جغرافيا التكنوقراطيا

العزيز مُراد..

ضاع الرجاء وجفّت ينابيع الحلم والرغبة في البقاء..ظلام يقترب.. ظلام يركض.. أُغلقت أبواب الانتظار.. رحل الأصدقاء.. غاب المساء ولم تعد نساؤنا يجدن غير البكاء.. بكاء ذكرى الرجال الذين عبروا السرّاب..

العزيز مُراد..

أدرك أنّك تستلقي الآن على أريكة وتُلاعب الصغيرة صوريا وتتساءل عن مستقبل هذا البؤس الذي يسمّونه “البلاد”.. رحلت زمن المأساة وأحسنت الخيار..”الحر¤ة” الطريق إلى الجنّة.” روما ولا وجوهكم نتوما..”الحر¤ة لا غيرها من السبل فرارا من جحيم الوطن الذي يقتات من شقاء الأبناء..

العزيز مُراد..

التقيت السنة الماضية عسكريا سابقا، يدّعي الكتابة والأدب وإدارة أحد أهمّ المراكز الثقافية.. يداه مشوّهتان بدماء البسطاء.. عيناه تبرقان بزمن الجريمة وضحايا بن طلحة وسيدي موسى.. سألته عن أحواله فقال: “لم نعد نمتلك رقعة في هذا البلد (…) فقررنا الهجرة والاستقرار خلف ضفاف البحار”.. صحيح!.. الجلاّد نفسه.. مُنظّر المأساة نفسه.. هجر البؤس الذي يدعونه اعتباطيا جزائر العزّة والكرامة.. لست أدري عن أيّة عزّة يتحدثون؟.. عن أيّة كرامة في بلد يحكمه رجل يأمر بسجن سارق البيضة ويفرج عن مختلس الأربعين مليارا.. أهي ملهاة إنسانية أم حرب ضدّ الطواحين الهوائية؟.

العزيز مُراد..

ألا تزال تذكر الحكيم فريد؟.. عفوا! المعتوه فريد.. ألا تزال تذكر دروسه الإصلاحية ونظرات الآخرين المزدرية؟ .. فريد الذي قضى خمس سنوات في كلية الهندسة.. ليلتحق، تحت ضغط الواجبات العائلية، بالجيش ويخرج منه بعد خمسة عشر سنة من الخدمة معتوها ينطق حكمة.. ويضع حدّا لحياته على ضفة “فيريرو”..

العزيز مُراد..

ألا تزال تذكر الغالية نجوى..تلك الخجولة التي كانت تحبّ سماع الشابّ حسني وجمع صور جورج وسوف؟.. ألا تزال تذكر يوم جلسنا، ثلاثتنا، في المكتبة المركزية وتحدثنا عن جور الأب وبريستيج الحجاب زمن حسان حطاب؟.. يوم تحدّثنا عن المرأة وعن الخيبة التي ظلّت تسري في جسدها الصغيرة ولا تزيدها سوى انغلاق على نفسها، أحالها إلى الانتحار محملة بديبلوم حقوق وطموح الدفاع عن الفقراء..

العزيز مُراد..

آلا تزال تذكر مكتبة الحيّ؟.. هناك أين قضينا صباحات اللهفة بين روايات كاتب ياسين وايميل زولا؟.. هناك أين كنا نلتقي كلّ ظهيرة اثنين نناقش تلاميذ الثانوية أطروحات كانط وتناقضات مستر دان براون.. هناك أين كنّا ننظم كلّ ظهيرة خميس أمسيات شعرية وصدامات نثرية.. تلك المكتبة التي اتّسعت بصخبنا قبل أن تضيق بسخافات أصحاب الحزب العتيد الذين حوّلوها إلى مكتب الاجتماعات الدائمة..

العزيز مُراد..

ألا تزال تذكر متحف ايتيان دينيه بوسط المدينة؟.. هناك أين كنّا نجلس ساعات طوالا نتحدّث عن ميول الفنان الرومي وعلاقاته التنافرية مع المستشرق الآخر ادوارد فارشافليت.. هناك أين صادفنا، لأوّل مرّة، دولا كروا وفرومونتين وغوستاف غوبوميه وشلّة الفنانين الصعاليك.. ذلك المتحف الصغير والجميل المنتصب أمام الكنيسة الكاثوليكية سابقا والمهدّد اليوم بالزوال بأمر وزاريّ..

العزيز مُراد..

ألا تزال تذكر حيّ اليهود ومعبد أحفاد سيّدنا يعقوب؟.. شارع “المخفيات” و”كافيه دو لا جوا” التي انهارت بين عشية وضحاها..نفسه الحقد، الذي أسّس القطيعة ورفض الحوار مع الآخر، يصنع بريق اللاتصالح مع الديانات.. هل بلغك ما وقع مؤخّرا لصديقنا الغالي انريكو ماسياس؟.. انريكو ابن “سيرتا” العتيقة الذي صار يُُهان في وطنه، ويمنع من زيارة بيته وضريح أبيه الشيخ ريمون..

العزيز مُراد..

ألا تزال تذكر سهرات الصيف الطويلة في جامعة بومرداس؟.. ليالي الأنس على إيقاع ديجي نسيم.. الحان الشاب خالد وآهات الشيخة الريميتي..تلك الأمسيات التي راحت اليوم، وراح أصحابها، وصار مُنظّرها الشابّ جلول إماما بأحد مساجد معسكر.. أيعقل؟ الشاب جلول.. لؤلؤة الراي.. ينسحب لصالح دعاة “الخيبة” ويرتدي قميصا ويطلق لحية.. ويشنّ غارة على الشابّة خيرة وأخرى على الشاب هواري الدوفان.. والبقية تأتي..

العزيز مُراد..

ضاع الرجاء.. أرجوك سامحني.. تمتلكني اللحظة رغبة جامحة في الصراخ.. لا شيء غير الصراخ..

العزيز مُراد..

ألا تزال تذكر سمير؟.. ذلك الأسمر الذي طالما ƒسر قلوب جميلات الحي.. سمير الذي كان يجالسنا على كراسي الساحة المركزية ويحدّثنا عن أفلام الباتشينو وآخر كليبات فيفتي 50 وخرجات هيفاء وهبي.. سمير الذي كان يحلم بزيارة مقرّ فريق برشلونة، ومصافحة الأرجنتيني ميسيه، وأخذ صورة العمر مع المبدع بويول.. قبل أن يصاب قبل أسابيع بفيروس”الإخوانين”، ويصير عضوا نشطا في حركة الناطقين باسم الله..

العزيز مُراد..

بريان تحترق.. شبح رواندا يخيم على غرداية..500 طالبا جامعيا يصابون بتسمّم غذائيّ.. 140 قتيلا في حوادث المرور الشهر الفارط..اختلاس 41 مليار دينار من الوكالة التجارية للبريد والمواصلات.. اكتشاف طبيبين ضمن قافلة الحرا¤ة المتّجهة إلى السواحل الاسبانية.. نسبة البطالة تنخفض إلى 43.6% .. دبلوماسي أمريكي يغتصب جزائريتين.. جزائريتان تُقتلان في لندن ومدلسي يبعث رسالة تهنئة إلى نظيره الموزمبيقي.. طالب جزائري يقتل في أوكرانيا، ووزير العمل يعد بتشييد مزيد من المراحيض العمومية بغية دمج الشباب الحامل لشهادات الجامعية في سوق العمل..

العزيز مُراد..

ضاع الرجاء وجفّت ينابيع الحلم والرغبة في البقاء.. ظلام يقترب.. ظلام يركض.. أُغلقت أبواب الانتظار.. رحل الأصدقاء.. غاب المساء ولم تعد نساءنا يجدن غير البكاء.. بكاء ذكرى الرجال الذين عبروا السراب..

العزيز مُراد..

سيّدنا المناضل المجاهد الرمز الأخ سيّد الصلح ورجل الأقدار العزيز يقرع طبول الحرب.. عفوا! طبول الانتصار.. في بلد عانى ثلاث حروب أهلية ولا يزال.. في بلد يشمّ رائحة الطوفان ويظلّ جاثما بلا حراك.. في بلد يسير على بركة “المكتوب”.. في بلد نسيه الربّ قبل عشر سنوات..

سعيد خطيبي: (كاتب وصحفي جزائري)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق