جروح لا تشفى

بدت عيناه غائرتين كما عهدتهما قبل عشرين عاما، لم يتغير أبدا، لطالما اعتقدت أنه ولد كما هو الآن، حدقت بوجهه، بلحيته البيضاء القليلة الشعر…كان يأخذني بين ذراعيه ويرفعني إلى صدره فأمد يدي الصغيرتين محاولا نتف بعضها، فكان يتفاداهما مبتسما ثم ينزلني إلى وسطه ويرفعني في الهواء …كنت اشعر أن تحليقي سيدوم إلى الأبد، فأحس بالهواء يتخلل أنامل يدي ويتلاعب بخصل شعري ..ثم أشعر بيديه تحيطان بجسدي الصغير، فأقهقه فرحا .

كان يجلس على دكة فراش أمامي بينما كان أبي على يساري ..بدا منشغلا قليلا، تحسس الوسادة بجانبه، قبلها، ثم وضعها وراء ظهره،..أثارني تصرفه ذاك فنظرت إلى أبي مبتسما باستخاف، ثم استطردت سرا  

“…يالخرف هؤلاء المسنين..ذاك مجرد ثوب محشو بالصوف” .لكن أبي بدا معتادا على الأمر

“…هل للأمر علاقة بالبركة؟” تساءلت مستغربا، ثم استطردت سرا ..وكل الترهات التي عطلت العقل الشرقي لقرون”.
 

 أجاب جدي بتأن “لا يا بني إن مقدار تقديرنا للأشياء يعتمد على ماعنته لنا في مرحلة من مراحل حياتنا

” قطبت جبيني مصطنعا الفضول، لكن جدي لم يبال، أخد كوب الشاي من على المائدة، إرتشف منه قليلا أداره بأصابعه، تأمل نقوشه ثم وضعه على المائدة من جديد ..

رفع عينيه إلي ثم اكمل ” لقد كان الصوف أحد الأسباب وراء تحمل النصارى عناء عبور البحار والبراري يابني.. لقد حمل إلينا من الرصاص وجيش من البشر ما تعجز الألسن عن عده من أجل الصوف ..”

قلت ساخرا ” أنا واثق أنك لا تتحدث عن الذهب يا جدي ..؟ “

لم يجبني، بدا كأن الذكريات تخنقه .. حدق بي هنيهة ثم استطرد ..” أتو بأعداد كثيرة …كانوا يلبسون ثيابا خضرا، حزام جلدي يحيط بخصورهم، وسراويل تضيق نزولا من الخصر إلى القدمين “.

اتسعت حدقتا عينيه وعلت وجهه مسحة توتر خفيف…كان حرج وجدية الموقف تتسربان إلي …

” كانوا يحملون بنادق مع خناجر مثبتة على مقدمتها ويسوقون قوافل من الحمير تئن تحت أحمالها الثقيلة من الرصاص وكل ما يفني البشر، مروا ب ” لعبايدة ” في طريقهم شمالا إلينا، كان مفترق الطرق حيث قبيلة “لعبايدة ” هناك بالسهل هو أقرب طريق معبد إلى هنا …قبل وصولهم إلى هنا بأيام أتى رجل إسمه لحسن بن محمد العبيدي..كان حافيا ويركب أتانا هزيلا بدون بردعة، قال إنه أخدها خلسة ركبها ثم هرب صعودا، أخبرنا أنهم أخذوا كل من يستطيع حمل رفش من لعبيديين وأجبروهم على فتح طريق سيمر عبر “كيالا” إلى مرتفعات الشمال، وأنهم قد جمعوا الصوف ..الكثير من الصوف … كل ما استطاعوا الحصول عليه من “لعبيديين “.. في البدء كانوا يعفون كل من أحضر كيسا من الصوف من العمل في حفر الطريق، لكن بعد وصول ذلك الشؤم ـ كما كان لعبيدي يسميه ـ “جون جاك لوبريداتور” ساءت الأمور كثيرا، كانوا يقفون منتصبين كلما ظهر ويحيونه برفع أيديهم إلى جوانب جباههم بخضوع بالغ …”أصبحوا يتنافسون في إيقاع شتى أنواع التنكيل والإذلال بنا …ركلونا بجزماتهم الثقيلة على وجوهنا ..كانوا يشتموننا بحنق يجعل لعابهم يتطاير من أفواههم …أخذوا صوف الجميع بالقوة وأجبروا الجميع على العمل …أحضروا معهم ماردا أسودا كانوا ينفخون في صفارة ما إن يسمع صوتها حتى تجحظ عيناه فينطلق كالثور يكسر عظام كل من تغيب عن العمل بسبب المرض أو غيره…أخبرنا أن هذا الأسود حمل شيخا عليلا كما لو كان قشة ورمى به بعيدا فسمع كل الحاضرين طقطقة عظامه تتكسر .

“…عيونهم كعيون الشياطين ” …كان لعبيدي يعيدها على مسامعنا كثيرا، أخبرنا أنهم كانوا حول النار يتسامرون ذات ليلة فاقترب منهم خلسة فأفزعته عيونهم..” كانت تبدوا حمراء كالجمر على ضوء النار الخافت.

أخبرنا أن ” لوبريداتور ” هذا طلب قاعدة دوحة كان يقف عليها معظم النهار يتأمل المرتفعات شمالا ثم يحدق بكتيب بيديه واضعا زجاجتين مستويتا القد على عينيه، ومربوطتان بخيط يحيط بعنقه “

بح صوت جدي قليلا، كان حماسه يتزايد كلما إستطرد في حديثه ..كان يرهق ذاكرته الواهنة مصرا على تذكر كلمات لعبيدي “كما سمعها قبل أكثر من إثنين وثمانين عاما،…حدق بي طويلا، بدا كأن حواسه قد تعطلت تاركة المجال للذكريات المتزاحمة في رأسه الأشيب …قبل أن يكمل حكيه .

“لقد حدث أن وصلنا ذات يوم عصرا نصراني يلبس ثيابا رثة ذو لحية شقراء تصل صدره، كان يحمل صرة مربوطة إلى طرف عصا غليظة على كتفه، سأل عن المسجد فأرشده بعض الصغار إليه، توضأ وصلى ركعتين، ثم اقترب من الفقيه ” السي الخيالي ” وانحنى بين يديه، أخبر الجمع من المصلين أنه نصراني اختار طريق الله وأسلم على يد الشيخ ” سيدي حمزة المشيشي ” بحوزة مولاي الخيار ” وانه ينشد الخلاص عبر التجول وحفظ القران …فهلل سي الخيالي مستبشرا وأمر بإعداد كل ما يلزم راحة الضيف ..كان يحرص على حضور الأفراح والأقراح، كثير التدوين، يفضل الإنصات على الكلام، …قضى بيننا قرابة العامين ثم رحل ليلا .

هل تتخيل مدى استغراب الناس عندما أخبرنا “لعبيدي ” أنه رآه ضمن جند الغزاة، كان يلبس ثيابا مختلفة عن بقية الجنود، ويجالس قائدهم “لوبريداتور ” كثيرا …لقد داخلني الشك أول الأمر، كان وجهه حليقا هذه المرة، لكني تبينت ملامحه من خلال أنفه وجبينه المرقطين كبيض الدجاج الحبشي” .. تلك كانت كلمات ” لعبيدي ” التي قطع بها الشك باليقين لنا .

تنحنح جدي بصوت خفيض، بلل شفتيه بلسانه، جال بنظره الغرفة ثم حدق بالأرض قرب قدميه كانت بعض شعيرات حاجبيه تخفي محجريه بحيث جعلت عينه تبداون كحفرتين غائرتين يحيط بهما السواد، لم أطق صمته فسألته بتلهف …” وماذا بعد هل أتوا إلى هنا ؟ أم هاجمتموهم أولا ؟ “

عدل جلسته بتؤدة، تحسس الوسادة وراء ظهره ثم قبل يديه شاكرا قبل أن يستطرد ” لا لم نفعل يا بني كان الأوان قد فات، فقد أخبرنا لعبيدي أن الجوع قد أتى على معظم الصغار والطاعنين في السن، وأن الطاعون قد تفشي بينهم “حتى إن الرجل منا ليتكأ على رفشه طلبا للراحة ثم يسقط كما تسقط أشجار الحطب، فنتحسسه فإذا بروحه قد فارقته،..إن أرض مقبرة العبايدة قد حمل إليها من الموتى ما لم يتسع جوفها لهم ” هكذا كان لحسن لعبيدي يصف هول الحدث لأبي وبعض شيوخ القرية، كانوا ينصتون إليه بذهول وقد تجمعوا حوله، لأول مرة في حياتي رأيت الخوف ..لا بل الرعب في عيني لأبي.
 

 ” جحظت عينا جدي وبدا هول الموقف فيهما…كان ينظر حوله بتلهف كأنما الكلمات لا تسعفه …ثم أكمل حديثه “…عاد إلى المنزل باكرا ذلك اليوم كان وقت المغيب عندما أرسلني لأحضر القطيع،…عندما عدث كان يحمل مطرقة وعلى الدرج بجانبه كانت هناك حفنة مسامير يصلح بها الباب المتداعي ..عندما دعي إلى العشاء أجاب باقتضاب وبغير اهتمام بأنه غير جائع، أغلق الباب بإحكام ..كان يبتعد عنها خطوتين أو ثلاثا، ..يتأمل زواياها ثم يتأكد مجددا من أنها محكمة الإغلاق، طلب منى إحضار شمعة فقاطعت عشائي مسرعا والشمعة في يدي، أخذ مفتاحا كبيرا من حزام يحيط بجلبابه عند خصره وفتح به بابا صغيرا متواجدا بركن فسحة المنزل ..كنت فتى يافعا في الخامسة أو السادسة عشرة وكانت تلك أول مرة أرى فيها ذلك الباب يفتح، …انحنى قليلا وحشر جسده داخل الباب الضيق، ثم أدار رأسه صوبي والشمعة في يمناه قائلا ” عديا بني أكمل عشاءك ” تظاهرت بالعودة ريثما دخل، أغلق المتهالك وراءه فسمعت صرير أجزائه المتآكلة كنعيق الغربان …عدت مسرعا على أصابع أقدامي، تشبثت بحواف الباب بيدي ثم نظرت عبر شق بها ” .

توقف جدي قليلا، عدل عمامته، بلل شفتيه بلسانه، أحاط دقنه بيمناه متأملا كأنما يستلهم ما حدث “بدا الداخل رطبا واستحال بياض السقف وحواف الحيطان بللا أسودا نمت عليه طفيليات خضراء، بدا كمسلحة صغيرة، هراوات بقطع حديد غريبة الشكل مركبة على رؤوسها، واخرى خشبية بالكامل يكبر حجمها من المقبض تدريجا حتى يصبح قطعة خشب بحجم الرأس عند طرفها ..تفقدها أبي كلها، كان يحملها بيمناه، يتأملها، ينفض عنها الغبار وخيوط العنكبوت ثم يعيدها… عندما وضع آخر هراوة كانت بيده تقهقر خطوتين إلى الخلف ثم تهالك على قطع خشب أتت عليها الأرضة، سمعت طقطقة تكسرها تحت ثقل جسده…بدا تفكيره مأخوذا بشيء ذي بال…تأمل السقف بيأس ثم خبط ركبتيه بيديه وجمع ثوب جلبابه الصوفي بغيظ شديد، أخذ نفسا عميقا ثم أحاط وجهه بكفيه بينما علته مسحة تشنج مرير… كان يحرك رأسه بندم وخوف، ويتنفس بصعوبة بالغة… وفجأة نهض بعصبية كما لوأن جسده المنطوي في حاجة إلى التمدد حتى يستوعب رهبة ما أوحت به مخيلته، تركت إطار الباب بحذر شديد، وعيناي ترقبان حركات أبي المرتعبة…تملكني جزع شديد أنساني ألم الوقوف المضني على أصابعي،… لا أخفيك يا بني…جزعت لأنني لم أكن أتوقع شيئا على الأرض سيخيف أبي… كان رجلا شرسا يا بني…عندما دخل الغرفة كنت قد سبقته …توقف الجميع عن الأكل…استدارت أمي متسائلة عن سبب عدم رغبته بالأكل، غمغم بانشغال بينما كان يتأمل باب الغرفة ثم استدار نحونا…نظر إلينا كأنما كان يرانا لأول مرة…تفرس في وجوهنا جميعا… بدا وجهه كوجه طفل يتيم، ضم شفتيه قليلا ثم هز رأسه بيأس وخرج”

أتم جدي كلماته وانخرط في تأمل عميق…استثقلت صمته فانحنيت إلى الأمام بتلقائية وفضول قطعت حركاتي المتحمسة على جدي حبل تأملاته …فنظر صوبي قليلا ثم عدل جلسته …كان حاجباه يتحركان بتلقائية، فيكشفان عن عينين مشرقتين يتحدى بريقهما الدهر…” أتو بأعداد كثيرة كما أخبرتك يا بني… تجمع كبارنا وصعدوا تلة “جنان لحميدي”… كنا ـ ونحن مجموعة صغارـ نتبعهم في طريقهم صعودا فينهروننا بعصبية حتى نعود… كانوا يتشاورون فيما بينهم بجدية بالغة…عندما بلغوا قمة التلة جلس بعضهم على ركبهم بينما قرفص الآخرون، كنا قد تحلقنا قريبين منهم لكننا لم نتبين ما كانوا يتناعتونه باهتمام بالسهل وراء التلة، كان “بن العابد” أول من عاد من الجمع فوق التلة، بدا مرتعبا وشاحبا، كان يضع يدا على فمه بينما لف الأخرى حول رقبته من الخلف، تجاوزنا دون اكتراث ثم عاد مسرعا وربت على رؤوس بعضنا بخفة وأمرنا بالعودة إلى أمهاتنا وطلب منا أن نختبئ …عندما سألناه عن السبب نهرنا بهستيريا وبدا على ملامحه غضب ممزوج بالهلع …عاد بعضنا، لكني ومجموعة فتيان بسني لم نقتنع بفكرة العودة والاختباء…تظاهرنا بالعودة ريثما اختفينا عن الأنظار…ثم التفينا حول التلة من وسطها حتى صرنا على مرأى من السهل…

كان منظرهم مرعبا وقد تراصو مشكلين صفا طويلا تخللته قافلة حمير بأحمالها عند آخره… كانوا قد وصلوا سفح التلة صعودا باتجاهنا، عند ما عدنا كان رجال “النبع البارد” هذا ـ اسم بلدتناـ قد تجمعوا عند مدخل البلدة الغربي…لم يكن معبدا كما هو الآن يا بني … كان مسلكا ضيقا يتسع بعد حصاد المحصول صيفا مع مرور قطعان المواشي الكثيرة العدد، ثم يترك ضيقا بعد حرث الأرض حوله… كان الوقت صباح يوم من أيام أواخر موسم الخريف…بدا الجو غائما…كان ضباب الصباح لا زال يغطي قمم المرتفعات وأوديتها شمالا عندما وصلت سرية النصارى الأولى، كان شباب “النبع البارد” كامنين بدغل بري قرب المدخل القريب حيث دوحة الكستناء وبأيديهم هراوات وسيوف وأسلحة صدئة بالية أتى عليها الزمن… حاولوا صد النصارى قدر جهدهم أول الأمر، لكن ما إن تتالى دوي الرصاص حتى فر معظمهم …منهم من عادوا بعد أيام منهكين تعبا وجوعا…ومنهم من رحل شمالا ولم يعد أبدا…لكن معظم من بقي قضى على أيدي النصارى… قتلوا كل من صادفوه في طريقهم دون رحمة… كانوا شقرا حليقي وجوه علتها نقط سوداء فبدت كبيض الدجاج الحبشي…
 

 اختلطت أنفاسي المذعورة وأنا هارب برتابة أصوات أقدامي التعبة من شدة الجري… كان صوت البارود مرعبا يا بني… في طريق هروبي إلى منزلنا مررت ببقية رجال البلدة، كانوا قد تجمعوا قرب الجامع على يسار المئذنة، كان سي “الخيالي” يتوسطهم واقفا على دكة مرتفعة قليلا عن الأرض صائحا “لقد طال أمد هنائكم حتى علا الصدأ أسلحتكم، ومالت نفوسكم إلى الكسل والخمول يا أهل النبع البارد، فقد فات أمد شحذها وصرتم جسدا بدون أطراف ترد الضر عنه، وغدا تجمعكم بلا طائل… فعودوا إلى منازلكم فادفعوا النصارى عنها أو موتوا دونها…” واستمر سي الخيالي يخطب الجمع المذعور، كان صوته يضعف كلما ابتعدت عنه حتى أصبح مجرد صياح بائس…لم أكد أسترجع أنفاسي حتى اقتحموا علينا منزلنا…كان باب المرح متهالكا وكنا نسند وراءه جدع شجرة لوز متين… ركلوه بأحديتهم الثقيلة حتى تهدمت أركانه وتهالك على الأرض كهمم أهل النبع البارد….عندما توسطوا مرح الدار تصايحوا بحماس، ثم توجهوا إلى كل الأبواب يركلونها وينتزعون قوائمها بحماس الجموع الثائرة…كنت أنا وأخي وأمي نستشرف المشهد من بيت بركن المنزل الشمالي حيث يقع الفرن بجانب دغل الصبار الآن، فقد قمت بهدمه سنة زواجي الأول، لأن كل شيء به كان مصدر ذكرى أليمة لي… تطلعت إلى أمي…بدت مرتعبة كثيرا، كانت تنظر عبر شق صغير بالنافذة، وكلما سمعت تتالي الركل على الأبواب ترتعش فزعا… عندما دلفوا إلى دهليز قريب من باب البيت حيث نحن تقهقرت إلى زاوية الغرفة وحشرت جسدها النحيل هناك، بينما انحنيت أرقب الحدث عبر ثقب مفتاح الباب…” هز جدي رأسه بحيرة قبل أن يكمل.
 

 “…كانت ألبستهم ووجوههم غريبة…إنهم لا يشبهون أحدا ممن نعرف يا بني …اعتقدت طويلا بعد هذا الحادث أنهم قد ولدوا ببزاتهم وشكلهم ذاك… نزع أحدهم باب غرفة مؤونتنا ثم صاح مقهقها بتهور، فتجمع بقيتهم حوله، غاب أحدهم قليلا ثم عاد ومعه أسودين ورجل عبيدي بثياب رثة وخضوع ظاهر، دخلوا مخزن الصوف وأخرجوا أكياس صوف كانت هناك… كانت معظم ما نملك.
 

 “عليك أن تعلم يا بني أن تلال “لخليل هاته كانت دغلا بريا تعمره الذئاب والضواري البرية حتى مرتفع “الركيبة” شمالا، وقد أخبرنا “سي الخيالي آنداك أنه وصل الركيبة خلال سفر فوجد الدغل يمتد شمالا أبعد مما تبصر أعيننا…كان معظم ما يحرث فدادين ضيقة تحيط بالمنازل …وما تبقى تغطيه أشجار برية متشابكة معظمها يستحيل اختراقه، كانت قطعان الغنم والماعز والبقر كل ما نملك، كانت قطعان أهل النبع البارد تجمع صباحا فيخرج بها مجموعة شباب إلى الأذغال المجاورة حتى يزف المغيب فيعودون بها ليأخذ كل قطيعه، كانت كثيرة العدد حتى أن الضباع والذئاب تفترس القصي منها ولا ندري لكثرة عددها…كان موسم جز صوفها قد انصرف بقليل فكانت مخازن الصوف ملأى، كنا على وشك نقلها غربا إلى سوق الصوف بـ “جمعة مولاي عيسى” لبيعه.”

“تسارعت نبضات قلبي بينما عيناي ترقبان الحدث عن كثب، شعرت بقوة النبض تهز جسدي كله، كنت أسمع تتالي ضربات قلبي كما لو كانت وقع أقدام ثقيلة، أحسست بجفاف حلقي، وبعرق بارد ينساب على ظهري، بلل جبيني أيضا، ثم انساب نزولا على طرف أنفي، عندما تعبت حاولت الوقوف…شعرت بألم خفيف عند جدع ظهري من طول الانحناء، وتيبس طال أطرافي من شدة الخوف …دفعني عبد الجبار أو “سي الجبار” كما كان يفضل معظم الناس مناداته بتلقائية ثم انحنى ونظر عبر ثقب مفتاح الباب… وما إن شاهدهم يخرجون أكياس الصوف حتى فتح الباب بخفة وقفز في وسطهم صائحا” أن أتركوا صوفنا”…ففزعوا كل إلى جانب …قبل أن يتداركه أقربهم بضربة على رقبته بعقب بندقيته فأسقطه أرضا..” ارتبك جدي قليلا قبل أن يضيف” تجمدت حواسي لحظات قبل أن أستوعب ما يحدث …”زحف عمك “سي الجبار” يا بني على يديه وركبتيه بخفة حتى وصل حائط الإسطبل حيث كانت هناك هراوتين نصف مطمورتين بأخدود صغيرتحدثه قطرات المطر المتساقطة من على سطح الإسطبل أيام شتاء الشمال البارد، أخذ إحداها، وقف ثم استدار بخفة وضرب أقربهم إليه على خده الأيسر بشدة قبل أن يتداعى على الأرض وقد تهشم وجهه، ارتبك الآخران قليلا قبل أن يوجه أحدهم إليه بندقيته ويطلق البارود عليه… أطلقوا النار مرتين أو ثلاثا…وفي غمرة الدخان رأيناه يغادر باب المنزل الشمالي مهرولا، طارده الاثنان، وعند الباب لحقت بأحدهما وبيدي قطعت خشب متينة، كان على وشك فتحها عندما وقفت وراءه وعاجلته بضربة خائف قوية على قفاه الأيسر…اصطدم رأسه بالحائط المقابل ثم تهالك على الأرض…انتفض مرتين أو ثلاثا كديك مذبوح…تملكني الخوف من أن ينهض فهويت على رأسه بشدة…” قفز جدي بخفة غير متوقعة إلى حافة الفراش وأشار بيديه الاثنتين بشدة هبوطا كما لو كان النصراني عند قدمين، بدا كأن قوة مارد قد دبت في جسده الهرم…”
 

 تسارعت أنفاسه، وبرقت عيناه حماسا قبل أن يكمل. “…علا شخيره بينما انبجس الدم من فمه وأنفه ومؤخرة رأسه حيث وقعت الهراوة، سحبت جثته إلى الوراء قليلا ثم فتحت الباب ولحقت بأخي، تتبعت آثار الدم عبر طرقات البلدة حتى خلصت إلى سفح مرتفع “جنان لحميدي” …دوت طلقات البارود عند قمة المرتفع،…لن أنسى تلك اللحظة ما حيت يا بني، هز جدي رأسه حسرة قبل أن يضيف.
 

 “… كان سي الجبار يتقدمهم بخطى قليلة وحمو يهرول منحنيا متجها غربا نحو قمته المرتفع هناك” …قام جدي من مكانه وأشار إلى قمة المرتفع الظاهرة عبر النافذة…”كان قد أصيب بطلق بارود في كليته اليسرى…ورغم حدة النزيف هرول المسكين حتى بلغ أعلى القمة ثم نزل المنحدر غربا صوب السفح… كان فتى متينا قوي البنية يا بني. “
 

 اعتلى وجه جدي شحوب خفيف، نظر إلي ثم حدق بالأرض فالنافذة بارتباك…كانت عيناه المجللتين بدمع خفيف تفصحان عن ألم دفين… استدار صوب مكان جلوسه…أزاح الوسادة قليلا قبل أن يقتعد مكانه بتثاقل…ارتجت شفتاه تحسرا على أخيه…ثم أردف بنبرة كسيرة…
 

 “غاب عن ناظري هناك متبوعا بهم كعصبة كلاب مسعورة…عندما دوت طلقات البارود قبل أن أصل القمة علمت أنني لن أسمع عنه أبدا…اختلط ذلك الهاجس بلهاثي بينما كنت أقترب جريا من حيث اختلفوا … تجمعوا حول جثته، تأكدوا من موته ثم غادروا… عندما وصلت إليه كان كتفه الأيمن ورأسه ملقى على جانب الجدول حيث يمر ماء النبع الصافي نزولا إلى سهول الجنوب…تحسست عنقه ثم جلست وسط الجدول، احتضنت جثته وبكيت …بكيت بحرقة… الزمن وحده يشفي كل الجروح بابني…لقد اعتقدت آنداك أن شمس الغد لن تطلع عزاء لي “ابتسم جدي بمرارة قبل أن يضيف…”كانت حبات عرق بارد تنساب على عنقه، امتلأت البقع التي تحدثها حوافر القطعان العطشى حول الجدول بدمه، عندما فاضت انساب دمه على طرف ماء الجدول بتردد أولا ثم اختلط أخيرا بماء وطين الجدول مغادرا دون عودة كأي شيء نحبه في هذه الحياة…” كانت ملامح جدي تنطلق بألم خفي لازمه طول حياته…”كانت أياما عصبية يا بني” تنهد بعمق ثم استطرد بحكمه…” ذاك كان عمك يا بني…فتى صعب المراس…مات واقفا بينما عاش من بقي منا على ركبهم أو منبطحين …خيرآ فعل يا بني …خيرآ فعل…مات في سبيل حريته وما يملك… فالحرية ذهب… ووحدها البهائم تفضل القش على الذهب يا بني”

أكمل حديثه ثم تراخى إلى الخلف بتعب كأنما أثقل ألم الذكري جسده الهرم لفحت شمس المساء ملامحه التعبة بينما اختلطت أشعتها بنسيم المرتفعات البارد… تأملت قمم الظاهر منها… بدت جرداء …لم ولن تبدو أبدا كما حكى عنها جدي… قلت في نفسي بينما نظرت إليها ثم إلى وجه جدي” هكذا إذن تبدو الأشياء والبشر بعد المحن والآلام…تتغير ثم تصبح أكثر صلابة للآتي من الزمن”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق