جماليات الثورة

صفعته امرأة.. فأحرق نفسه.. ثأرا لكرامته و لرجولة داست عليها مكنة الدولة الأمنية الدكتاتورية.. و تحول الثأر الى ثورة عارمة هزّت كل البلاد..تلك هي قصّة البوعزيزي الذي لا زال يحترق في الصور الافتراضية التي أبّدت على نحو كلبي و عبثي احتراقه..ماذا يعني أن تصفع امرأة رجلا في بلاد عربية اسلامية؟ بماذا أحسّ البوعزيزي تحديدا حين صفعته شرطية بن علي؟ هل كان مسلما بما يكفي حتى يدعوها الى الله و يكتفي بأن يغفر لها شرّا أتته ناقصة عقل و دين؟ هل كان حداثويا بما يكفي حتى يكون لطيفا مع المرأة مهما كان من أمرها؟ هل كان مستهترا بما يكفي حتى يردّ بالشتم و تجريح المرأة في شرفها مثلما يحدث يوميا في شوارع المدن؟ هل كان متسيسا بالمعنى التقليدي للكلمة حتى يكتفي بالتنديد بها و رفع شكوى قانونية ضدّها؟ 
لا شيء من كل هذه الفرضيات يكفي لفهم ما حدث يوم 17 ديسمبر 2010 حينما أضرم محمد بوعزيزي النار في جسمه .و لا شيء ربما يكفي من أجل فهم مدى ثقل صفعة شرطية لرجل شاب في عنفوان العمُر من قلب الريف التونسي.. لكن بالرغم من انكار الشرطية أنها صفعت البوعزيزي فاننا سنأخذ هذه الصفعة النسائية المريبة مأخذ الجدّ و سوف نحاول هنا انصاف البوعزيزي بالكتابة عليه و اعادة الاحتراق معه بحدّ الحرف . لن تنصف البوعزيزي من صفعة امرأة غير أيادي امرأة تريد أن تُصاحب الحريق بنصّ من لهب.. 
وراء هذا النص الذي لا يعرف الى أين المسير، و لا طريق له غير ما يرسمه لهيب الحروف المتناثرة على ضفاف الورق، ثمة رغبة جامحة في انصاف فتى يافعا من فتيان الريف من غطرسة النظام البائد الذي دفعه الى الاحتراق حيّا ثمّ اكتفى بمسامحة الشرطية في حين لم يُحاسب بعدُ النظام المسؤول عن صفعة الشرطية وعن احتراق البوعزيزي معا.. ربما من طيبة الريف أن نتسامح.. نحن نريد أيضا أن نُسامح الكثير من الأطراف معا بالكتابة على احراق البوعزيزي نفسه . و ليسامحنا القارئ لأن وراء هذا النص حكاية شخصية أريد أن أحكيها قبل أن أنخرط في الحكاية الكبرى.. و في الحقيقة من كان سيكتب هذا النص في البداية شخص آخر و هو نفسه من تخلّى بكرم عن ذاك الأمر و دفعني الى أن أكون أنا من يكتبه بيديّا كلتيهما . قال لي فتحي المسكيني :..”لن تُنصف البوعزيزي من صفعة امرأة الا امرأة أخرى “..لكن هذا النص من فرط ما كان قريبا من قلبينا فاننا نكاد نمضيه معا..لأن قلما واحدا لا يكفي من أجل الكتابة على جسم من نار لا يزال يحترق في قلوب كل الذين يعزّ عليهم هذا الوطن الكريم.
سوف نكتب عن احتراق البوعزيزي.. و لا شيء يسعفنا هذه المرة.. كل مصادرنا الأكاديمية و كل عناوين المكتبة الجاهزة ينبغي أن نضعها جانبا و أن نهبها عطلة ميتافيزيقية.. و في الوقت الذي تنهزم فيه النصوص الكبرى و الذاكرة الرسمية لحضارة الكتاب يطلّ علينا وجه البوعزيزي في صورته الشخصية مبتسما.. هل كان فعلا يبتسم و لمن؟ أو كان فقط يعدّ صورة شخصية من أجل الانتماء كفاية الى جهاز الدولة الأمنية للنظام الدكتاتوري. و لمن كان يتصوّر؟ ربما من أجل طلب شغل أو رخصة شرعية لعمله أو من أجل الانخراط في الجيش الوطني؟ و يبدو أنهم رفضوا له كلّ أمانيه معا .و تظلّ الصورة معلّقة بلا شغل، و تظل الصورة مثبتة على الجدران.. بل و تصير هذه الصورة الى رمز تاريخي و تلسكوب ضخم لعصر برمته..نعم هو ذا نفس النظام الذي ابتسمت له صورة البوعزيزي و الذي سيسقط باحتراقه، نظام ديكتاتوري يرتدّ فيه أهله الى صور و بصمات و أرقام متماثلة..
وفي الحقيقة بخروجنا من المكتبة نجد أنفسنا عزّلا بلا أسلحة نظرية ازاء ثلاث صور و الكثير من الأحداث و الضجيج و السمسرة و سياسات ماكرة و سوء فهم لما حدث للبوعزيزي يوم 17 ديسمبر 2010. قلت أننا نكتب أمام ثلاثة صور شاع نشرها على الفضاءات الافتراضية و حملها الشباب الثائر في أكثر من ساحة من ساحات الثورات العربية المعاصرة من تونس الى اليمن.. الصورة الأولى هي التي يظهر فيها البوعزيزي بوجهه البشري الضاحك البريء الساذج سذاجة الريف الكريم.. وهي صورة صارت لشباب الفيس بوك في بداية الثورة بروفيلا مفضّلا لكنها سرعان ما اختفت بشكل مريب و غامض.. أمّا الصورة الثانية فهي تلك التي تصوّر جسم البوعزيزي يحترق و قد استولت عليه النيران بالكامل.. و هناك صورة ثالثة تهمنا جدا حينما زار الدكتاتور البوعزيزي في المستشفى وهو يعاني من حروقه وحيدا.
 نكتب عن احتراق البوعزيزي دون أن نملك أيّ نوع من المصادر أو المراجع التي نكتب على ظهرها أو على وجهها.. لأول مرة نكتب دون أن نملك أيّ ضامن لما سنكتب و لا أيّ مقياس لحقيقة ما تدعيه هذه الكتابة و لا أيّة شرعية للكتابة على رمز مازال يحترق في فضاء الصورة الافتراضية التي أبّدت حريقه و حروقه في قلب وطن لم يشفى بعدُ من حرائق البوعزيزي . و لا يضرّ أيّة جهة لو قلنا أننا ازاء أثر فنّي و رسم فريد من نوعه لوحة فنية لا شيء يضاهيها أو يزاحمها في جماليتها الخاصة.. نحن ازاء طوبيقا غير مسبوقة لجماليات الثورة..
لكن حذار من هذا المفهوم الذي يضمر ما لا يظهر.. لا شيء جميل في احتراق البشر.. ولا شيء جمالي في احتراق جسم البوعزيزي.. ليس احتراق الأجسام حلما لأحد.. و لا شيء جميل في جماليات الثورة التي ننوي نحت ملامحها.. ههنا معنى جديد للجماليات يختلف عن المعنى التتقليدي لها. مع دول القمع و سحق الطبقات الفقيرة أفل الجمال عن سماء العرب …و لم يعد الجميل الكلاسيكي القائم على التناغم و المصالحة و فنّ تجميل الواجهة و الذوق السعيد و المتفرج المطمئن الى الركح شعارا لأحد.. منذ قرن من الزمن دخلت الجماليات عصر الفنّ القبيح بكل أسمائه..سمّيناه زهور الشرّ مثلما استبق على ذلك ديوان بودلير أو جماليات القبيح كما نجد لدى ثيودور أدرنو(أحد كبار مفكري مدرسة فرنكفورت)أو آداب الرائع و المريع مثلما نجد ذلك لدى ليوتار و نانسي و لاكو لابارت و نيغري … أو جماليات الأجسام المحترقة التي توالت على ركح التاريخ العربي منذ احتراق البوعزيزي..
يلزمنا التفكير بجماليات الثورات العربية بشكل مغاير.. ماذا يعني للمتفرج الحالي أن يحترق جسم برمته على الركح المباشر للمدينة دون أيّ تكلف و لا مجاملة و لا كاميرات تصوير تحضر للغرض؟ مسرح للقساوة أم تراجيديا غير يونانية أم ملحمة و قرابين أو ….عرس وثني . ان هي الاّ طرق أخرى في التدرب على ما يسميه المسكيني ذات درس من دروسه الجامعية “فنّ التألّه”..حذار من أن تستعجلوا الزجّ بهذا الفنّ في سلّة التهم الدينية..ههنا تحضر طينة جديدة من الشهداء الذين اتخذوا من الاحتراق تقنية أخرى من تقنيات الاحتجاج على الدكتاتورية التي لم “تعد فيها الحياة تحيا “..و لنقل أن البوعزيزي و من احترق في ركبه من الأجسام اللاحقة هي أجسام ما بعد دينية قفزت بهوية الذات السياسية نفسها الى مجال الحيوي فيما أبعد من دائرة الهووي المثقل بالوصايا الجاهزة..
أجسام طافرة منهمرة حرّة الى حدّ الاحتراق.. لم يبق للبشر في ظل الدول المستبدة غير أجسامهم الهزيلة التي تحملهم الى فقرهم و الى جوعهم اليومي و الى قهرهم و قمعهم و عطالتهم عن العمل.. و هي نفس الأجسام التي تحملهم يوميا الى حتفهم.. موت بطيء كان يسلّط على هذه الأجسام.. ليسوا أجسادا كما يقول المسكيني في تمييز طريف بين الجسد و الجسم.. فالجسد في حضارتنا ينعم بكل الرعاية و التشريعات و الحقوق و الآداب من آداب الأكل الى آداب النكاح..لكن الجسم لا حُرمة له.. فهو يُجوّع و يُهمّش و يقع اسكات صوته.. و يقع تدجينه في كل فضاءات المدينة من المدرسة الى المسجد و الثكنة و الجامعة.. نحن أجساد بما يكفي لكننا بالكاد لنا أجسام.. الجسم هو الحياة بكل مباهجها.. و حيث نُحرم من الحياة بالمعنى الكبير نُحرم من أجسامنا التي لن يبقى منها غير أجهزة عضوية استهلاكية رغائبية.. حين تُحرم الأعضاء من بأسها و حيويتها و جرأتها نصير أجساما واهنة كئيبة تخترقها مكنة الاستبداد.. لذلك اندفع البوعزيزي نحو احراق هذا الجسم الذي لم يعد يستحق الحياة .”.تجرّأ على استعمال جسمك حين يفشل عقلك في معركة الحياة الحرة “: تلك احدى الدروس التي علّمها احتراق البوعزيزي بجسمه حيث لم يبق لعقله أيّ شكل آخر من الحياة.
مريع احتراق البوعزيزي..و المريع في لغتنا اسم من أسماء الموت بما هو الهول العظيم..جماليات الثورة التونسية هي تحديدا جماليات المريع..و في المريع يختلط الجمالي بالسياسي بالأخلاقي و الديني في خلطة عجيبة.. بحيث لا يمكن الفصل في هذه الواقعة بين المعنى الجمالي و الدلالة السياسية و الحيف الديني و سوء الفهم الأخلاقي.. 
كيف نبدأ في الحكاية؟ كيف ندخل في الحريق؟ هل ستقينا حروفنا الكسولة شرّ اللهب؟  
يقول نفر منهم أنّه تحرّش بالشرطية و أنه مستهتر بالأخلاق و لا يستحق أن نخلّده كرمز للثورة.. ويذهب نفر متثقف أكثر من اللازم أن البوعزيزي أحرق نفسه لأنه يعاني من مرض نفسي و لأنه مصاب باليأس و بالاكتئاب.. و يقول آخرون أنه باقدامه على حرق نفسه قد أتى فعلا حراما وهو لا محالة سيعاقبه الله في جهنم..ألا يكفيه أنه احترق بدل كلّ هؤلاء الأغبياء و من أجلهم؟ ألا يكفيه نار القمع في الدنيا حتى يعفيه الأصوليون نار جهنم؟ غريب أمر هذه الأمة؟ ؟؟؟؟؟؟ مهزلة الاشاعات و التقوّلات المغرضة هذه سيضحك منها التاريخ ملء شدقيه..حذار من أن تتورط العقول الكسولة بين التاريخ و بين احتراق الأجسام مابعد الدينية من أجل الكرامة و الحرية . و بحسب تأويل نعثر عليه في كتاب الفيلسوف و الامبراطورية للمسكيني “انه شهيد في معنى ما بعد لاهوتي و ما بعد قومي ” يستعمل موته الخاص بوصفه آداة مقاومة لدولة القمع و الاحتقان، حيث يظهر حرق النفس بوصفه”قيامة خاصة…”.
و ربما نحن ازاء “شكل جديد من الشهيد ما بعد القيامة حيث أصبحت القيامة فنّ وجود خاص يحمله شخص ما في جسده و يخرجه متى شاء…فالاستشهاد ليس مجرّد تضحية البشر بنفسه بالمعنى اللاهوتي…بل الاستشهاد هو لحظة قيامة خاصة..هي طريقة ما بعد حديثة في المقاومة”(الفيلسوف و الامبراطورية ص184.. )
.شكل جديد من البشر هؤلاء الذين تجرّؤوا على حرق أجسامهم بعد أن فشلت عقولهم في التجرأ على التفكير بنفسها..ذلك أن مجرّد التفكير الحرّ لا يكفي لاسقاط الدكتاتورية.. لا تكفي عقول النخب التي تربّت على قيم التنوير الحديث للثورة على الاستبداد.. فالقهر و القمع أكبر من مبادئ التنوير السعيد بعقوله المتخمة بالحرية.. حرية لم يصل منها أي نفس للمعطلين و الجائعين و الكادحين. و في عبارات رشيقة لفتحي المسكيني “.خطاب النخب في النزل و الفنادق المُترفة لا يصل الى الجياع “.
ثمّة اذن ما يدعو الى انصاف هذا الجسم المحترق انصافا لتاريخ سرقوه و التفوا عليه التفاف الثعبان على الفريسة..تاريخ أرغموه على الكذب.. و علينا أن نجمّد هذا الكذب و أن نقاوم بقايا الدكتاتورية و قوى الردة لا في الشارع الكبير فقط بل وفي العقول و الأحكام و القراءات الظالمة..ودعنا نقول أنه ثمّة ثلاث عيون تنظر الى الحدث:
 الأولى تنظر فلا تبصر بأي شيء خارج ما يوجد فيها سلفا من أحكام جاهزة و أجهزة حاكمة.. هذه العين تنظر فلا ترى غير أوهامها.. وهي عين الذين يحملون معهم دوما كتابهم و مراجعهم و ذاكرتهم و أخلاقهم القديمة.. هؤلاء قالوا قولين : حرام حرق النفس.. أو أن البوعزيزي كان مستهترا و غير متخلق..القول الأول يسعد به رجال الدين أمّا الثاني فيختبئ وراءه رموز النظام الدكتاتوري البائد.. كلاهما من قوى الردّة.. خسأ كلّ من شكّك في ثورة الجياع التي انطلقت باحتراق البوعزيزي.. و لا تزال تبحث لنفسها عن مسار صحيح يصمد في وجه سرّاق الثورات..
أماّ العين الثانية فهي عين من ينظر فلا يبصر بأي شيء خارج مصالحه اليومية الضيقة و بؤسه المؤبّد و فواتيره المحسوبة و أيامه المعدودة..هؤلاء لا لوم عليهم لأنهم يقبعون في الدرجة الصفر من السياسة.. و أنا سمعت هؤلاء يشتمون البوعزيزي.. بحجة أنه هو الذي جعل هذه الثورة تشوش علينا حياتنا اليومية.. و مهما يكن من أمر هذه الشريحة الكسولة فان تشكيكها في رمزية احتراق البوعزيزي لا يخدم غير مصالح قوى الردّة التي عادت من كهوف الدكتاتور لتستأنف ترميم النظام البائد بطرق ملتفة و ماكرة.فمن لهم ببوعزيزي جديد حينما ينتعش القمع ثانية و يعيد التاريخ نفسه في شكل مهزلة.؟ .لن تشفع لهم مصالحهم الضيقة و لا حياتهم اليومية المغلقة على أشخاصهم الصغيرة.
أمّا العين الثالثة : فهي التي نحن بصدد التوجه نحوها تلك التي تبحث عن معان مغايرة و دلالات مغمورة متردمة وراء الحجب..آن الأوان أن ننفض الغبار عن الصور و عن قلوبنا وعن عقولنا و عن حروفنا.. تمهلوا قليلا لا تستعجلوا التنابز بالتهم ههنا هاوية و حفرة عميقة تصلح للحكي و للنسج و للكتابة بحروف من لهب.. نحن نحتاج اذن لعين ثالثة “عين ساحرة”(بعبارة لجيل دولوز) حتى نرى فيما أبعد من العيون الزائفة و المصطنعة و المدفوعة الأجر و التي تصادر آلامنا و تسمسر بالتاريخ في بلادنا..
نكتب هنا عن احتراق البوعزيزي في الاطار العام لمطلب ثوري يجوب شوارع مدننا و أريافنا و يُحكى بصوت عال في مقاهينا و ساحاتنا هو مطلب تصحيح مسار الثورات العربية ضد ما يهددها من عودة الطغيان و الطاغوت ثانية.. استعادة للثورة من أجل اعادتها الى أصحاب الحق الأولين.. جياع الأرياف و مهمشوها و المعطلون عن العمل والذين تتأجل حياتهم و يُحكم عليهم بالرسوب المستمر في الوجود.. و بالعطالة الأنطولوجية و بليس دون أيس لا أحد يعرف متى ينتهي..  
في كتاب الهوية و الحرية الصادر بدار جداول بتاريخ فيفري 2011 يقول الدكتور فتحي المسكيني “..ان الشاب الذي يحرق نفسه ذات يوم في هذا البلد أو ذلك (مثلما فعل البوعزيزي في تونس ) هو يشعل النار في ذلك الجسم الذي علّمته الدولة الحديثة أنّه لا يستحق الحياة .”نعم، لقد أحرق البوعزيزي الجسم الذي ربّته الدكتاتورية على قيم الخضوع لسياسات القمع و لأجهزة البوليس المتعددة الأسماء و الأزياء و الأوسمة من الخبير الى السفير الى البوليس السري الى البوليس السياسي الى المتنصتين على الهواتف و الأقلام و العقول الحرة..بوليس لم يترك أية مساحة شخصية لسكاّن اختزلتهم الدولة الدكتاتورية فيما يسميه المسكيني “..جمهور مهمل خارج عن دائرة الاستعمال و كثرة جمالية يائسة و الى معمل للاستهلاك الرغائبي بلا أيّ مشروع أخلاقي أو وجودي “.
ان البوعزيزي و كل الذين أحرقوا أجسامهم تيمّما به، انتمى بشكل جيد الى هذا الجمهور الخارج عن الاستعمال و الذي أهملته دولة الدكتاتور بن علي و أُصيبت ازاءه بنوع من الصمم المقصود. حفرت الدكتاتورية بذلك قبرها بأياديها و بأيادي كل الذين ساروا في ركبها مُطمئنين الى صمت التاريخ لكن التاريخ لا يرحم..
ثلاث صور و رسالة تركها البوعزيزي لأمه قبل أن يقدم على احراق نفسه.. هي حصيلة الوضعيات التأويلية التي بحوزتنا.. الصورة الأولى هي صورة الشخص.. و الثانية هي صورة المحترق و الثالثة هي صورة الملفوف في حروقه وجها لوجه..و حرق بحرق أمام الدكتاتور بن علي..أما عن الرسالة فهي صورة البوعزيزي المسافر الى حيث لا يعود..
أسئلة تولد ههنا أمام عينينا و تقفز بسرعة اللهيب على سطح هذا النص..دعنا نصوغها بالشكل المؤقت التالي : من هو البوعزيزي الذي نقف في حضرته الآن؟ هل هو ذات أم مواطن أم هو من عباد الله الصالحين أم هو شهيد أم هو انتحاري أم هو ظاهرة نفسية مُعقّدة؟ هل هو شخص أم رمز؟ هل هو بشر أم متألّه أم مجنون؟ و تتكاثر الأسئلة و تنفجر و تتشظى كألسنة من لهب.. لا أحد بوسعه الادعاء أن هذا الملفّ زائف و أن هذه الأسئلة مجانية و خطابية و رومنسية.. و لا أحد بوسعه الادعاء بأنه قادر على السير بأمان في لهيب هذه الثنايا.. لأن الأسئلة هنا تأتي من جهات مغايرة للأجوبة المطمئنة و للأقلام السعيدة و للتحذلق الأكاديمي و للرطانة المعرفية و للبهرج اللغوي..
دعنا نقف قليلا أمام الصورة الأولى : صورة الشخص الذي تعلو محياه ابتسامة في منتصف الطريق..ابتسامة ناقصة.. ما الذي ينقص الشخص هنا حتى يبتسم بشكل كامل؟ ماذا تخفي نظرته التي تحمل وراء مسحة من السذاجة الريفية الجميلة قصّة أخرى؟
لم يكن البوعزيزي في هذه الصورة الشخصية يفكّر البتة بالاحتراق.. و لم يكن يعلم أنه ليس مجرّد شخص بل هو قدر خفي محفوفا بالمخاطر لشعوب برمتها.. و يواصل البوعزيزي ابتسامته المحبطة المحقونة بخيبة الأمل و الفقر اليومي و السير الطويل دافعا بعربته نحو المجهول..لقد ظلّ يدفع عربة الخضار يوميا في شوارع مدينته الريفية المليئة بخيرات الطبيعة من جهة و بجوع أبنائها من جهة أخرى..أرياف و مدن صغيرة لا تملك من معالم المدن الحديثة غير المستشفى و البلدية و مركز الشرطة.. و مدارس ضيقة و خجولة و منفردة في أماكن قصية من الوطن..
و حين نقترب قليلا بقدر ما نستطيع من الصورة الثانية أي من صورة الجسم المحترق سوف يكفّ البوعزيزي عن أن يكون شخصا و يتحول الى ظاهرة غير مسبوقة من البشر.. ذاتية سياسية مغايرة تولد فجأة في هذه الصورة.. ذاتية ليست ذاتية عبد الله و لا ذاتية المواطن المدني الحديث و لا ذاتية الشهيد الاسلامي الذي يستشهد من أجل أن تُكتب له عند الله الشهادة و يصير وفق ذلك من المُبشّرين بالجنّة، و لا ذاتية الانتحاري الذي يُسميه الأمريكان بالارهابي.. هل بوسعنا أن نقترب بما يكفي من هذا الجسم الذي يحترق؟ وحدها الكلمات التي لا تخاف من اللهيب بوسعها أن تحدّق مليا في هذه الصورة الخطرة..التي تبرّأ منها أغلب الأطراف في اللعبة السياسية الحالية في تونس..ماذا ستقول الكلمات غير أنّ البوعزيزي احترق في لمح البصر و أن النار كانت أسرع من الحروف.. و أن هذه الحروف بطيئة جدّا بُطء الحماية المدنية التي لم تصل على عين مكان الحريق الاّ بعد أن أتت النار على جسم المحترق.. هل ستساعد الكلمات ثانية الحماية المدنية على حرق البوعزيزي بالكامل؟ و تفشل المدينة مرّة أخرى في حماية أجسامها و أعضائها و سكّانها من نار لا تميز بين البشر و الحطب.. و تفشل المدينة ثانية في انقاذ حياة المدني و المديني.. أ لأن البوعزيزي لم يكن مدنيا تماما؟ هل لأن المدنيون تهذّبوا و تدجّنوا كفاية الى درجة صاروا فيها أقلّ جرأة من اضرام النار في أنفسهم في قلب المدينة المدجّجة بكل أجهزة الدولة الأمنية و القمعية؟ أم لأن المدينة لم تكن متهيئة لمثل هذا الحدث الغريب و المفاجىء و الهجين معا؟ لقد كانت المدينة مطمئنة تماما الى خلوّ أهلها من مثل هذه الجرأة..لا أحد يتجرأ في عهد الاستبداد على اللعب بالنار..
كلمات مدنية ثقّفوها كفاية حتى لا تمس النار و لا تراقص اللهيب.. و في الوقت الذي تتراجع فيه النصوص الباردة أمام صورة المحترق حيّا من دم و من لحم انسيّ بشري وُلد من أديم الأرض، تقف الصورة ثابتة بكماء صمّاء لا يهمّها وجه المتفرج و لا وجه القارئ و لا ما سنكتبه عنها و لا ما سنعاتبها عليه..
ان صورة احتراق البوعزيزي لوحة فنية مريعة رسمها المحترق بجسمه مباشرة دونما حاجة الى أيّة ألوان و لا أية ريشة.. للمرة الأولى يستعمل البشر جسمه من أجل أن يرسم.. و “للمرة الأولى يموت النرجس البري منتصرا و يشعل ناره في زهره كالمعمدان” 
بعبارة جميلة من قصيد صلاة الجوع للمسكيني.
أما صورة الملفوف فهي صورة يظهر فيها البوعزيزي و قد كفّ عن الاحتراق و وقع لفّ جسمه أو ما تبقى من أعضائه في ضماّدات بحيث استحال الى ضرب من المومياء.. صورة مُريبة لأننا لا نعلم من يختبئ وراء ذاك القماش الأبيض..ذاك الكفن السابق لأوانه..و فعلا يبدو أن الذي ادعى النظام البائد بأن الجسم الملفوف هو جسم البوعزيزي هو في الحقيقة جسم لمحترق آخر له قصة مماثلة لأنه جسم يحاكي ظاهرة البوعزيزي بالاحتراق على طريقته..
أماّ عن صورة المسافر فلنقرأ نصّها معا :”مُسافر يا أُمّي، سامحني، ما يفيد الملام، ضايع في طريق ماهو بايدياّ، سامحيني ان كان عصيت كلام أمّي، لومي على الزمان و ما تلومي عليّ، رايح من غير رجوع، يزّي ما بكيت و ما سالت من عيني دموع، ما عاد يفيد الملام على زمان غدّار في بلاد الناس، أنا عييت و مشى من بالي كلّ اللّي راح، مُسافر و نسأل زعمة السفر باش ينسّي البوعزيزي “..هذا نص رسالة يُحكى أنّ البوعزيزي قد تركها لأمّه قبل الاقدام على اضرام النار في جسمه.. و مهما يكن من صحّة هذه الحكاية أو خطئها فاننا نأخذ هذه الرسالة الأخيرة للبوعزيزي وثيقة أساسية لذاكرة طويلة من الاضطهاد و القمع، لطريق طويل من السفر في مكان واحد و الدوران في نفس الدور العبثي لدول الاستبداد التي تقتات على حروق سكّانها.. تلك المدن الفاسقة التي رسمتها دولة الدكتاتور بكل ألوان القهر و الاضطهاد.. في مدن” قمعستان” بعبارة جريحة لنزار قبّاني، يسافر الجياع الى حتفهم عن طواعية..  
هذه الرسالة التي لا تشبه أيّ شكل من أدب الرسائل الضارب في القدم تحمل ثلاث دلالات مدفونة في توابيتت الحروف الحزينة:أوّلا هي رسالة كتبها البوعزيزي لأمّه.. لم يكتبها لعموم الناس و لا لأي شخص آخر.. لم يتبق له في قلبه و هو يقدم على الموت غير أمه.. فهو لا يعتبر نفسه مذنبا الاّ في حق شخص واحد هو أمه.. لم يذكر لا الله و لا الوطن..  
هي رسالة كتبها باللغة الدارجة..هل لأنه لا يُتقن العربية؟ أم لأن العامية أقرب الى الآلام من لغة التجميل و الزخرف؟
هي رسالة تعلن عن السفر.. لكن البوعزيزي لم يتكلم مباشرة عن الموت.. فضّل مجاز السفر..هو لا يقصد أن يموت على الطريقة العادية للبشر..لقد سافر فعلا كي يدلنا على جهة أخرى لنحت امكانيات أجمل للمستقبل.. 
أسماء البوعزيزي كثيرة : اسمه عند الولادة “طارق الطيّب بن محمد البوعزيزي ” و حين احترق خيّروا تسميته محمد البوعزيزي .هل لأن اسم محمد هو الاسم الأكبر في هذه الثقافة العظيمة التي ننتمي اليها؟ هل كان يحمل أسمائه جيدا؟ و حين أقدم على احراق نفسه أيُّ الأسماء كان يحملها في قلبه؟ هل كان هو ” الطيّب “الذي أحرق نفسه من فرط طيبته، أم كان” طارقا “لأبواب جديدة أم كان” محمّدا” المُوقّع لتاريخ برُمته؟ أم كان” بسبوسة” كنيته اليومية المُفضلة في أيام الفرح العادي بالحياة حينما يحصل على قوت يومه من عربة الفاكهة؟ و له أسماء أخرى.. فهو العامل و المُعطل عن العمل في آن واحد.. و يبدو أنه يعمل بدون رخصة.. لذلك طارده البوليس و استولوا على ميزان العمل..كيف سيعمل بدون ميزان العمل؟ ذاك هو السبب المباشر لاحتراق البوعزيزي بل للثورات العربية في دول صادرت كل الموازين و صارت تخبط خبط عشواء في قمع سكّانها.أسماء أخرى للبوعزيزي تمكنه من أن يضاعف من حرائق هذا الوطن..فهو بائع الخضر والفاكهة و هو الريفي وهو اليتيم.. و هو المتجول.. و هو صاحب عربة الفاكهة.. و من كان يعلم أن لهذه العربة قدر أكبر.. لقد دفع البوعزيزي باحتراقه عربة التاريخ نحو مصير آخر..و يبدو أن البوعزيزي الذي حمل اسم أبيه، الذي بالكاد يعرفه، قد تدرّب جيّدا على يُتمه و على موته معا.. و البوعزيزي هو المصفوع على أحد خدّيه من طرف امرأة حيث صارت الصفعة صفعتين: صفعة المرأة و صفعة البوليسة..و يُقال أن البوعزيزي قد تحرّش بهذه الشرطية حينما افتكّت منه ميزانه بأن قال لها :”هل سأزن بنهديك؟ “.لكن كم تحرّش في هذه البلاد المستهترون و الفتيان المارّون بالنساء.. و كم صفعت النساء من المُتحرّشين بهنّ..لكن لا أحد من المصفوعين قد أقدم على حرق نفسه من مجرّد صفعة امرأة..و يوميا يصفعنا النظام الدكتاتوري بأشكال مختلفة من الصفع لكننا نستأنف أيامنا بصدور رحبة..
و نبقى في رمزية هذه الصفعة حتى و ان أنكرتها صاحبتها، فنحن لا نهتم بالجانب القانوني للمسألة، انما همّنا تفجير الدلالات الممكنة لأحداث مهما كانت كاذبة أو مفتعلة أو خيالية، و نسأل عن هُوية الخدّ المصفوع.. أيّ الخدّين صُفع يا تُرى؟ ربّما لا أحد خطر بباله هذا السؤال.. فما نفع الجواب عن سؤال عاطل عن العمل؟ و ربّما يستوي هنا الخدّ الأيمن بالخدّ الأيسر.. و لأن المعركة تأتي من جهة مغايرة للصدام الايديولوجي الذي تتعيشه بلادنا اليوم بين اليمين و اليسار.. هل صفعته الشرطية على الخدّ الأيمن أم على الخدّ الأيسر؟ أيُّ الطرفين سيتلقى الصفعة التاريخية الحاسمة في مستقبل الثورات العربية؟ أيهما سيكون المصفوع و أيها المنتصر؟ أيهما سيحترق و أيهما سيُعفى عنه و سوف ينتعش من جديد؟ 
لا نكتب عن الحرائق الا ما يُمكننا تحمله.. و تواصل الأجسام احتراقها كلما هدد الاستبداد بالعودة ثانية.. و يواصل شباب البلاد حرائقه طالما واصلت الدول الجديدة تعطيله عن العمل و عن الحياة. و تواصل الأرياف سخطها طالما همّشتها المدن و السياسات المؤقتة.. لا تحرقوا أجسامكم بل واصلوا اختراع فنون الحياة بأشكال حيوية موجبة و نشيطة.. لا تدمروا الحياة فيكم مهما كانت الأسباب فالحياة أجمل من كل الدول..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق