“جمال و اليوسفي”

لسبب ما، استيقظت صباح اليوم وفي ثنايا دماغي صدى لموسيقى لم أدرك ما هي، إلّا بعد مضيّ عدّة ساعات حيث بدأت تفاصيلها تتّضح، ومقاييسها تتركّب إلى أن شكّلت في تسلسلها وحدة كاملة لأغنية سرعان ما قفزت بي إلى صورة فتاة ترتدي الزيّ المدرسيّ الرّمادي، وقميصاً زهرياًّ، وعلى ظهرها حقيبة مدرسيّة… تتراقص بطريقة غريبة في أحد شوارع دمشق على أنغام تلك الأغنية. هذه الصّورة من فيديو انتشر بكثرة على صفحات التّواصل الاجتماعي بعيد بدء الانتفاضة السوريّة. لا أذكر بأنّني في الليلة الماضية شاهدت ما يدعو لتذكر اللّحن، فكلّ ما رأيته أو قرأته خلال يومي كان يتعلّق بأخبار الموت والرصاص والقصف… قد يكون صدى رصاص أو مروحيّة أكثر منطقيّة… أو حتّى صوت صراخ أو مناجاة… لكن هذا ما تمخّضت عنه ليلتي… “منحبك”!

بحثت عن الفيديو، لأرى أو أحاول أن أرى، لماذا ؟ وبعد ما يقارب العام على مشاهدتي له، أتصبّح بموسيقاه التّصويريّة؟

كانت رقصة الفتاة في ذاكرتي أكثر غرابة و”بلاهة” إن صح التّعبير، عندما أعدت المشاهدة، لم أجد فيها أي شيء غريب، فقط أنّها لا تتراقص بطريقة عاديّة، لكن لا بلاهة، وصلتني في هذه المرّة، بل شعور بالأسى الشّديد. أظنّ في جميع الأحوال أن تلقي أيّ شيء يعتمد بدرجة كبيرة على حال المتلقي في لحظة استقبال المعلومة أو الصّورة، ولا بدّ أنّني أكثر حزناً اليوم، وأنّ نظرتي للأمور اتّخذت إيقاعاً مختلفاً عمّا كانت عليه مع بداية الانتفاضة، نظراً لكلّ ما آل إليه الحراك من تطرّف ولتبعات العنف التي أمسينا عليها.

بالعودة إلى الفيديو، قرأت تحته تعليقاً لم أكن قد خزنته في ذاكرتي وهو التاّلي :

“قامت فتاة سوريّة بالرّقص فى أحد شوارع العاصمة السوريّة دمشق، على أنغام أغنية سوريّة لبشار الأسد بعنوان “بنحبّك ” كانت تبثّها إحدى محال بيع أشرطة الكاسيت.

وجاء رقص الفتاة التي كانت تحمل حقيبة يدويّة أعاقتها عن الرّقص، فوضعتها جانبا، وسط اندهاش وذهول المارة الذى ما لبث أن تحوّل إلى إعجاب، عبّروا عنه من خلال اندماج بعضهم معها فى الرّقص، وتصويرها عبر كاميرات الموبايل الخاصّة بهم. من جهة أخرى، تداولت صفحات ثورة سوريا مقطع الفيديو الراقص الذى أسمته “المنحبكجية المسعورة ” فى إشارة إلى مؤيّدى بشار الأسد، مستنكرة أن يكون هناك قطاع من الشّعب السّوري لا يأبه لقتل وذبح بقيّة الشّعب فى حمّص، ودرعا، وغيرها من أنحاء سوريا.”

منذ الصّباح، وأنا أغير في كلّ ساعة ألبوماً موسيقياً كلاسيكياً، على صدى “المحبة”، يغادر رأسي… لكن يبدو بأنّ الأمر بحاجة لسنين وأجيال… وما خوفي سوى أن تطول موسيقى الموت إلى أن نعتادها ليصبح التطرّف نغمتنا الجديدة.

بعد إعادة الفيديو عدة مرات، توصّلت لسبب المحاكاة التي قام بها رأسي، وجعلت من صباحي “منحبكجياً”. رمضان… أجل “رمضان كريم و الله أكرم”… 

مرت بضعة أيام، وأنا أتابع بعض الحلقات من مسلسلات دراميّة سوريّة “رمضانيّة”. في أحد المسلسلات، واسمه “أرواح عارية”، هنالك بعض طلبة البكالوريا الذين يتمشّون في شوارع دمشق، من حين إلى حين بزيهم المدرسي، وعلى ظهورهم حقائبهم المدرسيّة! أعلم بأنّ الأمر قد يكون خارجاً عن أيّ منطق، لكنّ المنطق الذي أوصلني إلى هنا له شقّان: شقّ أوّل مرئيّ، له علاقة بشخصيّات المسلسل من عمر الفتاة، التي ترقص في الفيديو، وعمر المراهقين الذين يجوبون بلادي السّجينة. وشقّ ثان له علاقة مباشرة بتساؤلاتي عن الانفصال عن الواقع الذي تعيشه الدّراما السّورية في الوقت الحالي، أظنّ أنّ عقلي الباطن شبه الدراما السّورية بفتاة الفيديو، أو شيء من هذا القبيل… دراما سجينة تعيش في زمن خارج الرّصاص والدّماء، تكاد تشبه فيلماً جديداً لوودي ألن يتحدّث فيه عن الخيالات الفرديّة، و فتاة سجينة لم يسعها سوى الانفجار على ذاتها في الطّريق بدل أن تصرخ… وكلّ من حولها مثلها، راحوا يصفقون وبعضهم رقص معها، وكأنّهم جميعاً يودّون اسكات أصداء الموت لكنّهم يعون بأنّها أقوى منهم، فيرقصون ويصفّقون عل ضجيج أجسادهم وأياديهم يخفيها… لكن سرعان ما تتعرّى أرواحهم وتتعرّى معها أرواحنا الماضية، والحاضرة ربّما…

أذكر قصّة أحد أقرباء جارتنا في دمشق، كان زوجها يقصّها علينا في كلّ مرّة يودّ فيها انتقاد النّظام الذي بات من أكبر مؤيّديه اليوم…

في القصّة “جمال” الواقف في صفّ طويل لساعات أمام الجمعيّة الاستهلاكيّة والحرّ شديد في صيف من ثمانينيّات القرن الماضي. بعد أن استطاع أخيراً الوصول والحصول على ما يحقّ له من مؤون، يهمّ بالخروج وهو مجبر على المرور من جديد بين النّاس المنتظرين دورهم، ولمّا وصل والعرق يتصبّب منه إلى نهاية الطّابور كان كلّ المؤن قد تناثرت على الأرض، وداسها صفّ الانتظار ولم يبق في يده سوى كيس البرتقال اليوسفي… رماه على الأرض وراح يدهسه بقدميه منادياً: “بالرّوح بالدمّ نفديك يا حافظ” كالمجنون… كالمسعور… جمال لم يعرف عنه شيء حتّى اليوم… وأنا لا أطيق اليوسفي… حتى اليوم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق