جرثومة واحدة ؟

ما هي العلاقة بين مرض السّيدا وانهيار البورصات والإرهاب؟ في مقال كتب سنة2001، وبالضبط عقب 11 أيلول، حاول جان بودريار الإجابة عن هذا السّؤال الذي قد يظهر مفتعلا لأوّل نظرة. وقد لاحظ أنّ الأشكال الناجمة عن اختلال أساسيّ في عمل أنظمة السياسيّ والجنسيّ والجينيّ، وهي الأشكال التي تأخذ اليوم بالاهتمام، والتي تتجلّى في السّيدا والانهيار الماليّ أو الجراثيم الالكترونيّة، ثم الإرهاب، إنّ هذه الأشكال، رغم أنّها تبدو منفصلة بعضها عن بعض، فهي تشترك في قواسم مشتركة: ” فالسّيدا نوع من انهيار القيم الجنسيّة، والحواسيب التي لعبت دورا جوهريّا في تسريع انهيار بورصة وول ستريت توجد هي ذاتها تحت رحمة القيم المعلوماتية التي تسبّب الحواسيب في انهيارها. فالعدوى لا تمسّ فقط نظاما واحدا، إنها تخترق عدّة أنظمة”.

لقد ظهرت بوادر هذا الاختلال بطبيعة الحال منذ فترة بعيدة: فالسّيدا كانت دوما قابعة كإمكان جذريّ، والانهيار الماليّ كان دائما حاضرا منذ 1929، والسّرقات والحوادث الالكترونية بدأت تطفو على السطح منذ الثمانينات،” لكنّ الجديد هو التحوّل شبه المتزامن لهذه الأشكال إلى بنيات جرثوميّة ومُعدية، أي كارثية”. وفي هذا بالضبط لا تبعد هذه الأشكال جميعها عن الإرهاب.

قد يقال إنّ في هذا الجواب تعويما لمفهوم الارهاب، وإنّ الاكتفاء بعلاقات شكليّة في هذا المضمار والقول بأنّ البنية الكارثية هي القاسم المشترك بين هذه الظواهر من شأنه أن يغيّب الفحوى الأساس لكلّ منها. إلا أنّ بودريار يردّ متسائلا: » أليس أمرا غير بعيد عن الإرهاب عملية بيع شركة في ضيق عندما ترتفع أسهمها، أو ليس غير بعيد عن الإرهاب كذلك حالة صانع برمجيات يقوم بوضع “قنبلة خفيفة” في قلب البرامج مهدّدا بتدميرها كوسيلة ضغط…أوليس غير بعيد أخيرا عن الإرهاب أخيرا قيام مدراء مضاربين باعتقال شركات بعينها عن طريق التحكّم في اختفائها أو استمرارها داخل البورصة؟ « .

بهذا المعنى تكون هناك جرثومة واحدة تسري بين مختلف هذه الأنظمة : فالفيروسات” ثمرة الشفافية القاتلة للإعلام عالميا، والسّيدا ثمرة للشفافية القاتلة للجنس على مستوى جماعات بعينها، والانهيارات المالية نتيجة حتمية للشفافية القاتلة للتحرير السريع للاقتصادات”. فكأنّ هذه الجرثومة تصيب تلك الشفافية متعدّدة المظاهر لتجعلها تعمل ضدّ نفسها وتحوّلها إلى نقيضها الجذريّ: تُحوّل الإعلام إلى تضليل إعلاميّ، والجنس إلى سيدا، والتحرير الاقتصاديّ إلى انهيار ماليّ. لكن ما هو وجه الشبه بين هذا التحويل وبين الإرهاب؟ يقينا إنّه ليس العنف، والعنف الماديّ على الخصوص. لنقل اذن إنّ هذه الظواهر تشارك الإرهاب عنفه الرمزيّ، أي عنف الرجّة والانقلاب الكارثيّ الذي يحول بيننا وبين كلّ تنبّؤ فيجعلنا، شأننا في ذلك شأننا مع العمليات الإرهابية، في انتظار دائم لما لا يمكن توقّعه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق