جغرافية الفقه الإسلامي

بدأت عملية تأسيس الفقه بعد معركة صفين (37 ﻫ)، و يلاحظ أن المؤسسين كانوا إما رافضين للاشتراك مع أيّ من الفريقين [ مثل عبد الله بن عمرو بن العاص (ت 73 ﻫ) أو عبد الله بن عمر بن الخطاب (17 ق. ﻫ – 73 هـ)]، أو معتزلين للسياسة بعد معركة “الجمل” (36 ﻫ) [مثل عائشة (11 ق.هـ – 58 ﻫ)] أو بعد (صفين) [عبد الله بن العباس (3 ق . ﻫ – 68 ﻫ) أو جابر بن عبد الله الأنصاري (18 ق . ﻫ – 67 ﻫ)]. و هذا ما يوحي بأن الفقه كان نوعا من التعويض الفكري عن التشتت السياسي: فما فقده الإسلام في مملكة السياسة، و هو الوحدة، أراد الفقه تقديمه في مجال الفكر.

حيث يلاحظ، هنا، إثارة الخوارج بعد صفّين لمسألة “ما هو الإيمان ؟”، لتحديد من هو المخطئ والمصيب في قضية الصراع، وهي قضية معتقدية لم تكن مُثارة من قبل: صحيح أن الفقه لم يتورط فيها بشكل مباشر، رغم اشتراك عائشة و ابن عباس في مجادلة الخوارج، إلا أن هذه المسألة قد ألقت بكلكلها على انشغالات أولئك المفكرين، و دفعتهم إما إلى الإمساك أمام النص [ = القرآن ] و أخذه بدون تأويل، أو إلى إعمال الرأي فيه.

حيث إن غوص الخوارج في تأويل النصوص القرآنية، قد أرعب أشخاصاً، حتى مثل ( إبن عباس ) الذي كان من أنصار الرأي المتحمسين، حيث قال عنهم: “يؤمنون بِمُحْكَمِهِ [ للقرآن ] و يهلكون عند متشابهه”، [ أبو إسحاق الشاطبي (ت 790 ﻫ / 1388 م): “الاعتصام”، الجزء الثاني، دار المعرفة، بيروت 1986, ص 179].

مع العلم أن إجابات محددة على تلك المسألة، هي التي أفرزت تيارات فلسفية كالمرجئة أو المعتزلة، وحتى مسألة “عصمة الأئمة” لدى الشيعة، كانت، من بعض وجوهها، خروجاً من ذلك المأزق المعرفي الذي وضع الخوارج فيه المسلمين جميعاً.

إلا أن الملفت للنظر، هو تفضيل الحجازيين للنص على الرأي، و هو ما حصل لزعماء مدرسة المدينة [ عائشة و ابن عمر ] ومكة [ابن عمرو بن العاص]، فيما فضل العراقيون، أي مدرسة البصرة [عبد الله بن العباس وجابر]، تغليب الرأي وتجاهل الحديث النبوي، بدعوى عدم الثقة بالحفّاظ، الشيء الذي يلمس عند زعيم العراقيين عبد الرحمن بن أبي ليلى (18 – 82 ﻫ) الذي تتلمذ على يد علي ابن أبي طالب بالكوفة، وهو الذي شارك مع زعماء مدرسة البصرة للفقه الآخرينأي سعيد بن جبير وعامر الشعبيفي ثورة (ابن الأشعث) فيالعراق ضد الأمويين بين عامي81-83 للهجرة .

إن المسألة أبعد من عدم تصديق الحفّاظ، الذي كان معظمهم حجازيين، لتصل إلى التناقض (الجغرافي – السياسي) الذي حصل بين منطقة الحجاز، التي فقدت مكانتها السياسية بعد انتقال العاصمة إلى الكوفة زمن علي و من بعدها إلى دمشق في عهد معاوية، و بين الهلال الخصيب، رغم أن من تزعم هذا الهلال، فكرياً و سياسياً، هم حجازيون بالأصل.

فالتركيز على سلطة النص هو محاولة للتأكيد على أهمية المكان الذي حصل فيه هذا النص، ومن أجل وضعه في مركز التفكير الديني، بما يعنيه ذلك من أخذه “خاماً” بواسطة ناقليه الحجازيين، سواء أكان حديثاً نبوياً أو أحكاماً لقراءة وفهم القرآن، مما سيؤدي إلى فرض المركزية الدينية للحجاز على الدولة الإسلامية.

وهذا، ما يفسر المقاومة الشديدة من مدرسة المدينة لأي محاولة للانفلات من قيود النص، والإبحار في مجالات الرأي عبر الاستنباط القياسي، كما يفسر، هذا، إصرار الإمام مالك (93 – 179 ﻫ) على اعتبار “إجماع أهل المدينة” كأحد مصادر التشريع.

رفضت مدرستا البصرة والكوفة هذه المحاولات الحجازية، فيما نجد أن إمام أهل الشام، أي الأوزاعي (86 – 155 ﻫ) ، قد وضع نفسه في موقع الوسط بين الحجازيين والعراقيين ، ربما ، كان هذا نابعاً من خشية الأمويين من أن يستغل الفرس سلاح الرأي للانفلات من سلطة الإسلام ، فكرياً وسياسياً .

يلاحظ أن الشافعي (150 – 204 ﻫ)، في مرحلته الحجازية التي تتلمذ فيها على يد مالك، كان يميل إلى تغليب النص، فيما مال إلى العكس أثناء إقامته في العراق حيث تأثر بالإمام الحنفي محمد بن الحسن الشيباني (131 – 189 ﻫ / 748 – 804 م) ، ولكنه بعد ذهابه إلى مصر عام (199 ﻫ / 814 م) ، قدم مذهبه النهائي الذي يقوم على الحل التوفيقي بين المدرستين .

إن هذه المحاولات الحجازية لا يمكن فصلها عن الانتفاضات التي قام بها عبد الله بن الزبير (1 – 73 ﻫ) ضد سلطة عبد الملك بن مروان (65 – 86 ﻫ) ، أو التي قادها محمد بن النفس الزكية (93 – 145 ﻫ)، في عام 145 ﻫ، ضد أبي جعفر المنصور (136 – 158 ﻫ) . و هنا, يجب أن نتذكر أن عروة ابن الزبير بن العوام (27 – 93 ﻫ)، أحد زعماء مدرسة المدينة الكبار، لم يبايع عبد الملك إلا بعد اثني عشر عاما من مقتل أخيه، فيما اشترك الإمام مالك في ثورة ذي النفس الزكية، وبعد أن عفا عنه المنصور، حاول إقناعه بتبني المالكية كمذهب رسمي للدولة العباسية.

إن فشل مالك في ذلك، هو الذي يفسر تبني مذهبه من قبل خصوم العباسيين، أي الأمويين في الأندلس [ أسسوا دولتهم، هناك، في عام ( 756 م / 138 ﻫ ) ] و ربما ساهم في تبني ذلك المذهب الحجازي، أيضاً، إحساس القبائل العربية التي قطنت الأندلس، بالحنين إلى موطنها الأصلي، وهي محصورة بين الأوروبيين النصرانيين، شمالا، و بين البربر في الجنوب. حيث يلاحظ تشديد المفكرين الأندلسيين على العروبة، أكثر من كل كتاب الأقطار الأخرى.]، الشيء الذي حصل، في وقت متقارب، بالمغرب أيضاً، حيث استطاع أحد أحفاد الحسن بن علي بن أبي طالب، و هو إدريس بن عبد الله أن يقيم دولة الأدارسة، في عام 172 ﻫ وهو شقيق محمد ذي النفس الزكية، بالمناسبة.

و هذا، ما ينطبق، أيضا، على الزيدية وانتشارها في اليمن، حيث شارك الشافعي في ثورة حفيد زيد (79 – 122 ﻫ) يحيى بن علي، عام 180 ﻫ، باليمن ، والتي أخمدها الرشيد العباسي (170 – 193 ﻫ)، إلا أنه لم يستطع منع توطن هذا المذهب الوسطي ، بين السنة و الشيعة ، في هذا البلد .

إن التناقضات الجغرافية – السياسية، والتي بعضها يعود للسياسة وإلى أسباب اقتصادية، والبعض الآخر إلى عوامل قومية (=الفرس والعرب،حيث رغم توطن الحنبلية القوي في بلاد فارس وخاصة في أصفهان، ثم الشافعية حتى زمن الصفويين-1502م-، إلا أن مسيرة التشيع منذ تلميذ الإمام جعفر الصادق، أي هشام بن الحكم، كانت توحي بأن تربته الخصبة هي في بلاد فارس) هي التي ساعدت على هذا التشظي الفكري. وقد ساهم في زيادته ما ظهر من بوادر انهيار السلطة المركزية، التي لاحت معالمها مع نشوء الدولة العباسية (132 ﻫ / 750 م)، ومنذ تلك اللحظة الفاصلة بين القوة و الضعف، مما جعل قيام الدولة العباسية وكأنه لحظة المؤشر على انهيار الدولة العربية.

هنا, استخلص جعفر الصادق (80 – 148 ﻫ) من كربلاء، أن ما خسره الحسينيون في السياسة، يمكن تعويضه في الإيديولوجيا، كمدخل للعودة إلى الكسب السياسي .

لذلك كان تثبيت أصل إلهي “ما” لآل البيت، ليس فقط خروجا من ذلك المأزق (الخارجي)، وإنما أساساً للمشروع الجديد.

وهذا يعني أن طاعة “الأئمة” والإيمان بعصمتهم، جزء من الإيمان، و بالتالي، فإن مسألة الحكم السياسي ليست من اختصاص البشر، و إنما أتت عبر الوحي. و هذا ما أتاح لهم تكفير مخالفيهم، ماضياً ومستقبلاً. فقد أتاح، هذا، لآل البيت أن يشكلوا مستندا ًعقائدياً، يتيح لهم محاولة امتلاك مشروعية الماضي، وتكفير مخالفيهم المنتصرين فيه بالتالي، إضافة إلى كونه قاعدة لامتلاك المستقبل السياسي، خاصة لدى الفرس المقهورين عسكرياً وسياسياً، و الذين، من خلال تراثهم الزرادشتي والمانوي غير المميز بين المادة والفكرة (= النور والخير، أو الظلمة والشر) حيث يعتبرهما في حالة تماهٍ، قد وجدوا أنفسهم في حالة انسجام عميق مع فكرة التداخل بين المحيطين الإلهي والبشري، المُجسد في “صفوة بشرية محددة” هي “الأئمة” الذين يمثلون الخير ومخالفيهم (الشر): لهذا، كان اللجوء إلى العامل “الإلهي” تعويضاً عن فشل البشري، وفي الوقت نفسه تثبيتاً مستقبلياً للطموح السياسي، أو تأسيسا له.

بعد إعلان غيبة الإمام محمد المهدي (256 – 260 ﻫ)، في عام 940 م/329 ﻫ، نجد ابن بابويه القمّي (ت 356 ﻫ) الذي أعلن تلك الغيبة، يضع الإطار الأصولي والفقهي للمذهب الشيعي الإمامي، الشيء الذي أكمله الشيخ المفيد (338 – 410 ﻫ)، و الشيخ الطوسي (ت460) والطبرسي (ت548).
والملفت للنظر، ترافق تلك الغيبة (260 ﻫ / 873 م) مع بدء الظهور العلني للحركة الإسماعيلية، بزعامة عبد الله بن ميمون القدّاح (ت 270 ﻫ)، بعد طول استتار بدأ منذ ملاحقة الرشيد لمحمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق (ت 198 ﻫ / 814 م ) بالهند، في عام 175 ﻫ، حيث استغل الإسماعيليون انشغال الدولة العباسية بثورة الزنج (255 – 270 ﻫ). و ربما، ساهمت الفوضى التي أصابت (الشيعة الإمامية) بعد وفاة علي الهادي (254 ﻫ)، حيث دخل ابناه الحسن العسكري (ت 260 ﻫ) ومحمد (ت 261 ﻫ) في صراع تمحور حول من يجب أن يكون الإمام الحادي عشر، الشيء الذي انتصر فيه العسكري والد الإمام المهدي المنتظر – في تشجيع الإسماعيلية على بدء التحرك الذي تكلل، فيما بعد، بإنشاء الدولة الفاطمية في تونس (297 ﻫ)، التي سيطرت على مصر في عام (358 ﻫ / 968 م)، والقرمطية في الإحساء والبحرين ( 289 ﻫ )، والدولة الإسماعيلية في اليمن (280 – 429 ﻫ)

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق