استحالة في الموضوع إذا رغب الشاب بعدم تغيير دينه في حال كان غير مسلم ويود الزواج بمسلمة”.

قلنا أن المعاناة الأكبر تقع على عاتق الفتاة، لكن أشكال هذه المعاناة لا تقتصر على ما سبق من القطيعة مع الأسرة والمجتمع إلى الوقوع تحت تهديد القتل. العديد من الصبايا اللواتي تحدثت معهن، أشاروا إلى تأثير الزواج الديني على مسألة العنوسة، حيث يلاحظ ارتفاع سن الزواج لدى الأقليات الدينية وإن بنسب متفاوتة بين طائفة وأخرى وفقا لبعض المراقبين. فعدم التناسب بين أعداد النساء والرجال لصالح النساء، وهجرة شباب الطائفة بأعداد كبيرة إلى الخارج، تقلص من إمكانية إيجاد الزوج المناسب ضمن الطائفة.

إحدى الصبايا تقول: “أصبحت على مشارف الأربعين، وأهلي يفضلون أن أبقى عانسا طوال حياتي على أن أرتبط من خارج طائفتي”.

فتاة أخرى من الطائفة نفسها تجزم بأنه: “أصبح عندي يقين أنني لن أستطيع الارتباط برجل من طائفتي. ثمة بعد نفسيبيني و بينهم . كعصفور في قفص يرى العالم من حوله رحبا وملونا ولا يقوى على مغادرة سجنه. هذا قتل نفسي يومي أصعب من القتل بطعنات السكين أو بالحجارة”!

وأخرى تقول: “إذا كانوا يريدون تزويجنا من الطائفة نفسها فليمنعوا شبابنا من الهجرة إلى فنزويلا! أنا وأختي وبنات عمومتي جميعا تجاوزنا الثلاثين ولم نتزوج حتى الآن. ولا يُسمح لنا حتى بالتفكير بالزواج من خارج الطائفة. الفتاة لها احتياجاتها العاطفية والجسدية وهذا يتسبب بأزمات لا حصر لها ولا داعي لأن أتكلم أكثر من ذلك فالجميع يعرف الواقع جيدا!”.

لم نستطع الاهتداء إلى أية إحصائيات عن نسب العنوسة تبعا للمنطقة أو الطائفة. بسام القاضي يقول حول ذلك:”لا أظن أن هناك دراسات ميدانية حول هذا الأمر. أصلا الدراسات الميدانية حكر على الجهات الرسمية، حتى عندما تقوم المنظمات الدولية بدراسة ما فهي تحتاج إلى مشاركة جهة رسمية حتى يمكنها القيام بذلك. فكيف سيكون الحال مع دراسات ميدانية تأخذ الانتماء المذهبي في الحسبان؟”.

ويضيف فيما يتعلق بارتفاع نسب العنوسة ضمن الأقليات الدينية والطائفية: “أظن أن تأكيد زيادة نسبة العنوسة بسبب انغلاق المذاهب والأقليات الدينية بعضها على بعض هو أمر بديهي. خاصة بعد أن انفتح أفق الناس بشكل كبير نتيجة الثورة الإعلامية التي وصلتنا مؤخراً (فقط منذ أقل من 15 سنة!)، نتيجة التدهور المتزايد في حياة الناس الاقتصادية. فالخيارات المتاحة أصلا ضمن أقلية معينة هي قليلة بسبب قلة العدد. لكنها تزداد قلة في الواقع نتيجة الضغوط الاقتصادية التي ترفع سن الزواج بحدة، وتدفع الكثير من الشباب (خاصة الذكور) إلى الهجرة. وفي حالة الهجرة عادة ما يقع الطرفان في وضع العنوسة: الشابة التي تقل فرصها أكثر فأكثر، والشاب الذي لا يستطيع الخروج عادة من شرنقة الأقلية حتى خارج بلده! والمثير في الأمر أن هذا الانغلاق ليس له ما يبرره نهائياً، على الأقل على المستوى النظري الذي يدعي الجميع التزامهم به. لكن قادة هذه الأقليات، متضامنين مع قادة الأكثريات، يحرصون على إبقاء النظري في خانة “الكلام” دون أي أثر على الواقع، ويشجعون بحدة كل محاربة للخروج من “قوقعة” الأقلية. وتحت ستار “الخوف من الذوبان”، يسعى هؤلاء المتنفذون إلى إبقاء سيطرتهم على الناس التي تحترمهم وتأخذ بآرائهم”.

وقد يتبادر إلى الذهن هنا أن المشكلة تنحصر في الأقليات فقط، على اعتبار أن زواج الفتاة المسلمة (من غير الدروز) من غير طائفتها وعلى الرغم من أنه أمر غير محبذ على الإطلاق، لكنه يقتضي شرعا وقانونا إشهار إسلام الطرف الآخر حتى يتم العقد، وبالتالي فإن ردات الفعل اجتماعيا تكون أقل حدة ربما- بدون الحديث عن المساكنة التي سنتطرق لها فيما يلي. لكن هذا الأمر بحد ذاته يعتبر أحد أسباب تصلب الطوائف الأخرى في رفضها للزواج المختلط فيما تعتبره عدم مساواة في التطبيق القانوني وفقا لتعبير أحد رجال الدين المسيحيين. فزواج المسلمة من دون إشهار إسلام الزوج، لا يمكن حصوله لا شرعا ولا قانونا، ولو حصل في دولة تسمح بالزواج المدني فلا يمكن تثبيته في سوريا بل يمكن فقط تثبيت نسب الأطفال لا غير.

المحامي والناشط الحقوقي خليل معتوق أعلن بداية هذا العام في لقاء صحفي عن حالات كثيرة يتم فيها التساكن بين فتيات مسلمات وشبان مسيحيين بدون زواج وينجبون أطفالا “تهربا من القوانين التي تحظر زواج المسلمة بمسيحي إلا إذا اعتنق الإسلام. ثم يقدمون بعد ذلك على تسجيل الأولاد عندما يولدون بشكل طبيعي ووفق عقود قانونية تسمى عقود تثبيت نسب لا تشير أبدا إلى أن والدي الطفل متزوجان”، مشيرا إلى أن “حالات المعاشرة بين مسلمات ومسيحيين بلا زواج “كثيرة وفيمختلف المدن السورية. ونقل معتوق عن أب مسيحي في سوريا قوله: “ليس لدي مانع أن تتزوج ابنتيمسلما لكن المسلمين يتزوجون بناتنا ولا يسمحون لنا بشيء مماثل وهذا أمرخطير”. [1]

بينما اعتبرت الفتيات المسلمات اللواتي التقيت بهن ويرغبن بالزواج من شبان مسيحيين، بأن مثل هذا الأمر مستحيل تماما بالنسبة لهن :”أنا لا أقوى على نتائج مثل هكذا خيار. هذا يعني النبذ التام من المجتمع. على الرغم من أنه في مجتمعنا القريب من غير الوارد قتل الفتاة لمثل هذا السبب لكن القطيعة هي أيضا شيء مؤلم. كنا نفكر أنا وصديقي بالسفر إلى الخارج للزواج مدنيا لكن علمنا أن هذا الزواج لا يمكن تثبيته في سوريا وبالتالي عدلنا عن الفكرة”.

وأضافت أخرى :”هل تعرفين ماذا يعني أن تعيشي مع شخص بدون زواج في مثل مجتمعنا؟ هذا مستحيل، فهذا يعني أن تقولي للعائلة تعالوا اقتلوني بدافع الشرف! وأعتقد أن من قاموا بمثل هذا الأمر لديهم وضعهم الخاص الذي يشكل لهم نوعا من الحماية، لا أدري ما هو لكن لا بد من وجود مثل هذه الحماية أو الغطاء الاجتماعي لمثل هذا سلوك”.

{{الموقف من “جرائم الشرف”}}

شجب معظم رجال الدين السوريين من مختلف الطوائف ما يسمى بـ”جرائم الشرف”.
مفتي الجمهورية أحمد بدر الدين حسون طالب علنا بتعديل القوانين التي “تشرعن” ارتكاب تلك الجرائم.

السيد أيمن الشوفي، أحد فقهاء الدروز في السويداء، اعتبر أن المذهب الدرزي يحرم القتل حتى لو كان بذريعة الشرف.

الأب شكري من طائفة السريان الأرثوذوكس أكد أن الشريعة المسيحية تحرم القتل وأرجع الأمر إلى العادات الاجتماعية والتقاليد ودعا إلى ضرورة الدعوة إلى القيم الصحيحة من خلال المنابر على الكنائس والمساجد.

الأرشمندريت أنطون مصلح للروم الكاثوليك قال: لا يوجد شيء اسمه جريمة شرف أو غير شرف. ‏الجريمة جريمة، هذا التفصيل والتعريف في القانون المدني كي يضعوا لها الأسباب والأعذار المخففة لعقوبة مرتكبها[2].‏

لكن تلك الآراء وفقا لما يفهم من السياق الذي قيلت فيه، كانت تدور حول مفهوم هذه الجرائم في بعدها “الأخلاقي” من غير التعرض إلى الجانب الديني، وهو ما يجعل تلك المواقف على إيجابيتها ناقصة ومتجاهلة لواقع لا يمكن القفز عليه. حيث لم يجر على حد علمنا الإشارة إلى قضية الزواج المختلط فيما يتعلق بجرائم القتل التي ترتكب على تلك الخلفية، وهو ما يمكن أن يعد بمثابة تغاضي عن الجرائم المرتكبة باسم الدين وتحت غطاء “الشرف”، وليس المقصود هنا بطبيعة الحال “مباركة” الزواج المختلط دينيا وطائفيا من قبل رجال الدين، وإنما نبذ وتحريم الجرائم التي تقع بسببه.

في قضية الضحية هدى أبو عسلي مثلا تقول إحدى الناشطات: “كان بالإمكان قتلها حيث تقيم خارج السويداء، لكن هذا كان من شأنه أولا أن يخفف من قوة الغطاء الاجتماعي الذي يتوفر حين ارتكاب الجريمة داخل المدينة وبين أبنائها. ثم هو إشهار علني أمام جميع أبناء الطائفة بالولاء والامتثال. وفي الكثير من الحالات تم بالمثل استدراج الفتاة إلى حيث مقر إقامة العائلة والعشيرة والطائفة قبل تنفيذ حكم الموت فيها. لو أن شيخ العشيرة أو رجل الدين المعني قام وتحدث صراحة عن تحريم هذا النوع من الجرائم وعن نبذ من يقوم بها بعد تسمية الأمور بمسمياتها باعتبارها جريمة قتل بسبب الزواج من خارج الطائفة، لاختلف الأمر كثيرا فيما أرى، وهذا لا يعني كما قد يعتقد البعض تشجيعا من قبل رجال الدين على هذا الزواج الذي يعتبرونه باطلا أو غير محبذ، بل هو فقط إحدى وسائل مكافحة هذه الجريمة البشعة”.

لكن للناشط بسام القاضي رأيا آخر:

“لا أعتقد أن الأمر كذلك. صحيح أن التركيز الأساسي كان يتعلق بالسلوك الجنسي، لأن العذرين المحل والمخفف مرتبطين بهذا المفهوم للشرف، وهو المفهوم الأكثر التباسا في هذه الجرائم. بينما لا يستطيع أحد أن يعلن أنه قتل فتاة من طائفة أو مذهب معين لأنها تزوجت من غير طائفتها أو مذهبها. في حال إعلانه ذلك سوف تجري محاكمته أصولاً بعيدا عن المادتين 548 و[3]192 من قانون العقوبات السوري. ولا يوجد رجل دين واحد في سورية على الأقل يستطيع أن يعلن أنه يقف ضد زواج السنية من العلوي، أو الدرزي من الإسماعيلية، أو… هذا يناقض روح ونص الإسلام مناقضة تامة. كذلك الأمر فيما يخص الزواج بين الطوائف المسيحية، وبدرجة أقل بين المسلمين والمسيحيين”.

ويضيف القاضي بأن رجال الدين لا يريدون الآن فتح ملف الزواج عبر الطوائف والمذاهب، وهذا يرجع إلى رغبة هؤلاء عموماً بالحفاظ على سيطرتهم التي تصير مهددة حين تتلاشى ما سماه الحدود المصطنعة بين المذاهب والطوائف! ويستطرد فيقول:” أن مشكلة هذا الزواج، برأيي، تتعلق أولاً بمفهوم الزواج نفسه. فما دام الزواج هو زواج ديني، زواج لا تشكل العلاقة بين الرجل والمرأة، ولا تكوين أسرة بالمعنى الإنساني للكلمة، أية مساحة منه، بل هو زواج مرتبط بالعقيدة لا بالحياة، ما دام ذلك مستمر، فإن مشكلة الزواج المغلق (داخل المذهب أو الطائفة أو العشيرة أو حتى العائلة الكبيرة في بعض الأحيان) ستبقى قائمة”.

المواد القانونية المذكورة أعلاه هي من بين المواد التي يطالب نشطاء حقوق المرأة في سوريا بإلغائها من قانون العقوبات، من غير أن تنجح الحملات المتكررة في هذا الشأن بالوصول إلى نتيجة حتى الآن.

الدكتور محمد حبش رئيس مركز الدراسات الإسلامية والنائب في البرلمان السوري، كان قد تحدث عن التوصل إلى مشروع قرار في البرلمان لتعديل هذه القوانين، لكنه لم يعرض على التصويت بسبب تحفظ وزارة العدل، معتبرا أن ” لوزارة العدل حسابات تتصل بمدى تفهم الناس هذا الموضوع. ومن المنطقي أن يطالبوا بفترة زمنية لتشكيل لجان خبراء، كي يحظى القانون بموافقة على الرأي الشعبي” مشيرا إلى أنه يخالف الوزارة على تحفظها لأن مشروع القانون مدروس من الناحية الشرعية والقانونية ومفتي الجمهورية يوافق على تعديل القانون الحالي”.[4]

وقد يرى البعض أن التعديل المذكور لا يحتاج إلى “موافقة الرأي الشعبي” الذي لا رأي له في بلد مثل سوريا بقدر ما يحتاج إلى موافقة جميع رموز الطوائف الدينية المختلفة، وبشكل أساسي لما قد يترتب عليه من غياب الرادع للخروج عن الطائفة بزواج مختلط. فالمقاطعة الاجتماعية والعائلية لا يمكن أن تشكل رادعا بقوة التهديد بالقتل، ومعرفة القاتل أنه قد يتلقى حكما بالسجن لمدد طويلة قد تحد إلى درجة كبيرة من ارتكاب مثل تلك الجرائم، وهو ما يعني في النهاية غياب العامل الرادع للزواج المختلط بين الأديان والطوائف المختلفة.

بسام القاضي يستبعد ذلك ويرى أن:”المسألة الأساس هنا هي مسالة ذكورية بامتياز. هنا تتجلى بشكل واضح كلياً واحدة من أكثر أشكال السيطرة الذكورية فجاجة. فإلغاء هذه القوانين يعني، من حيث الجوهر، إلغاء سيطرة الذكر المطلقة على حياة الأنثى في المسألة الأهم في العلاقة بينهما: الجنس. ويعني أنه لم يعد يمتلك امتيازه الأساسي في ضمان عدم خروج المرأة عن إرادته تحت حد القتل المباح. هل هناك ما هو أوضح من ذلك؟”.

ويعتبر القاضي أن مقاومة هذا التغيير في سورية تعود إلى سببين هامين من بين أسباب كثيرة أخرى: “الأول، هو العقل المحافظ للذين بيدهم مفاتيح القرار في التغيير التشريعي في سورية. فهؤلاء بأغلبهم لم يعذبوا أنفسهم وإن قليلاً بالخروج إلى ما تطور في حياة البشرية، ليس على مستوى الواقع فحسب، بل أيضاً على مستوى التشريع. وهؤلاء، وإن كانوا يدعون أنهم حريصون على التطوير، يخافون أي تغيير مهما كان صغيراً تحت ذريعة “الحصانة”! هذه الذريعة التي أسقطتها، في هذه الحالة، دماء النساء السوريات التي يراها كل من يعادي هذا التغير على وجهه كل صباح لو نظر بتمعن في المرآة!

والثاني: أن بعضهم يخشى خشية غريبة من بعض رجال الدين الذين يعارضون هذا التغيير؟ وهذا فعلاً أمر مثير. بعض المسؤولين والمسؤولات في مواقع صنع القرار لا يتخذون قراراتهم الخاصة في مثل هذه الأمور، بل ينفذون ما يراه فلان أو فلان من رجال الدين! من الواضح هنا أن المسألة تتعلق مباشرة بالانتهازية. فهم هكذا يضمنون أن فلان أو فلان من رجال الدين المعارضين، و”الواصلين” بالمعنى الدارج للكلمة، لن يعيقوا بقاءهم في كراسيهم! في حالة واحدة على الأقل، جرى التعبير عن ذلك، في جلسة خاصة، بكل صراحة!”.

ويضيف القاضي إلى ما سبق موانع أخرى يرى أنها تحول دون الزواج بين الطوائف والأديان:”بدءا من التفاهمات غير المعلنة بين رجال الدين المسلمين والمسيحيين حول قبول عقد الزواج، وانتهاء بها بين زعماء المذاهب والطوائف والعشائر. هذا غير السلطة المطلقة التي يتمتع بها هؤلاء عملياً، ونعرفها جميعنا، والتي تجعل من أغلب الأسر التي تخرج عن “طاعتهم” أسرا منبوذة تدفع غالياً جداً ثمن هذا الخروج، حتى إن حدث برغبة الفتاة فقط دون رغبة الأسرة!”
في هذا الإطار روى لي أحد الأصدقاء بأن أهل قريته توافدوا إلى منزل الوالد الذي تزوجت ابنته من خارج طائفتها، يعرضون عليه تنفيذ “واجب” قتلها، فما كان منه إلا أن توعدهم في حال “لمسوا شعرة من رأسها”. وكانت النتيجة أن تمت مقاطعته مع عائلته كلها، لدرجة أنه لم يعد يستطيع شراء “ربطة خبز” من الفرن!

{{زواج مدني!}}

يرى البعض في الزواج المدني حلا وحيدا لهذه المشكلة، على الرغم من ضآلة إمكانية تحقيقه على المدى المنظور في سوريا. ومع ذلك يرى آخرون أن أساس الحل هو في أماكن أخرى، “أماكن تتجاوز الانتماء العصبي إلى الهويات الضيقة ويكون لحرية الاعتقاد فيها مكانا راسخا إيمانا وتطبيقا” يقول أحد الشبان.

إحدى الصبايا ضحكت حين سألتها إن كانت تعتقد بأن الزواج المدني ممكن التحقق في سوريا “فلتتغير القوانين إذا كانت ستتغير وهذا غير محتمل فيما أعتقد. لكن يبقى الأهم. أن يتغير الذي هنا وهنا!” كانت تشير بإصبع يدها إلى رأسها وصدرها فيما ضحكتها تتحول إلى ابتسامة لا توحي بالكثير من الأمل!

[1] مسلمات ومسيحيون في سورية “يتمتعون” وينجبون بلا زواج- العربية نت- 25-1-2007

[2] هذه الآراء من مواقع الانترنت المختلفة.

[3]وتنص على أنه إذا تبين للقاضي أن الدافع كان شريفا قضى بالعقوبات التالية :

–الاعتقال المؤبد بدلا من الإعدام – الاعتقال المؤبد أو لخمسة عشر سنه بدلا من الأشغال الشاقة المؤقتة.

–الحبس البسيط بدلا من الحبس مع التشغيل

[4]موقع نساء سوريا- أوقفوا جرائم الشرف.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق