“جنرالات في مجلس الوزراء”: كتاب يكشف أهداف الحرب على الفلسطينيين

التسمية وسيلة للقبض على المعنى. لذلك، في كل محاولة لتسمية شيء ما في الواقع ما يشي بتجلياته المحتملة في الذهن. وهي ليست بالضرورة ما هو كائن، بل وما ينبغي أن يكون. وهذا يصدق في الأدب، كما في السياسة، وفي كل مجال آخر تتوّسط فيه اللغة بين المسمِي والمُسمَى. وفي سياق كهذا تكتسب التسميات التي يطلقها الفلسطينيون والإسرائيليون على المجابهة المسلحة، التي اندلعت منذ سبع سنوات، أهمية خاصة.

التسمية الأكثر تداولا بين الفلسطينيين، وفي وسائل الإعلام العربية، وإلى حد ما العالمية، هي انتفاضة الأقصى. وهي تسمية تقنية ارتبطت بزيارة شارون الاستفزازية للأقصى، باعتبارها نقطة البداية.

مع ذلك، فإن الربط بين المجابهة في الأقصى، وتسمية الانتفاضة التي ارتبطت بحدث مؤسس آخر هو انتفاضة أواخر الثمانينات، يحيل إلى دلالات أبعد تحرّض على التعامل مع طريقة الفلسطينيين، أو صنّاع القرار لديهم، في القبض على المعنى باعتبارها إشكالية في أفضل الأحوال. وهي إشكالية من شأنها تفسير الكثير من الاضطراب الذي وسم مجابهة كان من المقدر أن تكون حربا للاستقلال، لكنها انتهت إلى نوع من التحلل الذاتي، وفقدان البوصلة والهدف.

كانت انتفاضة أواخر الثمانينات سلمية من حيث الجوهر، لذلك تمكنت من تجنيد أوسع الشرائح الاجتماعية في الكفاح ضد الاحتلال، وتدهورت بعد ثلاث سنوات عندما برزت ظاهرة الميليشيات، التي انخرطت في صراعات داخلية، لم تخل من العنف، للسيطرة على الشارع، وتحقيق مكاسب حزبية.

وقد استعارت المجابهة الجديدة، التي اندلعت في أواخر العام 2000 تسمية الانتفاضة للإيحاء بالاستمرارية من ناحية، والاستفادة من الدلالات المعنوية والسياسية للانتفاضة الأولى، رغم أنها، أي الجديدة، كانت مسلحة، وذات قشرة شعبية رقيقة سرعان ما تلاشت، عدما تمكنت الميليشيات من السيطرة على الشارع، باستراتيجيات وتكتيكات متضاربة كان من نتائجها ضياع البوصلة والهدف.

ولا ينبغي التعامل مع نتائج كهذه باعتبارها نوعا من سوء الحظ، لأنها لم تكن لتتحقق وبهذا القدر من البشاعة، لو استفاد الفلسطينيون من دروس وتجارب الانتفاضة الأولى واستخلصوا منها العبر. فلو تم أمر كهذا لجاز الكلام عن الاستمرارية. لكن ما حدث، في الواقع، كان قطعا وقطيعة مع تجربة فريدة لم يبق منها قيد التداول لأسباب بلاغية سوى الاسم.

{{2-}}

كان الإسرائيليون هم الطرف الذي حاول الاستفادة من دروس وتجارب المجابهة الأولى، واستخلاص العبر. وعندما اندلعت الثانية لم يكن صنّاع القرار في إسرائيل قد أعدوا لها العدة والخطط وحسب، بل والتسمية أيضا.

هذا ما سنتمكن من العثور عليه في كتاب يورام بيري “جنرالات في مجلس الوزراء: كيف يشكّل الجيش السياسة الإسرائيلية”، الصادر في أواخر العام الماضي 2006 بالإنكليزية عن المعهد الأميركي لأبحاث السلام في واشنطن في 327 صفحة من القطع الكبير.

بيري، أستاذ لعلم الاجتماع السياسي في جامعة تل أبيب، ورئيس معهد حاييم هرتسوغ للإعلام والسياسة والمجتمع. عمل في أواسط السبعينات مستشارا لإسحق رابين، ونشر في وقت سابق كتابا يعتبر من الأدبيات الكلاسيكية حول العلاقة بين الجيش والسياسة في إسرائيل بعنوان “بين صناديق الاقتراع وميادين القتال”، إلى جانب حضوره البارز في الأوساط الأكاديمية، ومراكز الأبحاث الدولية، خاصة المعنية منها بالعلاقة بين الجيوش والسياسة.

وإذا كان في هذه المؤهلات ما يحرّض على النظر إلى كتابه الجديد بجدية تفرضها حقيقة الدور الاستثنائي للجيش في الدولة الإسرائيلية، فإن تحليله لدور الجيش الإسرائيلي وموقفه في عقد التسعينات، وصولا إلى المجابهة الجديدة، يسهم في إلقاء ضوء على ما يجري على الأرض منذ سبع سنوات، ويفسّر تفكير وأهداف الواقفين في مواجهة الفلسطينيين على الجانب الآخر للتل.

ورغم أهمية الفصول التي أفردها بيري لمعالجة العلاقة بين الجيوش والسياسة، أي بين الضباط والمدنيين، والنظريات التي استهدفت تحليل دور الجيش وعلاقته بمؤسسة الحكم في إسرائيل، إلا أن هذه المعالجة ستقتصر على موقف الجيش الإسرائيلي في عقد التسعينات، وحربه ضد الفلسطينيين منذ أواخر العام 2000.

ويكفي، هنا، القول بطريقة عابرة إن التحوّلات التي شهدتها مدارس ونظريات علم الاجتماع والتاريخ في أوساط الباحثين الإسرائيليين على مدار العقدين الماضيين، طالت أيضا الموقف من الجيش، الذي كان حتى وقت قريب من الأبقار المقدسة التي لا يجوز النيل منها. وبالتالي ثمة محاولات جديدة لتحليل دور الجيش باعتباره أداة في يد النخبة الإشكنازية الحاكمة لتأبيد امتيازاتها وموقعها الممتاز، إلى جانب وظيفته الكولونيالية بطبيعة الحال.

{{3-}}

وبقدر ما يتعلّق الأمر بموقف الجيش في التسعينات، يبدد بيري بعض الأخطاء الشائعة، التي يعتقد أصحابها أن اتجاه إسرائيل إلى البحث عن تسويات سياسية مع الفلسطينيين في ذلك الوقت نجم عن نجاح المستوى السياسي في فرض إرادته على العسكريين. بينما ما حدث في الواقع كان تعبيرا عن إرادة الجيش.

فقد أدرك واضعو الإستراتيجية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية أن دول الدائرة الأولى (أو ما يسمى في الأدبيات العربية بدول الطوق) لم تعد مصدر تهديد مباشر. واتجهت الأنظار إلى دول الدائرة الثانية، التي تضم أطرافا مثل العراق، وإيران، وليبيا. وكان تقديرهم أن تسوية المسألة الفلسطينية سيمكن إسرائيل من التعامل بطريقة أفضل مع التهديد المحتمل لدول الدائرة الثانية.

علاوة على ذلك، أدركوا بعد اندلاع الانتفاضة الأولى أن الوضع في الأراضي المحتلة يحتاج إلى إعادة نظر، بمعنى أن بقاء كامل الضفة الغربية وقطاع غزة تحت سيطرة إسرائيل لم يعد ممكنا بالمعنى الاستراتيجي. وفي هذا السياق ذهب الإسرائيليون إلى مؤتمر مدريد، وأجروا مفاوضات توجتها اتفاقات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، واتفاقات لاحقة للحكم الذاتي في المناطق المحتلة.

ومع ذلك، أدركت قيادة الجيش بعد اندلاع ما يعرف بأحداث النفق في العام 1996 أن المجابهة قادمة مع الفلسطينيين، وبدأت الكفة في الرجحان لصالح أصحاب الموقف المتشدد في قيادة الأركان. وفي هذا الصدد يقول بيري إن المراتب العليا في الجيش، التي كانت محرّك البحث عن تسوية في مطلع التسعينات فقدت في نهايات ذلك العقد كل أمل في التوصل إلى تسوية، وعادت في نهاية الأمر إلى السياسة التي تجيدها، وتطمئن إليها أكثر من غيرها، أي الحرب.

بدأ الجيش في التحضير للحرب قبل اندلاع ما سيعرف لاحقا باسم انتفاضة الأقصى بعام واحد على الأقل. وفي هذا السياق لم يغفل واضعو خطة الحرب حتى أدق التفاصيل من نوع طريقة تصرّف الجنود على الحواجز، والأهداف المراد تحقيقها في كل منطقة، والاجتهادات المحتملة بعد الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ومدى حرية التصرف المتاحة للوحدات العسكرية في الميدان، ومضمون التصريحات العامة للسياسيين.

وقد اعتمد جانب كبير من الخطة على الدروس المستخلصة من الانتفاضة الأولى، حيث ركز واضعو الإستراتيجية على ضرورة أن يتسم الرد في المراحل الافتتاحية بالقسوة والعنف، لإرغام الفلسطينيين على إدراك أنهم لن يتمكنوا من فرض شروطهم بالقوة على إسرائيل.

وهذا ما سيوصف في وسائل الإعلام، والتقارير الدولية بالاستخدام المفرط للقوة دون تفسير في أغلب الأحيان. أما مبرر الإفراط في استخدام القوة لدى قيادة الجيش فكان خلاصة مفادها أن الانتفاضة الأولى تمكنت من الاستمرار والتحوّل إلى ظاهرة شعبية واسعة النطاق، لأن الجيش لم يتصرف بالقدر الكافي من الحزم في الأيام الأولى.

ومع ذلك، لم يكن الاستخدام المفرط للقوّة أهم سمات خطة الحرب الإسرائيلية، ففي تعريفهم لطبيعة الحرب القادمة رأى قادة الجيش إن المجابهة أقل من حرب بالمعنى التقليدي، وأكبر من اشتباك مسلح، وبالتالي فهي تندرج في ما يُعرف في النظريات العسكرية بالحرب منخفضة الكثافة، أو الجيل الرابع من الحروب.

{{4-}}

ينبغي التوقف كثيرا أمام مفهوم الحرب منخفضة الكثافة، أي التسمية التي أطلقها الإسرائيليون على المجابهة. ففي هذه التسمية، وبحكم ما تنطوي عليه من دلالات، يمكن تفسير الكثير مما حدث منذ سبع سنوات حتى الآن، وبالقدر نفسه يمكن النظر إلى بعض ما يجري على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزة، هذه الأيام، باعتباره جزءا من النتائج المتوقعة لحرب من هذا النوع.

لا تستهدف الأطراف المشاركة في حرب من هذا النوع ـ حسب ما يرى واضعو الإستراتيجية في قيادة الجيش الإسرائيلي –تحقيق مكاسب مادية مباشرة من نوع احتلال أرض العدو، وتدمير قوته العسكرية، كما يحدث في الحروب التقليدية، بل تستهدف تحقيق أهداف سياسية في المقام الأوّل، أي تغيير وعي العدو بالقوة، من خلال عملية إنهاك على مدار فترة طويلة من الوقت، ولا يُقاس الفوز فيها بإنجاز هنا أو هناك، بل بالنتيجة النهائية التي لا تتجلى كاملة إلا بعد سنوات.

وبالتالي، لا تُخاض الحرب منخفضة الكثافة بالسلاح فقط، ولا يكون للسلاح فيها اليد الطولي بالضرورة في جميع الأحوال، بل تُخاض بأدوات عسكرية، وسياسية، واقتصادية، وإعلامية، ودعائية، تتضافر في ما بينها، يكمل بعضها بعضا، وتتناوب العمل والتأثير. بهذا المعنى، تشارك السلطة السياسية في الحرب، وكذلك الأمر بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية، والإعلامية، والدبلوماسية. فالحرب منخفضة الكثافة ليست حربا بين جيشين، أو قوتين عسكريتين، بل هي حرب بين مجتمعين.

وبما أن المجتمع الإسرائيلي تعوّد في حروب سابقة على نجاح الجيش في تحقيق نتائج سريعة، وبحكم أن عددا قليلا من الناس في الدوائر العسكرية والسياسية كان مطلعا على حقيقة الإستراتيجية الجديدة، بدا تردد الجيش في الحسم وكأنه نتيجة لضغوط يمارسها المستوى السياسي على الضباط.
وبالتالي عندما طرح المستوطنون شعار “دعوا الجيش ينتصر”، كان من الواضح كما يقول بيري إن معنى الحرب الجديدة لم يتضح بعد، إذ لم يكن تردد الجيش في الحسم ناجما عن ضغوط سياسية بقدر ما كان جزءا من خطة بعيدة المدى. وحتى عندما قام الجيش بعمليات كبيرة مثل إعادة احتلال المدن في الضفة الغربية في العام 2002، كانت تلك محاولة لامتصاص غضب الرأي العام بعد موجة من العمليات الانتحارية، ولم تكن العنوان الرئيس لإستراتيجية الحرب منخفضة الكثافة.

وعلى ضوء ما تقدّم يمكن وضع معطيات كثيرة تراكمت على مدار السنوات الماضية، وخضعت لتأويلات خاطئة في سياق جديد. فعمليات تدمير مقار السلطة الفلسطينية في المراحل الأولى للمجابهة، وتفكيك أوصال المناطق الفلسطينية بمئات الحواجز، واستفزاز الفلسطينيين بالاغتيالات المنظمة لإرغامهم على الرد، والبقاء في ميدان المجابهة العسكرية، واستثمار ردود الفعل الفلسطينية في إغلاق الأفق أمام ما يبدو مبادرات للانفراج تصدر عن هذا الطرف الدولي أو ذاك، كانت كلها جزءا من حرب طويلة المدى على المجتمع الفلسطيني نفسه، لا على حفنة من المسلحين.

فإضعاف السلطة يمكن الميليشيات من الصعود، وتفتيت المناطق الفلسطينية يمهد لتقويض الاقتصاد والروابط الاجتماعية، وعمليات الاستنزاف اليومية العسكرية والاقتصادية والنفسية، وإغلاق الأفق أمام احتمالات الحل، بذريعة عدم وجود شريك في الطرف الآخر، تكتيكات تخدم إستراتيجية تدمير المجتمع الفلسطيني نفسه، ودفعه إلى حدود من التطرّف لا تميز بين أساليب المقاومة والإرهاب، وبالتالي ربط الحرب على الفلسطينيين بالحرب الكونية على الإرهاب، وتحويل كفاحهم من أجل التحرر الوطني إلى مجرد مسألة أمنية.

{{5-}}

من الواضح، طبعا، أن الحرب التي يصفها بيري لم تنته بعد. وإذا كان السؤال حول ما حققه الطرفان، فإن إجابته لا تبتعد كثيرا عن النقاط سالفة الذكر، إذ يرى أن إسرائيل أفشلت مسعى الفلسطينيين في تحويل المجابهة المحدودة إلى مجابهة إقليمية، كما أحبطت مسعاهم للحصول على حماية دولية، ونجحت في تقليص مستوى العنف. وبالقدر نفسه، ورغم افتقاد المواطن الإسرائيلي للإحساس بالأمن، ورغم تكبّد الاقتصاد لخسائر فادحة، وبروز ظاهرة رفض الخدمة العسكرية لأسباب ضميرية، إلا أن المجتمع الإسرائيلي أثبت بأنه قادر على التماسك والصمود. في المقابل، يضع بيري نقطة واحدة في رصيد الفلسطينيين تتمثل في تفكيك المستوطنات اليهودية والانسحاب من قطاع غزة.

وإذا ما نظرنا إلى النقطة التي وضعها الفلسطينيون في حسابهم، لا يصعب القول بأثر رجعي إنهم تمكنوا من تبديدها بطريقة لا يحسدهم أحد عليها. فقطاع غزة، الذي أصبح خاليا من المستوطنات، وجنود الاحتلال، وقع في قبضة الميليشيات المسلحة، وتحوّل إلى منطقة يُمارس فيها القتل والاختطاف، يسيطر عليها أسياد للحرب، تصعد فيها التيارات الظلامية، ويمكن وصف ما يحدث فيها بتسميات مختلفة، لكن تسمية الكفاح الوطني لن تكون بينها بالتأكيد.

ولا ينبغي النظر إلى نتيجة كهذه بعيدا عن إستراتيجية الحرب منخفضة الكثافة، التي يشنها الإسرائيليون على المجتمع الفلسطيني، بل يمكن القول إننا نشهد في قطاع غزة إحدى نتائجها المباشرة، وهي نتيجة قابلة للتعميم في مختلف مناطق الضفة الغربية في وقت ربما لن يطول.

وهكذا، بين مجابهة مسلحة لم يتمكنوا من تسميتها بطريقة صحيحة، وعادت عليهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، وبين إستراتيجية يقبض الإسرائيليون على اسمها الصحيح، يجد الفلسطينيون أنفسهم، رغم البلاغة والمكابرة، في ورطة هي الأسوأ في تاريخهم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق