جراح الروح والجسد : رواية الفضيحة وفضيحة الثقافة

فكرة واحدة لا غير تهيمن عليك بعد أن تنتهي من قراءة "جراح الروح والجسد" للراحلة المغربية مليكة مستظرف. فكرة تنتمي للظلم الذي حاق بهذه الروائية التي رحلت دون أن تلقى احتفاءً نقديّا يليق بما كتبت وأبدعت وفضحت، بل إنّها رحلت وهي مصنّفة ضمن الملعونين والمذمومين والخارجين على القانون، بعد أن قضت عمرها تحتضر ببطء، تخضع لغسيل الكلى ثلاث مرّات أسبوعيا مذ كانت في الرابعة عشرة من عمرها، وسط تجاهل رسميّ وثقافيّ مفجع.

تأخذك "فضائحها" مباشرة لتقارن بين ما حصدته الراحلة من آلام وتجاهل وتعتيم مقابل ما حصده الروائي المغربي محمد شكري من احتفاء نقديّ وشهرة بعد كتابته "الخبز الحافي"، خاصّة أنّ الروايتين تنتميان إلى ما يمكن تسميته بالنصّ الفاضح، والهاتك، والخارج على كلّ فنون "اللياقة" والكتابة، سواء من ناحية الموضوع الذاهب إلى القاع المغربي بكل وحشيته وعهره، أو موضوع اللغة المستخدمة الخارجة بدورها على كلّ بلاغة جاهزة ومعلّبة.

لماذا لم تحظ مستظرف بالاحتفاء النقدي؟ سؤال يخترق الذاكرة والقراءة ويرنّ في البال طويلا، خاصّة أنّ نصّها فاضح وهاتك وعار و"مباشر كطلقة مسدّس" أكثر من نصّ شكري بكثير، من حيث مقاربتها موضوع عائلتها وفضحه كنموذج لكلّ عائلات القاع المغربيّ المنغمس في الفقر والجهل والعهر والغريزة البدائية، وهو الأمر الذي دفع عائلتها إلى التبرّؤ منها ورفضها ونبذها.

هل ثمّة ذكورية نقدية تبيح للمبدع ما لا تبيحه للمبدعة؟ هل ثمّة خطوط حمراء لا يجوز للمرأة المبدعة أن تتخطّاها، خاصة فيما يتعلق بفضح العائلة، لأنّ المرأة هي الأقدر على فضح "الجوانيات" المسكوت عنها، بما تختزنه من حكايات تراها وتعرفها أكثر من الرجل الذي يرى الخارج أكثر ممّا يرى الداخل، وبالتالي فإنّ تشجيع المرأة على الفضح بمثل تلك القسوة التي فضحت بها "مستظرف" سيكون كارثيا على مجتمع يتستّر على فضائحه !!

هذه أسئلة تحتاج دراسةً معمّقة، وإعادة قراءة لتاريخ الرواية العربية التي كتبتها المرأة، ومقارنة ذلك بما كتب النقّاد عنها قياسا بما كتب عن المبدع الذكر، وذلك كي يتمكّن المرء من الإجابة عليها، وربما كشف فضيحة الثقافة والنقد، المتمثّلة في بروز ذكورية نقدية مضمرة، تسمح للمبدع الذكر بما لا تسمح به للمبدعة الأنثى!!

طفولة منتهكة وصمت أعمى : 

تذهب مليكة مستظرف في رواياتها إلى أقصى ما يمكن أن يصله الفضح والهتك، وأقصى ما يمكن من الشجاعة التي تجعلها تصل إلى ذروة تمسك بها قلمها لتفضح أهلها والعهر المحيط بها، شجاعة  تصل حدود التهوّر لتكتب عن نفسها ومعاناتها بمثل تلك الفجاجة والرقّة في آن، فجاجة عالم موحل وغارق في حيوانيته، ورقّة تتمثّل في ذات الكاتبة الضعيفة وهي تواجه وحل هذا العالم متسلّحة بالحلم بعالم هادئ لا وحل فيه ولا اغتصاب، عالم لا وحوش فيه تفترس الطفولة المسالمة، عالم يبدو أنه سيبقى حلما!

ولا تكتفي الكاتبة بذلك بل كانت تصرّ على القول إلى آخر لحظة من حياتها، بأنها ستذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تقول في أحد الحوارات الصحفية معها "لن أبتلع لساني وأصمت، بل سأتقيّأ على وجوهكم كلّ ما ظلّ محبوساً طوال هذه السنين. سأنشر غسيلي الوسخ على الملأ ليراه الجميع. لم يعد يهمّني أحد".

تبدأ الرواية بمشهد اغتصاب البطلة وهي في الرابعة من عمرها من قبل رجل يقول لها إنّه سيأخذها إلى أبيها، فيأخذها إلى عمارة ويفرغ قذارته عليها، "أحسست يداً مرتعشة تتحسّس صدري ونهدي. أيّ نهد لطفلة لم تتجاوز السادسة؟ لم أعترض. كنت أعرف أنه لا جدوى من المقاومة. استسلمتُ وأنا ألعن كلّ شيء في سرّي".

وعندما تعود الطفلة إلى المنزل وتخبر أمها، تبدأ بضربها وكأنّها هي المذنبة، وفكرة واحدة تسيطر على الأم لا غير، هل فقدت ابنتها بكارتها أم لا؟ تترك الأمّ كلّ شيء : وضع الطفلة النفسي والاعتداء الذي حصل عليها؟ الجاني؟ الخوف من معرفة الأب بالأمر.. لتركّز على شيء واحد : البكارة التي وحدها تقرّر مصير الفتاة، إن كانت تستحقّ الشفقة أم لا!

يطمئنّ قلب الأمّ عندما تزفّ إليها القابلة الخبر بأنّ "البكارة سليمة"، ولكن ذلك لا ينقذ الفتاة من الضرب والكيّ بالنار كي تتعلّم! وفعلا تتعلّم الطفلة أن لا تحكي شيئا بعد الآن، تعيد أسئلتها بينها وبين ذاتها : ماذا فعلت كي أستوجب هذا العقاب؟ وما هو ذلك الشيء المقدّس الموجود بين الفخذين الذي يشير إليه الجميع دون أن يسمّوه باسمه، يخشونه ويحمونه ويومئون إليه بشبق وخوف ومتعة وتبجيل غير معلن… أليس له اسم؟ هذا ما تتساءله الطفلة المهدّدة بكل لحظة، الطفلة التي تعلّمت الصمت واختزان الألم، ممّا يدفع "قدور" الذي يعيش معهم في المنزل، إلى الاعتداء عليها مرارا دون أن تجرأ على التفوّه بكلمة خوفا من العقاب الذي ينتظرها، وعندما يتمّ اكتشاف أمر قدور تعاقب هي مرّة أخرى دون أن تفهم لماذا؟ فإن صمتت تعاقب وإن تكلّمت تعاقب؟ وهي الطفلة المعتدى عليها من قبل وحوش لا قدرة لهم على ردّ شبقهم ومكبوتاتهم الجنسية التي تتفجّر اغتصابا وانتهاكا لطفولتها !

النفاق والكذب المتبادل : 

استطاعت الكاتبة بدهاء أن تعرّي سمة أساسية من سمات مجتمعات الفقر والقاع السفلي للمجتمع، وهي سمة الازدواجية الرهيبة التي يحيا بها الجميع، ويعيشها كقدر لا مفرّ منه، الجميع يعلم ما يجري والجميع ينكر ما يجري، حياة ظاهرة ملؤها التقى والعفّة والإيمان مقابل حياة باطنية ملؤها العهر والرذيلة والانحطاط بأسفه الأشكال التي يمكن أن توجد بها. 

في هذا البرزخ المفتوح على احتمالات الموت، يجد صاحب الضمير نفسه محكوما بالصمت وحده، مؤجّلا "كلامه" إلى وقت ما، خاصة أن لا أحد يصدقه فالناس هنا لا يريدون من يذكّرهم بالحقيقة، وهذا ما يحصل مع البطلة حين تكتشف أنّ أختها تذهب إلى بيت الدعارة بعد أن تكذب على أمّها، وتأخذها معها كي تكون حجّة أمام أمّها وتضطرّ الصغيرة أن تكذب كي لا تبيتها أختها في التواليت عقوبة لها، هكذا تفتح الصغيرة عينيها على عالم القاع بأحطّ أشكاله : عهر مفتوح واستغلال جنسيّ قبيح، وأمّ تصدق ببلاهة حتى عندما تضطرّ الصغيرة لفضح أختها نتيجة شجار بينهما فتكذّبها الأمّ مرّة أخرى !

وعندما تكتشف الأمّ ذلك يكون الأوان قد فات، حيث تقول لها وهي تحتضر: سامحيني يا ابنتي على كل ما فعلته معك في الطفولة أنا جاهلة ولا أعرف شيء في أصول التربية..والدك ألغى شخصيتي وأختك ألغت عقلي".

عهر متبادل : ذكوريّ معلن وأنثويّ مضمر

لعل أقسى مشهد في الفيلم، عندما تتفاجأ البنت العاهرة بأبيها عند باب إحدى شقق الدعارة، وعندما تسأل ماذا يفعل هنا يقال لها إنّه من أهمّ الزبائن المتردّدين على بيوت الدعارة، لنصاب بالصدمة : ماذا لو التقى الأب ابنته في بيت دعارة تنتظره للمتعة ؟

سؤال يخرج عن حدود المنطق والعقل، ولكنه كاد أن يحصل في مجتمع يمنح الذكر حقّ التبجّح بعهره علنا ويسمح به للأنثى شرط أن يبقى سرّا ومعتما وغير معلن!! هذه الازدواجية المرعبة هي ما تسعى مليكة لكسره، وخلخلة أسس بنائه المجتمعيّ عبر تسليط الضوء على أنّ الجميع سواسية في العهر، وأنّه لا فرق بين عاهر وعاهرة، ولعلّ الحوار الدائر بينها وبين أبيها، عندما يشكّ بأفعال زوجته الثانية التي تزوّجها بعد وفاة أمها، إذ يسألها إن كانت زوجته تخونه، فتردّ : إن كنت تخونها فهي حتما خانتك.. ليقول لها بأنّ الرجل ليس كما المرأة فتردّ بأنّهما متساويان في العهر.

والملفت أنّ هذه الثنائية المتمثلة بالعهر الذكوريّ المضمر والعهر الأنثويّ الموارب، تنسحب بدورها لتكشف عن ثنائيات أخرى مفجعة وغريبة، فالأب المتحدّث في العائلة عن الطهر والأخلاق هو نفسه الذي لا يتوانى عن إشباع غريزته عبر تجواله على الفتيات الصغيرات من مدينة إلى أخرى لتمتيع نفسه، والأخ الذي كانت تصرف عليه أخته أيام جامعته هو نفسه الذي يستيقظ شرفه فجأة ليسألها بعد انتفاء حاجته إلى مالها : من أين مالك؟ والأّم المستفيدة من أموال ابنتها الحرام هي نفسها التي تجد ألف مبرّر ومبرّر (ولو بالعقل الباطن) لأعمال ابنتها، دون أن تتساءل عن ماهيتها، والأختان هما اللتان تتلقّيان من أختهما العاهرة راتبا شهريا لقاء عدم فضحها بعد أن تزوجت وأصبح زوجها يأتيها بالزبائن إلى المنزل!

هكذا إذن، كلّ شيء مسموح ويغضّ النظر عنه باطنا، مقابل ذكورية فجّة ترفع شعار العفّة والأخلاق ظاهرا!!

انتقام العدالة وعدالة العهر : 

رغم انعدام العدالة والقيم في عوالم القاع يبدو أنّ ثمة عدالة خاصة بهذا العالم. عدالة تستمدّ منطقها من غرابة هذا العالم. فالضحية تصبح جلادا لضحية أخرى لا تلبث أن تصبح جلادا بدورها لغيرها، إلى درجة تشعر معها كأنّ هناك ترتيبا خفيا يقود الأمور ويحقّق عدالته على طريقته، فالأب العاهر والمزواج يتزوّج زوجة تخونه في الوقت الذي يخونها فيه، قدور الذي اغتصب البطلة في طفولتها ينتحر بعد اكتشاف زوجته الفرنسية أنه كان يغتصب بناته وأبناءه منها! الأمّ العاهرة تفاجأ بأنّ ابنتها "إلهام" تغتصب من قبل أخيها وابنها لتطردهما من المنزل…هكذا نجد أنّ كلّ ضحيّة تتعرّض لاغتصاب ما يدفعها بدورها للانتقام اغتصابا من أحد آخر، وفق متوالية مرعبة من الاغتصاب والاغتصاب المتبادل، فالجميع ضحايا وقتلة بذات الوقت، فالأمّ ضحية التقاليد التي علّمتها أن تصمت للرجل على كل ما يريد لتكون النتيجة ضياع العائلة، والزوجة الثانية للأب ضحيّة أمّها التي قالت لها "تزوّجي وأحبي من شئت"، وعندما تقول الفتاة لأمّها: ماذا سأفعل برجل لا يجلس في البيت؟ تقول لها الأمّ هذا لحسن حظك فماذا ستفعلين برجل يظل بجانبك العمر كله يخنق أنفاسك؟" لتكون النتيجة الطلاق بعد أن يعرف زوجها بخياناتها المتكررة.

مستودع العنف :

ولعل من أهم الأشياء التي نلتقطها من قراءة الرواية هو معرفة الأرضية والبيئة التي يتخرج منها العنف، إذ أنّ تلك البيئات المفتوحة على كلّ أشكال الامتهان والعبودية -التي تبدأ من الوعي الأسروي الممهد للقبول بالإذعان للانتهاك الجنسي- تكاد تكون هي المفرّخ الطبيعيّ لكلّ هذا العنف في حياتنا، فالشخصيات المنتهكة والمذلولة ينتهي بها المطاف بعد أن يصل حقدها إلى درجة غير قابلة للاحتمال، إمّا إلى القتل أو الجنون والانتحار.

ولعلّ مشهدا واحدا نجتزؤه هنا يدلّنا على حجم العنف المغروس في اللاوعي، إذ عندما تسأل البطلة صديقتها "إلهام" عن رأيها بطلب أبيها تزويجها لقدور الذي اغتصبها في طفولتها، تقول إلهام : نعم تزوّجيه وفي ليلة الدخلة ضعي له منوّما واقطعي له عضوه وضعيه حول رقبته".

وبعدها تقترح عليها أن تعطيه "التوكال" لـ"يبقى طريح الفراش لا هو بميت.. ولا هو بحيّ يتساقط شعره وينحل جسمه يموت ببطء وتتلذّذين بتعذيبه".

ولعلّ ما سبق يعطي مؤشّرا واضحا على حجم العنف الذي يعتمل في ذوات هذه الشخصيات المسحوقة ولاوعيها، هذا العنف الذي سيتفجّر  يوما ولا شكّ إرهابا وجرائم واغتصابا!

ورغم قسوة الشخصيات وجلافتها وانحلال قيمها، إضافة لعهر الوسط الذي تتحدّث عنه مليكة فهي لا تلغي الأمل، إذ أنّ كثافة اليأس وفداحة الخسائر وانغماس الشخصيات في سلبية مطلقة لم تمنعها من رؤية الإنسان في دواخل الشخصيات، الإنسان المهمّش والمستلب والحزين، والباحث بدوره عن فرصة أو منفذ ليطلّ من باطن أكوام القاذورات التي وضعته الحياة في داخلها، وكأنّ مليكة تريد القول إنّ هذه الشخصيات المغرقة في شذوذها وعهرها وتلوّثها يمكنها أن تكون كائنات سويّة لو توفّرت لها شروط حياة صحية تساعدها على الخروج من مستنقعها العفن.   

أخيرا، يمكن للمرء أن يحزن حقا على رحيل واحدة من أشجع الروائيات العربيات دون أن تتمكن من كتابة ما كانت تودّ فضحه، وهي القائلة : ليس سهلا أن تقف عاريا وينظر الجميع لعريك. لكن يوما ما سأتعرّى حتى من ورق التوت. انتهاكات وجرائم كنت ضحيتها ولازلت!! سأحاول نزع بعض الأقنعة وسيرى الجميع كم تبدو وجوهنا كريهة بدون أقنعة. لكن الآن أكتفي بابتلاع لساني والصمت حتى لا أهدر طاقتي من كثرة الحكي لأني لحظة تفجيرها أريدها بركانا وزلزالا .. أريدها صفعة في وجه كل مدّعي العفّة من سياسيين وقوّادين.. الذين يحيلون أحلامنا إحباطات وأسى."

هل حقّا مرّت هذه المرأة المبدعة في حياتنا دون أن ننتبه؟
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق