جماهير دولة الملالي… وجماهيرنا

دكتاتوريّة الملالي هي الحاكمة في إيران، والمهيمنة والماسكة والمسيطرة، وهذا ما تأكّد من خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ولكنّ هذه المناسبة قدّمت حقيقة أخرى مفادها وجود “جماهير” في هذا البلد، بالمعنى الحركيّ للمفهوم. جماهير تحرّكت ورسمت الألوان وهتفت وواجهت وسارت في الشوارع وأطلقت عليها “قوات حفظ النظام” النار فسقط قتلى. جماهير واجهت قنابل الغاز وخراطيم المياه ورفعت اللافتات وغنّت ورقصت.

مع هذا مازالت وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية في بلداننا العربية تقدّم النموذج الإيرانيّ برمّته، دولة وشعبا، على أنه الأسوأ في المنطقة. وتجعل من الانتماء لإيران عنوان خطر وإرهاب.

والحقيقة أنّ هذا الشعب هو الذي صنع ثورة 1979 بالعنوان الذي أمكن حينها، وكان إسلاميا صرفا، جماهير هذا الشعب احتجّت على حكم الشاه وأطاحت به ولم تكن من مرجعيّة مهيمنة قادرة على قيادة ثورتها غير مرجعيّة الملالي بزعامة الخميني.

ولكنّ الشعب الإيراني لم يخض ثورة كهذه للمرّة الأولى، ففي بداية القرن العشرين خاض مسيرة الثورة الدستورية التي اشتركت فيها عديد المرجعيّات من اليسار إلى اليمين وفرضت “الجماهير” شروطها، وتم إرساء دستور للدولة.

فمن خلال هذه المناسبة الجديدة أمكن للشعب الإيراني أن يقدّم صورة مختلفة للعالم، لا تلك التي يقدّمها عنه نظامه الأصولي، ولا تلك التي يقدّمها أعداء نظامه عنه.

** *

ورغم انغلاق نظام إيران وتحجّره، فإنّ ما أمكن لـ”جماهيره” في ظلّ حكمه لم يتسنَّ للجماهير العربية، عدى مسيرات التضامن مع الفلسطينيين أو ضدّ الرسوم المسيئة، أو بمناسبة انتصار فريق كرة قدم.

وإنّ إغلاق الشارع العربي ضدّ التظاهر كشكل من أشكال التعبير بدأت نتائجه الكارثيّة تظهر بشكل خطير. فحيث تغلق الفضاءات المفتوحة والمكشوفة، يذهب الجمهور وخاصّة الشباب منهم إلى الزوايا المظلمة من الفكر والمكان؛ لصناعة المتفجرات وقنابل “المولوتوف” والانتحاريين.

هناك جزء من الجمهور لن يعود إلى البيت ويكتفى بما كُتب له إن أنت منعت عنه إمكانيات التعبير. سيذهب حيث لا تتوقّع ويبدأ التحضير لغير المتوقّع، ثمّ تسمع فرقعة التفجير.

** *

وبعد ما حدث خلال الحركات الاحتجاجية الاجتماعيّة السلمية بالمحلّة بمصر، وسيدي إيفني بالمغرب، والحوض المنجمي بتونس، لن يكون من اليسير على محتجّ أن يخرج إلى الشارع بشكل متحضّر ويرفع لافتة ويطلب إمضاء عريضة ويراسل الجهات المسؤولة. فما تعرّض إليه المشاركون في هذه الحركات من قمع، وما صدر بحقّهم من أحكام بالسجن سيزيد من الخوف.

** *

علاوة على هذا فإنّ المحتجّين الإيرانيين على نتائج الانتخابات الأخيرة وجدوا، من داخل نظام الملالي ذاته، قيادات لهم تحرّكهم وتوجّههم وتنظّم حركتهم في اتجاه التعبير عن رفضهم لسياسات الرئيس الحالي وحكومته. أمّا في العالم العربي فإنّ “الجماهير” تفتقد قيادات بإمكانها التوجيه والتعامل بمسؤولية مع قضايا المواطنين، بل إنّ الفاعلين السياسيين داخل الأحزاب والمنظمات والنقابات غير قادرين على بلوغ سقف ما يبرز تلقائيا من احتجاجات شعبية مطالبة بجملة من الحقوق الاجتماعيّة.

وفي المثال التونسي كانت قيادات كثيرة تتعلّل دائما بعزوف الطبقات الشعبية عن النشاط الاجتماعيّ، وتقول إنّها مستكينة ولا مبالية ومستقيلة، ومع أوّل حركة احتجاج حقيقيّة منذ عقدين لم تستطع هذه “القيادات” “المُتقوّلة” أن تكون في نسق ما يحدث، بل وحاول البعض استثمار الأحداث سياسيّا وبشكل فجّ وانتهازيّ قصد المتاجرة بالملفّ.

** *

ما حدث في إيران ليس نموذجا، لكنّه مثال مهمّ للتمثّل والمقارنة، وورقة يمكن دراستها لتسقط جملة من ادّعاءات الأنظمة، وادّعاءات المعارضة التي تساهم في منع ظهور بدائل اجتماعيّة قادرة على صياغة التعبيرة الحقيقيّة للجماهير العربيّة، سواء بخصوص الملفّات السياسية أو الملفّات الاجتماعيّة العاجلة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق