جورج طرابيشي المحلل الذي يكشف عن الأمراض النفسية / ممدوح المهيني

إذا سألت أحد الأشخاص عن سبب كراهيته للغرب فسيبدأ بسرد قائمة طويلة من المبررات التي تجعله يتبنى مثل هذه المواقف التي يختلط فيها الديني بالثقافي وحتى الشخصي. وتتعرض مثل هذه المواقف للنقد من بعض الكُتاب المتنورين، ويتم تفسيرها كأمراض تصيب الثقافة، وتجعلها تنعزل على نفسها وتصاب بوهم العظمة والاضطهاد.

ولكن ماذا عن الأمراض الداخلية النفسية التي تجعلنا نكره الغرب بدون أن نشعر. المفكر الكبير جورج طرابيشي عالج مراراً وببراعة كبيرة كما هي عادته دائماً، القضايا العقلية الواعية التي تجعلنا نكره الغرب، ولكن كتابه «المرض بالغرب.. التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي» (دار بتراء – ١٨٤ صفحة) يكشف لنا بطريقة خلاقة وجديدة كيف تتحكم بنا التيارات النفسية التحتية المجهولة التي تجعلنا أحياناً كالأطفال نتوقف عن التعلم والمذاكرة (التنافس والتطور) بحجة أننا نعاقب الكبار (الحضارة الغربية).

هذا الكتاب الصادم والمثير ينطوي على صعوبة بالغة في كافة وجوهه.. فالفكرة التي تعتمد على تشريح الثقافة العربية نفسياً هي فكرة صعبة التطبيق وتقديمها وشرحها سيكون أكثر صعوبة.. ومع ذلك فإن القارئ للكتاب لابد أن تذهله حجم العبقرية الذي يمتلكها هذا المفكر الكبير مكنته من تناول موضوع الوعر والمعقد بأسلوب مبهر ومقنع ويحبس الأنفاس.. في كل صفحة تقريباً هناك فكرة خلاقة جديدة نقرأها للمرة الأولى، وتعجب من الطريقة المذهلة التي استطاع أن يصل إليها.

من المعروف عن المفكر جورج طرابيشي احتفاظه بكل كتبه على هذه القدرة البارعة بطرح أفكار وتقديم تحليلات وتفسيرات جديدة ومثيرة واستفزازية بأسلوبه الكتابي المتحرر من أي قوالب لغوية (بالتأكيد لا يعني هذا غموض كتابات طرابيشي بل على العكس وضوحها، ولكن جمال لغة طرابيشي تعكس جمال وعمق الفكرة البديعة التي يطلقها).. وفي هذا الموضوع بالذات الذي يخلط علم النفس بالثقافة يبرع طرابيشي في خلق عدد كبير من الأفكار والتفسيرات الرائعة وذلك اعتماداً ليس فقط على مخزونه العملي الهائل ولكن أيضاً بالاعتماد على معرفته الواسعة بعلم النفس (طرابيشي ترجم سلسلة طويلة من كتب عالم النفس الشهير فرويد).

يعتمد طرابيشي في كتابه هذا منذ البداية على منهج التحليل النفسي للخطاب العربي المعاصر، وهو يقول منذ البداية أن «التحليل النفسي لم يكن في يوم من الأيام مذهباً.. فهو قيد تخلق مستمر، وما من محلل نفسي جدير بهذا الاسم إلا وكان له – مهما يكن من أورثوذكسيته – إسهامه الخاص».. وعلى مدار صفحات الكتاب راوح الكاتب بين هذه النظريات النفسية وإسهاماته وتحليلاته الخاصة يفرضها عليه طبيعة النفس التي يقوم بتشخيص أمراضها.

ما هو أكبر أعراض هذا الوباء النفسي؟!.. إنه الارتداد إلى الماضي.. ما هي العقدة التي تسببت بمثل هذه الردة الجماعية؟!.. إنها الهزيمة المذلة في حرب ٦٧.. هذا هو المحور الأساسي الذي ينطلق منه طرابيشي انه تم إيجاد مبررات كثيرة لها ظاهرياً لكن كان تأثيرها مدمراً على مستوى اللاشعور الذي يعتبر «الخزان الهائل للتأثيم ولتوليد الشعور بالذنب».

ويفرق منذ البداية بين الصدمة والرضة.. الصدمة لها تأثير إيجابي لأنها «تستنفر الوعي وتشحذه» وتكشف واقعه المتأخر وتحفزه على التغيير.. وهذا يشبه ما حدث في الحملة الفرنسية (يسميها الصدمة النابوليونية) التي صدمت الوعي العربي على واقعه المتأخر الأمر الذي دفعه إلى التحرك والتغير، والصدمة لا تحدث إلا مع الاعتراف والمكاشفة مع الذات.

يختلف هذا الأمر عن الرضة التي مثلتها حرب ٦٧.. فهي لم تتحول إلى صدمة تكشف الواقع بل فتحت الأبواب الخلفية للهروب إلى الماضي.. ويحلل الكاتب هذه الظاهرة الثقافية نفسياً.. يقول «إذا كانت شحنة الصدمة من التنبيه فوق احتمال جسم التلقي، وغير قابلة للدمج والتوظيف فيما نسميه بعملية الأيض النفسي، كان لها مفعول عكسي: فبدلاً من أن تطلق في الجسم آليات الدفاع السوي والتكيف الواعي من خلال تعرف الواقع ومواجهته، تطلق فيه على العكس الآليات الشعورية للدفاع المرضي».

ولكن لماذا أتت حرب ٦٧ على شكل هذه الرضة الرهيبة؟!. هذه الرضة التي جعلت الثقافة العربية تكره الواقع المذل، وترفض الاعتراف به، تهرب إلى الماضي في حركة جماعية انتحارية بحثاً عن الأمان في أحضان التراث. الجواب على ذلك هو أن الهزيمة كانت غير متوقعة وهكذا تحدث الرضات المؤثرة للأشخاص الذين يبالغون بالثقة في أنفسهم لتأتي الهزيمة صادمة لغرورهم وأوهامهم. كما أن هذه الهزيمة المذلة التي تمت في ٦ أيام فقط لم تكن قابلة للتصريف والتغطية، إضافة إلى أن الجرح المفتوح منذ تلك الهزيمة لم يتخثر بسبب التفوق الإسرائيلي المستمر. ويشرح طرابيشي بطريقة خلاقة الفجيعة الكبيرة التي مثلها رحيل الزعيم المصري عبدالناصر الذي لعب دور الأب الرمزي للجماهير العربية ومات ذليلاً ومقتولاً بتأثير هذه الحرب، وكيف تم بعد ذلك الانقلاب عليه والتمثيل به الأمر الذي يفسره مؤلف الكتاب: «هناك مستوى شعوري يرفض الهزيمة.. ولكن اللاشعور لا يسايره في لعبته ولا ينخدع بخداعه.. ومن منظوره ليس ثمة ظرف تخفيفي يسوغ الإعفاء من المسؤولية».

هذه الضربة الموجعة وغير القابلة للتصديق والتصريف تم تحويل اسمها إلى نكبه تخفيفاً من جارحيتها للشعور ولكنها في الحقيقة تشكلت كعقده نفسية ليس فقط تجاه إسرائيل (التي توصف دائماً بربيبة الغرب تقليلاً من أهميتها وتخفيفاً من حجم الهزيمة بنسبها ليس إلى بلد صغير مثل إسرائيل ولكن إلى الامبريالية العالمية التي تقف خلفها) ولكن تجاه الحضارة الغربية بأسرها، ويستشهد المؤلف بعدد كبير من المواقف التي سجلها الكتّاب من مختلف التيارات في ندوات أو مقالات أو كتب، وتكشف عن هذه العلة المرضية التي تدفع للاحتماء بالماضي، وكراهية الغرب، والاستقالة من عالم التنافس الحضاري الذي تخوضه أمم العالم.

إن هذا المرض النفسي الذي يصيبنا جميعاً يتمثل بأوجه متعددة. ويعدد المفكر جورج طرابيشي أعراضاً كثيرة له جميعها تمثل صدمة للقارئ الذي يشعر بأن المؤلف يقوم بتحليله شخصياً، وينجح في كل مرة بلمس النقاط الصحيحية الحساسة التي لا تريد الاعتراف بها. من هذه التحليلات المثيرة الاعتقاد بأن الواقع مصنوع بقوة سحرية مجهولة، وكذلك تضييع حدود الأنا بحثاً عن عظمة مفقودة من خلال التوحد مع الجماعة، وتصور طفولي للعالم يرى في التراث الأب الحامي للعائلة. كما يسرد المؤلف أيضاً قائمة متعددة أخرى من أعراض هذا المرض النفسي الجماعي الخطير.

إن هذا الكتاب للمفكر الرائع طرابيشي المقيم في باريس منذ عقود يتميز بمعالجة أسباب التراجع الحضاري العربي والإسلامي ولكن من زاوية جديدة وهي زاوية التحليل النفسي. هذا الكتاب لا يكشفنا على مستوى العقل فقط ولكن على مستوى النفس. إنه لا يجعلنا نكشف الآليات الفكرية التي تجعلنا نتراجع ونكره ولكن أيضاً يكشف لنا عن الدوافع النفسية المظلمة المحفزة لمثل هذه الأفكار.

طرابيشي في جميع مؤلفاته تقريباً صادم وجارح وينزع كل الضمادات ويحارب كل الأدوية المزيفة. إنه لا يساوم أبداً، وكثيراً ما قام بالرد على أفكار بدت جميلة ولكنه كشف لنا عن تأثيرها الباطني الحقيقي الذي يدعم التطرف والتأخر والاستبداد. هو يقوم بمثل هذه الصدمات الفكرية بشكل مستمر وعميق وصحيح من أجل محاربة التخلف والجهل والتطرف ويدافع عن التقدم والعقل والتسامح، وهذه هي القضية التي تشغل روحه المضيئة والخيرة دائماً.

في هذا الكتاب أضاف المفكر جورج طرابيشي الصدمات النفسية للصدمات الفكرية، ولعب دور المحلل النفسي الذي يشرح لمريضه كيف يمكن تخليصه من أفكاره التي تسحبه إلى الأسفل. في الواقع إن المفكر الطبيب طرابيشي من النوع النبيل، فمنذ عقود وهو يصعق هذا الجسد المريض وشبه الميت، ولم يفقد الأمل بأن يعود إلى الحياة يوماً.

عن جريدة الرياض

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق