جواب على سؤال: ماذا نريد نحن؟

إلى سعيد ناشيد

«يا أحبّاء الإنسانية وأحبّاء ما هو أقدس الأشياء لديها. اقبلوا ما يبدو لكم أنّه الأكثر جدارة بالاعتقاد، وذلك بعد تمحيص دقيق صادق، سواء تعلّق الأمر بوقائع أو بمبادئ تعود إلى العقل. لكن لا تنكروا على العقل ما يجعله الخير الأسمى على وجه البسيطة، أي امتيازه بأنّه المحكّ الأخير للحقيقة». (إيمانويل كانط، ما التوجّه في التفكير؟).

إنّ العرب هم اليوم في منعطف تاريخي حاسم، في شكل استدارة في الزمن تتغيّر بموجبها زاوية الرؤية بقدر ما تتعدّل أدوات الرؤية والقراءة. وفي كل استدارة في هيئة الزمن هناك تعديل في هيكل التأسيسات.

إنّ منطلق السؤال «ماذا نريد نحن؟» هو استجابة لسؤال آخر هو له بمثابة المرآة المعكوسة، سواء بلسان الحال أو بلسان المقال: «ماذا يريد بنا الآخر؟». لا شكّ أنّ التحوّلات الجارية على الساحة العربية أجّجت في الضمائر والخيالات (وهو ردّ فعل قديم قدم الخليقة) فكرة الآخر، الأجنبي، البرّاني الذي يخطّط من أمكنة مجهولة ومنذ أزمنة غير معلومة للإطاحة بالأنظمة وإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية والاستراتيجية للعرب. إنّه ردّ فعل عفوي، ولكن من منطلق مانوي، سحري، قدري، انهزامي، لأنّه يعتبر، مسبقاً، أنّ هناك “يدا متوارية” تنسج في الخفاء ما سيتمّ رؤيته في الجلاء. إنّه منطق “المؤامرة” المعروف، المبني على خطاب التهويل والإطناب في البلاغة والخيال. كما يقول القدماء، فقط في الأوقات العصيبة تتعزّز البلاغة في وصف الفظاعة أو في غسيل الأدمغة بالاحتكام إلى حقائق مزوّرة ذات نبرة سفسطائية. ولا شكّ أنّ البحث عن “كبش الفداء” للتنصّل من المسؤولية هو أيضاً قديم قدم البشرية.

عندما عجز الإنسان البدائي عن تفسير الظواهر الطبيعية من رعد وبرق وريح وإعصار ونيازك أسندها إلى قوى غيبية. هل عجزنا عن تفسير الظواهر السياسية والطفرات البشرية وإسنادها إلى عقول خفية تدبّر لنا المكائد والخدائع هو الذي يجعلنا في نفس وضعية الإنسان البدائي؟ هل نحن بدائيون في رؤيتنا للوجود وتصوّرنا للعالم لا نراه بأعين العلل والأسباب ولكن من منظور الخارق والعجيب المبهم؟ كيف أصبح خطابنا هو في الغالب خطاب الهزيـمة والاستسلام يتنصّل من مسؤوليته ويعزو لكل برّانـي أو مجهول المصائب والمآزق؟ للوقوف على هذه الاستفهامات، ينبغي أن نحدّد أين تكمن مواطن الخلل وكيف أنّ كل تفسير يخصّ ما نحن عليه بالذات يؤول إلى التشكيك في ما يدبّره الآخر، حيث يتحوّل الفهم إلى الاتـّهام، والحكم إلى الـمـحاكمة. لو عدّلنا فقط زاوية الرؤية والتفتنا إلى «ماذا نريد نحن؟» ربّما سيضحى سؤال «ماذا يريد بنا الآخر؟» مجرّد ترف بلاغي وخيالي يستمدّ خصوبته الوهـمية من الاشتباه والتشكيك في النوايا، وتقويل ما لا يقال.

لماذا تخلّت الأنظمة عن شعوبها؟ تأمّلات في الطفولة العقلية:
منذ القرن الثامن عشر مع الثورات الفرنسية والأمريكية، ظهر ما يسمّى بالدولة-الأمّة كمرجعية سياسية وأخلاقية تقوم على أنقاض المرجعية السابقة وهي الكنيسة بنظامها اللاهوتي والتراتبي في العصر الوسيط. أصبحت الطوائف والمذاهب المتناحرة تـحتكم إلى سلطة الدولة التي تستعمل العقل والقوّة في سياسة الاختلافات وعيالة الأفراد والجماعات، بعد انـهيار المرجعية الدينية. أضحت هذه الأخيرة مجرّد غطاء رمزي في إضفاء الشرعية بعد سقوط مؤسساتها، وآلت تدريجياً نحو علمنة القيم الدينية إلى الأخلاق المدنية والاجتماعية. إنّ قوّة المرجعية الجديدة (الدولة) كانت تبتغي التوسّع لمدّ آليات الإنتاج والتصنيع (في القرن التاسع عشر) بالمواد الخام الضرورية. وكان لا بدّ من جلب هذه المواد بالتمدّد الاستعماري. فكان أن ألقت الامبراطورية الفرنسية بظلالها على المغرب الكبير، وبريطانيا على المشرق العربي. وتمّ استنساخ الأنظمة السياسية في الغرب في النطاق العربي مع بروز جمهوريات بعد الاستقلال تحتكم إلى قيم الحرية والقومية والهوية. وما أن خرجت هذه الجمهوريات المستعارة من القبضة الاستعمارية حتى ارتـمت في أحضان النموذج السوفييتي القائم على بداهة الحزب الواحد وقداسة الزعيم وعنف الدولة. لكن إذا كانت المؤسسات والهياكل ذات بنية غربية-سوفييتية، فإنّ المضامين التي تملؤها تضرب بجذورها في الأغوار التاريخية للسياسة العربية حيث تغلب قيم “العشائر” القبلية، و”الشعائر” الطقوسية. تحتكم هذه القيم إلى “الوحدة” وهي الترجمة السياسية “للتوحيد” الديني. فكما أنّ الله واحد لا شريك له، فإنّ الممارسات السياسية تحتكم أيضاً إلى فرد له من الحصافة أو الدهاء أو النباهة ما يجعله الواحد والوحيد، إن لم يكن حقيقة فمجازاً لأنّه يخضع بدوره إلى جماعات ضغط تتبدّى في العسكر أو الحزب أو القبيلة (وما المعارضة سوى نعت سلبي تشغل موقع الشيطان مقابل الله، أو موقع الخائن مقابل المؤمن). لقد تـمّ ملء الهياكل السياسية الصلبة بـمضامين أكثر تصلّباً. وبالتالي عندما ينعدم الفراغ، لأنّه مملوء بالمراقبة والمعاقبة، وبتعميم شامل لتقنيات التطويع والترويع، وعندما نفتقد الفضاء العمومي الضامن للحوار والتداول وصناعة القرار، فإنّ الدولة تضحى مجرّد قوّة جافة وجارفة تخلو من المعنى كما حلّلت ذلك حنه أرندت في تشريحها للأنظمة التوتاليتارية في القرن العشرين (الفاشية، الستالينية، النازية).

لكن المعضلة في السياق العربي هي ترسيب الدولة في شكل أوليغارشية تحتكر الاقتصاد والاعلام وتترك للدولة الهزيلة العناية بالسياسة والاجتماع. وهذا شأن بعض الأنظمة العربية حيث تتبدّى الدولة كهيكل مفرغ من دلالته، لأنّ هذه الدلالة ارتحلت إلى القوّة تديرها وتوجّهها العائلة الحاكمة (أو حكم الأقليّة). وبتراجع هيبة الدولة تمدّدت الايديولوجيات الاسلامية في شكل «وحدة الوجود» الاجتماعية، فتتسلّل في كلّ قطاع وأسرة وتستعمل خطاب الترغيب والترهيب والرأسمال الرمزي في عقد صفقات آنية تبتغي من ورائها حشد الجماهير وشحذ الانفعالات وشحن العواطف. إنّ العقل والقوّة اللذين كانا سبب وجود الدولة منذ القرن الثامن عشر اندثرا تدريجياً، لأنّ العقل تلاشى لصالح شحنة العواطف والمشاعر، والقوّة تعزّزت في قبضة الأوليغارشية التي بيدها المال والمعلومة. انفردت الايديولوجيات الاسلامية بسياسة العواطف والجماعات الأوليغارشية بسياسة القوّة. فكانت النتيجة أنّ الدولة أصبحت اسماً على غير مسمّى (حتى على المستوى اللغوي: الدولة من التداول، والتداول على السلطة كان نادراً ولم يشكّل القيمة الحقيقية للسياسة عند العرب) تـهتم بالشكليات السياسية والاجتماعية، وهي مجرّد واجهة منمّقة في التستّر على السلطة الحقيقية للأوليغارشية. اندلاع الثورات العربية كان بمثابة الهزات التي مسّت النواة الصلبة للحكم السياسي المتجمّع في قبضة هذه الأوليغارشية. وكان ردّ فعل هذه الأخيرة هو بمثابة “الصراع من أجل البقاء” المعروف لدى داروين. لها المال (الاقتصاد والتجارة) في تمديد البقاء والمعلومة (المكتوبة والمسموعة والمصوّرة) في خلط الأوراق وتزييف الحقائق. فإذا كانت هذه الأنظمة تدور في فلك الانفراد بالسلطة واحتكار الثروات، فإنّ الإيديولوجيات الإسلامية كانت تشتغل في صمت وتعزّز سيطرتها على الضمائر والسلوكات. إنّ التقاطع بين الأنظمة المهيمنة في قمّة الهرم والإيديولوجيات الإسلامية في أدنى القاعدة جعل الأولى ترى في الثانية ليس فقط عدوّها المباشر، بل حليفها غير المباشر في شكل «تواطؤ في الأضداد».

فالإسلاموية هي عدوّها المباشر لأنّها تلوّح بفزاعة الإرهاب لضمان خلودها، وأنّها الدرع الواقي في صيانة الحضارة المعاصرة من الهمجية الإرهابية (وهو ما فعلته الأنظمة في تونس ومصر في صراع يائس لبقائها). وكذلك الإسلاموية هي حليفها بشكل متوار لأنّ سياسة العواطف تمنع بروز وعي نقدي وعقل استطلاعي لدى الجماهير، أي الأساس الأوّل في بروز الدولة وقيام الديمقراطية، ولأنّ العقل هو النظام التواصلي والتداولي الذي يضمن وجود مكان عمومي للنقاش والسجال وتبادل الخطابات والأفكار وتعميم الوعي والنظر الحصيف. لكن هذا يتعارض مع مصالح الأنظمة وأيضاً مع قناعات الإسلاموية. لأنّ همّ الأنظمة هو تمثيل الجماهير والحديث في مكانها واتّخاذ القرارات رغماً عنها تبعاً للمقولة اللاتينية “إينفانس” (infans) التي تعني «الشخص الذي لا يتكلّم»؛ ومنه انحدرت كلمة “الطفل” في الفرنسية (enfant). إذ الجماهير هي بمثابة “الطفل”، تقوم الأنظمة برعايتها وحشدها في المناسبات البطولية والانتخابية ولكن لا تترك لها خيار استعمال العقل والخطاب في التبادل والتداول. لأنّ منطق الطفولة العقلية يقتضي الوصاية والولاية. إذا كانت الأنظمة تلوّح بفزاعة الإرهاب فهو اعتراف ضمني بفشل علمنة الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. أوّلاً لأنّ الأنظمة بعيدة عن السياسة (موضوعها ونطاق اشتغالها هو السلطة، أو بالأحرى التسلّط)، والسياسة هي من اختصاص نخبة تقنوقراطية تغدق عليها بالأموال في الحفاظ على ركائز دولة مجرّد هيكل فجّ لا تتمتّع بالعقلانية في التدبير، ولم تعد لها القوّة في فرض وجودها كبنية تضمن الاختلافات على الصعيد السياسي والاجتماعي (أحزاب، نقابات، جمعيات، طوائف دينية). ثانياً، لأنّ هذه الأصعدة يشوبها أيضاً الحضور المكثّف للإسلاموية التي تتحدث بمنطق الوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي على عاتقها سياسة العواطف وتعميم الأخلاق ومراقبة السلوكات. تجد الجماهير نفسها بين مطرقة التسلّط وسندان الإيديولوجيا، بين الاحتكار السياسي للأقوال والأفعال، والاحتكار الديني للعواطف والرموز.

ماذا يريد بنا الآخر؟ تأمّلات في الجهل بالقوانين التاريخية:
إنّ اندلاع الثورات العربية معناه بلوغ الرشد العقلي. فالطفل يريد أن يكبر، والمجتمعات العربية تريد أن تتحرّر. من مزيّة الثورات في عصر الأنوار (في فرنسا والولايات المتحدة) أنّها أتاحت للفرد التحرّر المزدوج من سلطتين كلاهما تتمتعان بالسطوة والقهر العنيف: السلطة الدينية بشرعيتها اللاهوتية، والسلطة السياسية بمشروعيتها الملكية. رغم أنّ الدولة ظهرت كفكرة وكمؤسسة في ظلّ الملكيات في أوروبا (ومعظم المنظّرين السياسيين مثل توماس هوبس وجون لوك وجون جاك روسو هم من القرنين السابع عشر والثامن عشر)، إلاّ أنّ تلاشي السلطة الدينية وتحويل مؤسساتها إلى ذخائر رمزية في إضفاء الشرعية على السلطة السياسية وحظر الخروج على السلطان مهّد الطريق نحو الوعي السياسي المتنامي بوجود البرلمان وحرية المعتقد والنقاش في الأمكنة العمومية. كان الفرد الأوروبي يريد أن يكبر في عقله وتكون له حرية الرأي والاختيار والقرار. هذا ما من أجله تناضل أيضاً المجتمعات العربية بدرجات متفاوتة وهي درء الوصاية والبرهان على الرشد العقلي والتدبير الذاتي. مفاد هذا القول أنّ هناك شيئا “ضمنيا” في العقلية العربية بدأ في التصدّع ساعدته بلا شك التحوّلات العالمية في الفكر والثقافة والمعلومة واستعمال التقنيات السبرانية والتواصلية. فهو حراك صامت كان سببه بلوغ درجة كبرى من اليأس والقنوط والإحباط لدى الشرائح الواسعة من المجتمعات يتقدمها الشباب الذي يعاني البطالة والتهميش والإقصاء من التنمية (لأنّ الثروات هي أساساً في يد الأوليغارشية) ويجد ملاذه سواء في التديّن والعفّة (لأنّ الرمز في يد الإسلاموية) أو في الحلول الـهدّامة والراديكالية (الانتحار، المخدرات، الهجرة إلى أوروبا..).

ومن شأن هذا الإحباط المزمن أنّه تحوّل إلى غضب وثوران على الأوضاع، حيث لا تطالب المجتمعات العربية بالحلول الاجتماعية لمشكلات الفقر والبطالة فحسب، بل وأيضاً بالحلول السياسية في نقض الحزب الواحد ونزع القداسة عن الأشخاص ومحاسبة من تسبّب في نـهب الثروات. انتقل الـمطلب من الضرورة الحياتية إلى المسؤولية الفردية والجماعية، أي بلوغ الرشد العقلي في تدبير المجتمعات نفسها بنفسها عبر شبكاتـها الاجتماعية وأمكنتها العمومية وجمعياتـها الثقافية والتربوية وحقّها في التفكير والتعبير.

إنّ هذا النزوع نحو التوكيد على المسؤولية التاريخية للمجتمعات العربية وحقّها في صناعة القرارات ومغادرة الطفولة العقلية يجعل من السؤال «ماذا يريد بنا الآخر؟» مجرّد ترف نظري تغذّيه المشاعر والخيالات. صحيح لا يمكن إغفال معادلة “الغرب” في ما يجري على الواقع العربي من تحوّلات وطفرات. بل كان سقوط بعض الوجوه السياسية (في تونس ومصر) من جرّاء الضغط والمطالبة الصريحة بالرحيل؛ وبعضها (في ليبيا) بالخنق المالي والتدخّل العسكري، والأخرى (في سوريا) بالخنق المالي والعزل الدولي. لكن كيف النظر إلى هذه المعادلة؟ هل نكتفي بالندب والاحتكام إلى العقلية القدرية التي تؤمن بالأيادي الخفية والمؤامرات السريّة على ما نقرأ في أكثر من منبر ومعبر؟ إنّ هذه المعادلة تفرض نفسها شئنا أم أبينا، ليس فقط لأنّ الوقائع الموضوعية والملموسة تبرز هيمنتها على الصعيد العالمي، ولكن أيضاً لأنّ نفيها بشطحة انفعالية هو جهل صارخ بالقوانين التاريخية والنواميس الكونية.

من هيرودوت إلى شبنغلر مروراً بابن خلدون وهيغل وديلتاي هناك مسارات في الصعود والهبوط لدى الحضارات والإمبراطوريات. في كل فترة تاريخية كانت للحضارة أو الإمبراطورية الصاعدة الهيمنة في سياسة حدودها وما يتعدّى حدودها بالتوسّع أو الاستيطان. فلم تخل إمبراطورية من استعمال القوّة (السلاح) والرمز (السيف أو الصليب) في مدّ حدودها نحو الأبعاد النائية الممكنة. إذا قرأنا الهيمنة المعاصرة بصيغة “جنيالوجية” تأخذ في الحسبان هذه الحتميات التاريخية، فإنّ هذه الهيمنة لا تشذّ على القاعدة. فإذا كان التوسّع السياسي والثقافي في انـحسار مستمرّ (استقلال معظم الدول بما في ذلك الدول العربية)، فإنّ التوسّع الاقتصادي في تـمدّد لا ينضب. والثروات العربية من المحروقات والمعادن تشكّل المعادلة الجديدة في هذا التوسّع الاقتصادي العالمي.

لكن للتوسّع الاقتصادي والانحسار السياسي والثقافي بنية وتاريخا. لقد رأينا من قبل أنّ “المرجعية” الأساسية أو المطلقة في العصر الوسيط كانت “السلطة الدينية” باللجوء إلى الشرعية اللاهوتية وسياسة النفوس والضمائر. كانت السياسة محصورة في النخبة الدينية والسلالة الحاكمة، وكان الاقتصاد يخضع لنظام الريع والامتيازات. وتواصل هذا الشكل حتى مع بروز الدولة كمرجعية جديدة وتراجع المؤسسة الدينية. لكن في منعطف الموجة الثانية من الحداثة واندلاع الثورتين الأمريكية والفرنسية أصبحت الدولة “المرجعية المطلقة” في سياسة الأجساد وتدبير الحياة.

تعزّزت الدولة بالعقل الناتج عن عقود من التنظير الفلسفي والسياسي وتفكير في الطبيعة والعلل والأسباب؛ وتعزّزت بالقوّة في إخضاع الطوائف الدينية والمذاهب الإلحادية لسلطة الدولة. والتفكير في الطبيعة وسياسة الأجساد والحياة انـجرّ عنه توسيع وسائل الإنتاج والنموّ وكانت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر هي الشاهد على هذا التوسّع الكاسح في الارتقاء بالحياة وتعمير الأراضي وتشييد المدن وإرساء وسائل النقل (السكك الحديدية) والتواصل (التليغراف والهاتف)، وهو توسّع جعل منه كارل ماركس صلب فلسفته الاقتصادية والسياسية. وأكّد القرن العشرون على هذا التوسّع العارم في أدوات الإنتاج والنموّ مع تواصل الدولة في التفاني والتصلّب باستعمال التقنية كمعادلة جديدة في تعزيز القوّة وبسط الهيمنة. وتُبرز الحربان العالميتان في القرن العشرين بشكل جليّ تعزيز سلطة الدولة بوسائل الردع والترويع، سواء داخلياً بإحكام القبضة على المجتمع أو خارجياً بالرغبة في الانتشار وفرض النموذج السياسي على الدول المجاورة (النموذج السوفييتي في دول المعسكر الشيوعي السابق، الأطماع التوسّعية للنازية مع هتلر).

كانت التقنية في خدمة الدولة تـمدّها بفائض القوّة الضرورية لإحكام القبضة داخلياً أو للتوسّع خارجياً. وبدأ الاقتصاد في التحرّر تدريجياً باكتساب استقلالية من خلال مؤسسات تجارية واسعة النطاق، وعبر التطوّر المذهل في وسائل الاتّصال والمواصلات اللاسلكية (الأنترنت، الجوّال، الفيديو-محاضرات..)، ومن جرّاء تنامي الاهتمام بالبورصة والأسهم والمالية والنظام البنكي. شيئاً فشيئاً أخذ الاقتصاد مكان السياسة بانحسار دور الدولة وتمدّد القطاع الخاص، وبفضل الانتشار السريع لقيم العولمة وهروب الهويات نحو المخيال الديني، أو نحو البطولات الوطنية ذات النزوع العنصري. 

إنّ انـهيار المعسكر الشيوعي وأفول الايديولوجيات هو الذي عجّل بتلاشي الدولة وانحسار نطاق تأثيرها. لم تعد الدولة اليوم سوى الحَكَم وسط حلبة تتصارع فيها قوى الإنتاج والتسويق والاستهلاك، لأنّ تنامي الإنتاج والـمعدّل الديمغرافي جعل الدولة غير قادرة على تلبية الحاجات في سياستها للأفراد والجماعات، فكان أن تراجعت لصالح مؤسسات خاصّة لها القدرة على التوظيف والإنتاج والتسويق. وهو أمر يجعل من الاقتصاد “المرجعية” الجديدة في الألفية الثالثة، بعدما كانت الكنيسة هي المرجعية في العصر الوسيط، والدولة هي المرجعية في العصر الحديث وحتى القرن العشرين. والعلّة في ذلك شرحتها حنه أرندت في كتابـها «وضعية الإنسان الحديث»، أنّ الحياة (أو “العمل” بمفهومها) أصبحت الضرورة البشرية اليوم تنعطف عليها أدوات الإنتاج (أو “الأثر” بمفهومها)، بعد أن تآكلت السياسة (أو “الفعل” بمفهومها) من جرّاء الحروب والفظائع في القرن العشرين. أصبح للاقتصاد والمالية درجة رهيبة من السطوة إلى درجة أنّ في الماضي القريب كانت المؤسسات الاقتصادية والتجارية تخضع لنظام التنقيط توزّعها وكالات “درجة الملاءة” المستقلّة بالقياس إلى مردودية هذه المؤسسات أو مديونيتها. أمّا اليوم فإنّ الدول هي التي تخضع للتنقيط من طرف هذه الوكالات كما حصل مع اليونان والمدهش مع الولايات المتحدة الأمريكية، عندما قامت الوكالات بإضعاف نقاط هذه الدول من جرّاء الديون ومعدّل التضخّم، والمشاكل التي تواجهها في الحصول على قروض من البنوك. إنّ هذه اللوحة العامّة حول انتقال “المرجعيات” من نطاق إلى آخر (من الدين إلى السياسة، ثم من السياسة إلى الاقتصاد) يبرز بما لا شكّ فيه أنّ العالم في تحوّل كاليدوسكوبي لا يفتر، يجعل السياق العربي عرضة لهذا التحوّل، ولا يكون بالضرورة إملاء خارجيا أو أجندة أجنبية، لأنّ حتى الدول التي تملي العقود والدروس في حقوق الإنسان هي الأخرى في منعطف تاريخي حاسم من جرّاء الصراع البارز بين السياسة والاقتصاد أو الدولة والوكالات المالية والبنكية والتجارية. ولعلّ الثروات العربية ترتبط بشكل بديهي بـهذه المرجعية الاقتصادية الكاسحة، لأنّ المحروقات (النفط والغاز) متركّزة في هذه المنطقة من العالم التي تشكّل جغرافيا الدول العربية. فلا بدّ من الطاقة الطبيعية لتحريك آلة الإنتاج، ومن الطاقة البشرية لتحريك آلة التصنيع والتسويق والاستهلاك. إذا كانت الطاقة الطبيعية تتمركز في الجغرافيا العربية، فإنّ الطاقة البشرية تتمركز في الجغرافيا الآسيوية (الصين والهند).

إنّ سؤال «ماذا يريد بنا الآخر؟» يجد مسوّغه في هذه الانقلابات الاستراتيجية ذات الأهداف الاقتصادية والتنموية، ولكن ليس من زاوية الهيمنة الغربية كما نقرأ في كلّ إشعار وشعار، ولكن من زاوية “المرجعية الاقتصادية” التي يخضع إليها البشر في رمّتهم.


ماذا نريد نحن؟ نحو رؤية مغايرة للعالم
:
إذا أضحى الاقتصاد اليوم المرجعية المطلقة بتراجع الدولة، بل حتى الدولة نفسها دخلت في لعبة الاقتصاد ببيع التحف الفنية والمعالم الراقية ذات الهندسة الباروكية أو القوطية أو العمارات الفاخرة ذات الهندسة الأوسمانية (في باريس)، فلتسديد ديونـها وفواتيرها. إننا نشهد اليوم تفكّكا في المفهوم العريق للدولة-الأمة. إذا كانت الدول الغربية تتخلّى بسلمية عن هذا المفهوم (مع أنّه ظهر في تراثها التاريخي والسياسي) ولكن بتضحيات مؤلمة تطال القطاعات الاجتماعية والثقافية (القطع في الميزانية، تسريح العمّال، غلق المصانع..)، فإنّ الدول الأخرى (مثل الدول العربية) التي انتقلت عبر نماذج مستعارة، فإنّ الانتقال إلى النظام الجديد المبني على بداهة المال والأعمال وانحسار الدولة، فهو أكثر مأسوية لأنّه يضع على قارعة الطريق شرائح واسعة من المجتمع تربّت على “دولة الرفاهية” (Etat-Providence) وبما كانت تجود به الدولة على المجتمع من مشاريع في التنمية. إذا كانت هذه المشاريع التنموية أكثر جدّية في الإيديولوجيا الاشتراكية التي تبنّتها بعض الأنظمة العربية غداة الاستقلال مثل مصر مع جمال عبد الناصر، والجزائر مع هواري بومدين، فإنّها اليوم معطّلة بالانتقال إلى ما يسمّى باقتصاد السوق واحتكار الثروات والعائدات من طرف الأوليغارشية التي بيدها المال والمعلومة. وأضحت الدولة مجرّد هيكل واسع تدبّره النخب التقنوقراطية ذات الخبرة الإدارية والعسكرية. إذا كانت هذه الدولة قد تعزّزت بالقوّة المفرطة (“النظام البوليسي” كما كان الحال في تونس ومصر)، فإنّ انحسارها يهدّد الأوليغارشية التي لا تتّخذ جسداً لها سوى في هيكل الدولة. أيضاً، إذا كانت المرجعية الاقتصادية تقتضي السيولة في الأموال والمعلومات، فإنّ التمدد الكاسح لهذه المرجعية على المعمورة يهدّد أيضاً الأوليغارشية التي تحتكر بالأحرى السيولة المالية والإعلامية.

إنّ اندلاع الثورات في أكثر من بلد عربي قضى على جزء من هذه الأوليغارشية التي كانت تسير عكس التيّار، أي عكس التحوّل العالمي. فوقعت في فخّين: فخّ تراجع الدولة والدولة هي هيكلها الذي تتجسّد فيه، وفخّ السيولة المالية والإعلامية والمعلوماتية التي تريد بالأحرى تطويقها واحتكارها. إنّ الثورات العربية أبدت مدى هشاشة الأوليغارشية التي لها رؤية أحادية (توحيدية) للعالم لا تتأقلم معه، لا تنفتح عليه، بل تتقمّص في أدواته (المال والمعلومة) لتحتكرها، وتجعل بينها وبين المجتمع مسافة قوامها الحيطة والحذر وفقدان الثقة. لم يعد العدوّ هو البرّاني المجهول، بل الشعب المعلوم. علاقتها بالمجتمع هي علاقة حراسة واستهجان. إذا لم تستطع الأوليغارشية التأقلم مع العالم، وهو ما يفسّر قصر نظرها وحيطتها من المجتمع الذي تسوسه عبر أدوات الدولة من أجهزة ومؤسسات وخبراء في الاقتصاد والأمن والإدارة والسياسة والإعلام، نفهم سهولة تهاويها في بعض الدول مثل تونس ومصر، حيث الضغط الداخلي والخارجي عجّل بسقوطها، ولأنّ الإفراط في التصلّب يؤول إلى التصدّع في البناء، أيّا كانت المسوّغات أو الحالات. فلأنّ الدولة التي تجسّدت فيها الأوليغارشية تصلّبت إلى درجة مرعبة باستخدام مفرط لأدوات السيادة والقهر، فإنّ علامات التصدّع والتفتّت بدت واضحة، ولا مناص منها، خصوصاً بالمقارنة مع التحوّلات العالمية التي لا تقتضي تجميع الثروات وتركيز القوى والمعلومات، بل توزيعها وتصريفها لإعادة استثمارها وإثرائها ودمقرطتها.

إذا كان احتكار الثروات والمعلومات من طرف فئة لها السلطان على الدولة آيلا إلى الانـهيار نظراً للغليان الداخلي من جرّاء تفاقم الفقر والتهميش، ونظراً للتدخّل الخارجي في التلويح بالحقوق الانسانية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ما موقع “النحن” في خريطة عالمية لا تنفكّ عن التبدّل وإعادة الصياغة والتشكيل؟ هل يمكن لهذا “النحن” أن يستقلّ بإرادة كالتي هو الآن في عقدها ولـمّها بالمقارنة مع التصلّب الداخلي والتحوّل الخارجي؟ 

من نحن؟ لا يـمكن وضع “النحن” في حوض جامع مانع يشمل كل الأذواق والإدراكات والانتماءات. تنطلق من “النحن” جذور متشابكة تتغلغل في الأغوار التاريخية والأعماق الثقافية، وفروع متماسكة تتعالى في التساميات الروحية أو المتعاليات الهوياتية. فلا يمكن حصره في جذع دون آخر أو في جذر دون غيره. أيّاً كانت الاختلافات في الانتماء العشائري والشعائري أو الفروقات في النزوع الرؤيوي والمذهبي، فإنّ “النحن” الذي نقصده هو للجميع، ممّا يعني أنّه ليس لأحد. فهو الرابطة الخفية الجليّة التي تجمع الجذور في أغوارها والجذوع في ارتقائها دون أن يكون لأيّ جذر أو جذع فضل يتباين به عن الآخر أو يتبيّن. إنّ هذا “النحن” هو «ما-نـحن-عليه-بالذات»، أي دبيب الحركة ولبيب الارتقاء. قد تكون التغليفات الايديولوجية أو المغناطيس الانتمائي عوائق في حجب هذا “النحن” بأن تحتكر لنفسها الأولوية والصدارة. وهذا شأن الانتماءات المذهبية الرازحة تحت بنيات كبيرة (الإسلام، المسيحية) أو تحت بنيات صغيرة (سنّة، شيعة، دروز، أقباط..). كما أنّ الوحدة في اللغة (العربية) لا تبرز الوحدة في النطق (اللهجات المحلية)؛ والوحدة في الدين (الإسلام) لا تبرهن على الوحدة في التديّن (الشعيرة السنّية، الشيعية، الإباضية..)؛ والوحدة في الجغرافيا لا تدلّ على الوحدة في الإقليم، نظراً للحدود السياسية الموروثة عن الفترة الاستعمارية. إنّ “النحن” الذي نقصده هو الذي يجعل من الإرادة حلبة في الحراك وأرضية في التحوّل. بل “النحن” هو هذه الإرادة في حركتها وارتقائها. عندما نقول “نحن” فإننا لا ننعت هوية أو انتماء، بل حركة وارتقاء. ولقد تبدّت مظاهر هذه الإرادة في المجتمعات العربية التي صرخت بصوت واحد وبنسب متفاوتة، في نقض الوصاية وتفكيك الأجهزة التي جعلت من القوّة نظام وجودها وآلية اشتغالها. إنّ “النحن” يبتغي الحرية التي هي الوجه الآخر للإرادة. والحرية هي «ما-من-أجله-يريد-النحن»، أي نطاق واسع من الحركة والتعبير والتفكير، بتشكيل أمكنة عمومية يـمكن بواسطتها تداول الأفكار والأقوال، وصناعة المشاريع والقرارات. الرهان هو إرادة أفقية تكون بمثابة حوار وسجال وتبادل، وليس إرادة عمودية هي مجرّد إملاء أو إكراه. الغاية هي مغادرة الطفولة العقلية والصمت الصبياني الذي يقتضي وجود نخبة تفكّر وتتكلّم وتقرّر وتنفّذ في مكان الأغلبية الصامتة. ونعرف كيف أنّ هذه الصيغة من الوصاية أجهزت على كل مقوّمات السلوك الإرادي الحرّ والممارسة الديمقراطية والمسؤولية الفردية والجماعية.

إنّ “النحن” الذي يريد هو “النحن” الذي يتحرّك بمحض إرادته. لقد وقع شرخ في الوعي العربي يجعل من هذه “الإرادة” هي اللبّ، ومن العوامل الخارجية هي القشر. نقرأ لدى هواة الفزّاعات أنّ ما يـحياه السياق العربي هو مجرّد ترتيبات أجنبية وتخطيطات خارجية المراد بـها ضرب الوحدة العربية وغيرها من الأبـجديات ذات النزوع القدري، الانـهزامي، الخرافي، وبـمنطق التهويل والتهويـم، والتي لا تحسن قراءة العالم بلغة المفهوم والتحوّل، ولكن بطلاسم الـماضي والـهوية والتراث. حتى اللغة التي يستعملها هؤلاء الهواة هي عاجزة بلاغياً ومنهزمة فكرياً، لأنّ الحدث أقوى من اللغة التي تعبّر عنه، والوقائع أبلغ من النعوت التي تؤطّرها. فلا يـمكن لخطاب هو أسير البنيات العقلية العريقة أو التصوّرات الـهشّة أن يواكب الجديد. بل يظّل إزاءه في تأخّر زمني ونظري، لا يتحدّث عنه سوى بحجبه واختزاله. وإذا قام هؤلاء الهواة بنسبة الأفعال والأقوال إلى الأطياف البرّانية التي تخطّط وتحيك وتدبّر، فإنّهم ينزعون عن “النحن” إرادته ليربطوه بتلك الطفولة العقلية التي سلف ذكرها، أي عدم قدرة المجتمعات العربية على النهوض بذاتـها لأنّـها عارية عن كل حركة، وواهية في كل نظرة أو قفزة. لا يـمكن إنكار أنّ ما يحياه “النحن” هو نابع من صُلبه: من قلقه وإحباطه أوّلاً، ثم من سخطه وثورانه ثانياً. فلا يمكن إرجاع ما ينبع من الذات إلى ما يهواه الآخر، ولا يمكن اختزال ما يريده “النحن” إلى ما يخططه الغير. فهو ليس فقط إسقاطا من حيث الـمعادلة، بل وأيضاً إجحاف في الرؤية وفساد في الحصافة. وقبل الحديث عن المآلات والغايات، الهدف الآني لهذه الطفرات الراهنة أنّـها أتاحت لـهؤلاء الهواة الحديث عنها لنقضها، نوع من النفي الهيغلي الذي يتمفصل بالحراك الجدلي. وأنّى للهاوي في الرجم بالغيب وتقويل الألسنة أن يحاكم الوقائع وهي التي تقوم باستنطاقه؟ فلولا هي بعفويتها، لما كان هو برؤيته السوداوية وتخمينه القَدَري والجبري وقلمه الانـهزامي والاستسلامي.

ومن شأن هذا التفكير القدري والجبري الذي يسند الأفعال إلى قوى غيبية أو مؤامرات برّانية أنّه يفكّر بطريقة سحرية وكهنوتية، دون علل وأسباب، دون آلام ومخاضات؛ لأنّه لا يضع في حسبانه إمكانية الإخفاق أو الفشل، بل يريد أن تكون الأحداث صافية، وافية، عافية، والثورات ناجحة وكاملة، وإلاّ عمّم اليسير من الإخفاقات على الكثير من الإرادات والنضالات. وهو الوهم عينه. لأنّ الإخفاق ليس معادلة سلبية في كل نضال أو إرادة في التحرير والتغيير، بل هو امتحان يتعثّر بالعقبات الموضوعية أو المعوّقات الذاتية. ولم يكن تاريخ البشرية في العلوم والمعارف والسياسات سوى “أخطاء” هذه البشرية قامت بتصحيحها بالمواظبة وتكرار التجارب وتجديد القوى.

وهنا أدرك هيغل في التاريخ، وباشلار في المعرفة العلمية أهمية الأخطاء في التجارب البشرية، أي العنصر السلبي الذي يتفاعل مع المعطيات المبعثرة ليندمج فيها ويعاد تصحيحه أو تقويـمه في الإدراكات والممارسات ويضحى بالتالي عنصراً فاعلاً وإيجابياً. أيّاً يكن من نتائج هذه الثورات أو غاياتها، تكمن مزيّتها في أنّـها حرّرت الطاقات والألسنة وأسقطت حيطان الخوف والحيطة وصدّعت النواة الصلبة في القهر. ولا ريب أنّ مراحل البناء هي طويلة في الأمد وعسيرة في النفس (بفتح الفاء)، تقتضي النضالات والتضحيات في تقويـم السلوك وتصحيح الأخطاء والتعوّد على أدوات الممارسة السياسية والسجال الديمقراطي. لأنّ عقودا من القوّة المفرطة وهيمنة الحزب الواحد وتفكيك المكان العمومي للحوار والنقاش، جعل الساحة العربية مليئة بالإرادات ولكنها فقيرة بالخبرات. إنّ التحديات التي يرفعها “النحن” هي ابتكار أساليب في الممارسة الديمقراطية ليكون له أخيراً، وبعد جهد مرير ونضال عسير، مكان عمومي يتداول فيه الأفكار والخبرات والتقنيات (أحزاب، جمعيات، ندوات، مظاهرات..)، بعد أن كان هذا “النحن” صامتاً تحت القهر ومطوّقاً بالقوّة والإكراه، يتحدّث ويقرّر في مكانه الحزب الواحد بالنيابة والوصاية.

المعضلة كما رسمنا خطوطها منذ البداية هي ما نريده نحن، وليس ما يريده الآخر. للآخر مبرّراته تبعاً لوضعيته التاريخية والاستراتيجية والدبلوماسية. لكن عندما يتحرّك شيء في النواة الصلبة للنحن، فهذا التحرّك أو الاهتزاز هو مستقل عن كل الإرادات الخارجية حتى وإن سعت هذه الإرادات إلى إعرابه في صيغة الحاضر بربطه بمصالحها أو استراتيجيتها. لكن هذا لا يمنع أنّ “النحن” له أيضاً مسوّغاته وغاياته تكمن في القيم التاريخية التالية: أوّلاً، نقض القوّة التي يتمفصل بها حكم الأوليغارشية بإرساء حكم ديمقراطي يجعل من القوّة الاستثناء وليس القاعدة. لأنّ القاعدة في المجتمع الديمقراطي هي المكان العمومي بشبكاته الاجتماعية والسياسية وممارساته السجالية والتداولية. أمّا القوّة المفرطة فهي لا تحافظ على متانة الدولة بقدر ما تنافح عن مصالح الأقلية، ولا تحافظ على الحياة البشرية بقدر ما هي تهديد للحياة في رمّتها (وهو ما يفسّر السهولة التي تلجأ إليها الأنظمة في التصفية الجسدية بالقتل والتعذيب دون أدنى اعتبار للحق في الحياة)؛ ثانياً، إذا كان الغرض هو نقض حكم الأقليّة التي تتخّذ من الدولة والقوّة أداة لـها، أليس تراجع الدولة اليوم بتمدّد الاقتصاد وآليات الإنتاج والربح يشكّل عائقاً في هذا الاستبدال؟ فما الجدوى من الحديث عن إعادة هيبة الدولة بمؤسساتـها المنتخبة وأجهزتـها التقنية في السياسة والإصلاح والإنتاج والعيالة والعدالة، بينما هذه الدولة تشهد اليوم انحساراً تاريخياً بصيرورتـها مجرّد هيكل إداري وسياسي (برلمان، حكومة، مؤسسات) في إيالة الأفراد والجماعات دون التوسّع الذي تـمتّعت به في الماضي بتحكيم قبضتها على الاقتصاد والثقافة والمعرفة والتربية؟ ثالثاً، إنّ تراجع الدولة لا يعني بالضرورة نهاية المجتمع. هناك حدود منطقية ومعرفية (الدولة، الأمّة، الوطن، الشعب، المجتمع) هي بحاجة لإعادة الصياغة الابستمولوجية والنظرية لمعرفة مدى الحصانة المفهومية التي تتمتّع بها بالمقارنة مع الحدود الأخرى (الاقتصاد، المالية، المعرفة، الثقافة، الرأسمال الرمزي والذي يشتمل على التديّن واللهجات والتوزيعات الفولكلورية والتقسيمات الإقليمية). أمام عولمة اقتصادية ومالية كاسحة جعلت أقاليم الدولة-الأمّة تنحصر في الحيّز وتنحسر في التأثير، هناك دائماً المجتمع بشبكاته التواصلية وفضاءاته العمومية ومجالسه المنتخبة وفاعلياته التضامنية وإراداته الجماعية التي كلّها تـمدّ الدولة بالديـمومة في المكان وفي الزمان، ولكن في «طبعة جديدة ومنقّحة»؛ رابعاً، نعرف جيّداً أنّ العرب، لاعتبارات تاريخية-سياسية، وقفت في أمامهم عقبات داخلية نابعة من الطبع والجبلّة والتصوّر، وأخرى ناتـجة عن تيّارات خارجية كما كان الشأن مع الحملات الاستعمارية في الماضي البعيد أو القريب. العقبات الداخلية هي أهمّ من حيث البنية والوظيفة من العقبات البرّانية (لهذا السبب نعتنا الحراك العربي باللبّ مقابل التحرّك الخارجي بالقشر)، وإذا بدت اليوم الإرادات عازمة على صناعة الحدث وتدوين صفحة جديدة في التاريخ، فلأنـّها تواجه هذه العقبات الداخلية قبل أيّ تـحرّشات خارجية على ما يتشدّق به هواة التشاؤم وطيور النحس.

إنّه صراع الذات ضدّ ذاتـها، وصراع “النحن” ضدّ أشباح ماضيه وأطياف حاضره. لا تأتي الأمور بضربة عصا موسوية أو خاتم سليماني، لأنّ على عاتق العرب قبل كل الشيء التعوّد على منطق السبب والعلّة عوض وهم السحري والخارق، وعلى شيفرة النواميس الكونية والقوانين التاريخية عوض الانتظار المنفعل للنفحات المتعالية والأقدار السرمدية. هذه الثورات هي أولى العتبات في الدخول نحو الوعي بالزمن وإدراك قيمة النضال وأشكال الصناعة والبناء. وأختم في هذا المقام بعقلانية الجنيد البغدادي الذي قال لصاحبه سريّ السقطي: «يا سريّ، هذه الأعيان لا تنقلب»، عندما افتخر سريّ أمامه بأنّه يترك الكسب متوكّلاً على الله وبأنّه يضرب بيده على الأسطوانة وتلوح له ذهباً.

تبيّن هذه الشذرة العقلانية كيف أنّ الحقائق لا تنقلب، لأنّ هناك نواميس موضوعة في الطبيعة وفي الطبائع البشرية. فمن أحسن الإصغاء إليها واستثمرها أفلح وتقدّم، ومن تواكل وتنكّر لها تخلّف وانـهزم. إنّ إرادة “النحن” تتوجّه نحو الوعي بهذه الحقائق ويحاول ترجمتها سياسياً في النماذج التي يشكّلها، واجتماعياً في الفضاءات العمومية التي يعزّزها، واقتصادياً في التقسيم العادل للثروات والامتيازات، وثقافياً في التعميم الشامل للقيم النقدية والجدالية والاستطلاعية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق