جزائر كامو وفرنسا ساركوزي / صبحي حديدي

ليس واضحاً، حتى الساعة، ما إذا كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سوف ينجح، أم أنه قد فشل نهائياً، في إقناع أسرة الفيلسوف والروائي والمسرحي الفرنسي ألبير كامو (1913 ـ 1960) بالموافقة على نقل رفاته إلى البانثيون، ذلك الصرح العريق العتيق الذي ترقد فيه صفوة من كبار رجالات فرنسا، أمثال أونوريه ميرابو وفولتير وجان ـ جاك روسو وفكتور هيغو ولوي باستور وإميل زولا وجان جوريس وجان مولان وبيير وماري كوري… وكان آخر الوافدين إلى أروقته الروائيان أندريه مالرو وألكسندر دوماس الأب، بناء على اقتراح الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك.

والحال أنّ جان كامو، ابن الفيلسوف الراحل، وكذلك ابنته كاترين، لم يبديا حماساً لاقتراح ساركوزي لأنهما تنبّها، كما للمرء أن يرجّح، إلى الأسباب الخافية التي قد تكون وراء ذلك الإقتراح، وفي طليعتها احتمال زجّ اسم كامو في حرب تلميع الصورة التي يخوضها ساركوزي منذ أشهر، نتيجة هبوط شعبيته بمعدّلات حادّة في الشارع الشعبي العريض، وفي أوساط اليمين اسوة باليسار. ولعلّهما أدركا على الفور، ودون عناء، أنّ ساركوزي آخر المهتمين بتكريم فيلسوف العبث والتمرّد؛ وأنّ جائزة نوبل، التي نالها كامو سنة 1957، ليست شهادة حسن السلوك التي يمكن أن تشكّل باعثاً صادقاً يدفع ساركوزي إلى ذلك الإقتراح.

وأغلب الظنّ أنهما أدركا، أيضاً، الجانب الأسوأ في المسألة: استغلال حقيقة ولادة كامو في الجزائر، وتوظيف مواقفه المناهضة لاستقلال البلد عن فرنسا، خصوصاً وأنّ إدارة ساركوزي تشتغل الآن على تحريك سلسلة ملفّات تستهدف إشغال الفرنسيين عن هموم العيش والغلاء وضعف القدرة الشرائية والبطالة، وإلهاءهم في سجالات عقيمة حول ‘الهوية الوطنية’، والتدابير الأمنية، وارتداء البرقع. وعلى نقيض صورته العامّة، كما رسّختها في الأذهان كتاباته الفلسفية وأعماله المسرحية والروائية، يمكن لبعض آراء كامو أن تكون بالغة الفائدة في تأطير تلك الملفات تحديداً، سيما وأنّ فرنسا تستعدّ لانتخابات محلية قد تكون فاصلة في توطيد أو إضعاف مواقع اليمين الحاكم، وكذلك في ترسيم آفاق أوضح لحظوظ ساركوزي لولاية ثانية.

وكان إدوارد سعيد، في دراسة فذّة بعنوان ‘السردية، الجغرافيا، والتأويل’، تعود إلى سنة 1989، قد تعمّق في قراءة خلفيات شَرْعَنة الإستعمار الفرنسي للجزائر في عدد من أبرز أعمال كامو، بينها ‘الغريب’ و’الطاعون’ بالطبع، وعدد من القصص القصيرة، معتبراً أنّ ‘القراءة التصحيحية’ تستلزم النظر إلى تلك الكتابات بوصفها مساهمات في تاريخ الجهود الفرنسية للبقاء في الجزائر، وبالتالي رفض فكرة استقلال البلد رفضاً قاطعاً، تماماً كما فعل كامو في الواقع. وبهذا فإنّ من الصحيح اعتبار عمله منضوياً، تاريخياً، في المشروع الإستعماري الفرنسي، من جانب أوّل؛ ومناهضاً لمشروع استقلال الجزائر عن ‘فرنسا الأمّ’، من جانب ثانٍ.

هذا لا يعني الترخيص بإصدار أحكام مسبقة على القيمة الفنّية لتلك الأعمال، كما لا يلغي تثمين الجانب الآخر في كتابات كامو التي تمجّد المقاومة الفرنسية ضدّ الإحتلال النازي، فالوجهان عند سعيد معادلة جدلية توفّرت لدى العديد من الكتّاب في الآداب الغربية التي اقترنت بصعود الإمبراطورية والأحقاب الإستعمارية. فلتكنْ، يطالب سعيد، كتابات كامو عن الجزائر ‘عنصراً في الجغرافيا السياسية الفرنسية عن الجزائر، والتي تمّت صياغتها على نحو منهجي استغرق أكثر من جيل، وذلك لكي نحسّن قدرتنا على النظر إلى أعماله بوصفها مصدراً لسرد مكثف أخاذ عن ذلك التصارع السياسي والتأويلي، الذي استهدف تمثيل واستيطان وامتلاك الأرض ذاتها’.

وأمّا خارج النصّ الأدبي، فإنّ كامو كان واضحاً تماماً في رفض فكرة الجزائر المستقلة، كما في هذه الفقرة من ‘وقائع جزائرية’: ‘في ما يتعلق بالجزائر، فكرة الإستقلال الوطني ليست سوى صيغة تحرّكها العاطفة وحدها. لم تكن هناك أمّة جزائرية حتى الآن. واليهود والأتراك واليونانيون والإيطاليون والبربر سوف يحقّ لهم أيضاً أن يزعموا قيادة هذه الأمّة الإفتراضية. وفي الوضع الراهن، ليس العرب هم وحدهم الذين يشكّلون الجزائر. إنّ حجم ومقدار الإستيطان الفرنسي، بصفة خاصة، يكفيان لخلق مشكلة لا تُقارَن بسواها في التاريخ. وفرنسيو الجزائر أبناء بلد أصلاء بدورهم، وبالمعنى الأقوى للكلمة. فضلاً عن هذا، فإنّ جزائر عربية خالصة لا يمكن لها أن تنجز الإستقلال الاقتصادي، الذي من دونه يكون الإستقلال السياسي محض وهم’.

أليست جذّابة لشخص مثل ساركوزي، هذه الجوانب الخاصّة في تراث فيلسوف مثل كامو، في هذه الأطوار السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لكي لا نقول النفسية ـ الرهابية، من تاريخ هذه الـ ‘فرنسا’ بالذات، الساعية إلى تبجيل ماضيها الإستعماري، وتبييض صفحاته؟ وفي المسعى إياه، ألا يستوي الساسة، وأنصار الأحزاب اليمينية، و’الفلاسفة ـ الموضة’ أو ‘الفلاسفة ـ الكافيار’ من أمثال برنار ـ هنري ليفي وألان فنكلكروت وأندريه غلوكسمان ولوك فيري وباسكال بروكنر؟ الأرجح أنّ ‘الرمز الفائق’، الذي أعلن ساركوزي أنه الغاية من نقل رفات كامو إلى البانثيون، لن يتمثّل في شخص سيزيف المتمرّد، كما التقطه الفيلسوف الفرنسي في مقالة شهيرة تفصّل رؤيته للعدم؛ بل يختزله شخص مرسو، بطل رواية ‘الغريب’ الذي يقتل عربياً على شاطىء جزائري، لأسباب، بدورها… عدمية!

عن جريدة القدس العربي 30/11/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق