جورج طرابيشي في كتابه (هرطقات): خلط الاستراتيجي بالتكتيكي في مقولة الإسلام دين ودولة

تصديقاً لمقولة التوحيدي (كل نقد هو كلام ثانٍ على كلام أوّل)، يذهب الأستاذ جورج طرابيشي في نقده لتوهّمات مفاهيم المثقفين العرب حول (الديمقراطية – العلمانية – الحداثة – الممانعة العربية). فهذه المفاهيم ليست مرتبة وفق خطّ معيّن، ولكنها تتداخل جدلياً في ما بينها بطبيعتها، وهي كذلك كمنتجات فكرية غربية مازالت تتقدّم وتتأخّر في تفاعلها باختلاف المكان والزمان، بل وباختلاف الظرف في المكان والزمان نفسه. وإذ ينحت طرابيشي مقاربة للاشتباك بين مفهومي الإسلام والمسيحية حول ما يعتقد بعضهم أنّه يناقض النص المقدس حدّ الاتهام بالكفر، فإنه يلطّف المعنى كالتالي: (إذا كانت الهرطقة في اللاهوت المسيحي مرادف البدعة في الفقه وعلم الكلام الإسلاميين، فإنّ الرؤية المحدثة للعلمانيين والأصوليين، سواء بسواء، قد صنعت من الديمقراطية بدعة).

{{قارّة الديمقراطية}}

ونتيجة لحالة الفشل الممنهج لعمليات التنمية عند الإخوة العرب، الأغنياء منهم والفقراء على حدٍّ سواء، أخذت الديمقراطية المفقودة في الثقافة العربية، دور أيديولوجيا خلاصية جديدة، بل وأيديولوجيا بديلة من الاشتراكية، والوحدة من قبلها. وكأنها طبق جاهز يشفي من داء التشرذم والتخلف، ويمحو خطايا سلسلة الثورات الوطنية والانقلابات التي حفرت قبر الديمقراطية والبرجوازية معاً، يقول طرابيشي. لكن الكاتب لا يدع الأمر عند هذا الحدّ، فإن كانت الديمقراطية ليست طبقاً جاهزاً، فهي ليست حرية منفلتة، وليست مجرد صناديق اقتراع شفافة، أو معتمة، كما أن لا ديمقراطية بدون رجل الشرطة، وبدون القانون الذي يعطي الحقوق ويحض على الواجبات ويعاقب المخالف. فهنالك في المجتمعات العربية من يطالب بحقوقه دون الاستعداد لبذل الجهد في خدمة المجتمع المدني الذي يعيش فيه، وكأن المجتمعات الغربية وصلت إلى صيغها الديمقراطية، واكتسبت حرياتها، دون ثمن، فالدولة وشرطيها المسلّح بالقانون، هناك، هو ما يحول دون تحول المجتمع إلى غاب.

{{العلمانية}}

وفي البحث عن بذور العلمانية في الإسلام، يقارن طرابيشي بين قول السيد المسيح: “أعطوا ما لله لله، وما لقيصر لقيصر”. وبين الحديث الشريف الذي قصته كالتالي: (حين مرّ النبيّ بحيّ يؤبّرون فيه النخل (يلقحونه)، قال “لو لم يفعلوا لصلح”. فأمسكوا عن ذلك. ولم يثمر النخل في ما بعد. فلما ارتدّوا إليه، قال: “ما أنا بزارع ولا صاحب نخل، فما حدثتكم عن الله فهو حقّ، وما قلت فيه من قبل نفسي، فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب”). ويقول الكاتب، هنا، صراحة، إنّ المسيح بقوله ذاك، لم يقصد تماماً ما قال، بل حاول إحباط محاولة الفريسيين الذين أرادوا اصطياده بكلمة قد يتفوّه بها ضدّ القيصر، فيشون به لدى سلطات الاحتلال الروماني (قالوا له: “يا معلم، نحن نعلم أنك صادق، ولا تبالي بأحد. فقل لنا ما رأيك: أيحلّ دفع الجزية إلى قيصر أم لا؟”. فشعر يسوع بخبثهم فقال “لماذا تحاولون إحراجي، أيها المراؤون؟ أروني نقد هذه الجزية”. فأتوه بدينار، فقال لهم: “لمن هذه الصورة والكتابة؟”. قالوا: “لقيصر”. فقال لهم: “أدّوا إذن ما لقيصر لقيصر، ولله ما لله”). والكاتب يقول بذلك إنّ مقولة النبي محمد أكثر رسوخاً من مقولة السيد المسيح، ومع ذلك تقبلت الكنيسة مقولة العلمانية ومفاعيلها، وتعايشت معها، وإن كان بالإكراه في البداية، بل إن القطيعة المعرفية التي أنجزتها الحداثة، وتمخّض عنها ظهور العلمانية وانتصارها في الغرب المعاصر، هي التي أتاحت إمكانية الارتداد إلى الوراء لاكتشاف بذرتها في المسيحية الأولى وتاريخه الماضي، بينما مازال المسلمون، بشيوخهم وعامتهم، يعتبرون المنظّرين للعلمانية كفّاراً. وكذلك الحال في الإسلام، فلن يكون أي مشروع للعلمنة في الإسلام المعاصر نتيجة لتطور عضويّ لبذرتها في الإسلام الأوّل وتاريخه الماضي، بل إن الثورة المعرفية التي لم تبدأ بعد، بسبب غياب مشروع حقيقيّ وفعّال للحداثة في الإسلام المعاصر، هي التي يمكن أن تستحثّ الوعي على اكتشاف بذور العلمانية في تاريخ الإسلام، وفي ممارسات المسلمين الماضية.

وللتدليل القاطع، فقد جاءت العلمانية لتضع حدّاً للصراع بين الكاثوليكيين والبروتستانت. وهي من باب أولى مطلب إسلاميّ منقذ للسنة والشيعة (ومعهم العلويون والإسماعيليون والإباضيون والزيديون والدروز) ليسوّوا العلاقات في ما بينهم على أساس من المساواة والتعايش والاحترام المتبادل. فقضية العلمانية في العالم العربي ليست قضية إسلامية – مسيحية فقط، بل هي أيضاً، وربما أساساً، قضية إسلامية – إسلامية.

{{المتفلسفون العرب}}

يرى طرابيشي أن لا وجود لفلاسفة عرب، بل متفلسفون، يقولون ما كان يردده الفلاسفة الغربيون، الذين يعانون بدورهم من السباق مع المنجزات العلمية المتسارعة التي لم تدع مكاناً لكلام الفلاسفة. فكل ما يمكن أن يقوله المتفلسفون العرب في نقد الحداثة، الغربية حصراً، قد سبقهم إلى قوله نقاد هذه الحداثة من المفكرين الغربيين، سواء تمثّلوا بمدرسة فرانكفورت الألمانية واستطالاتها الأميركية: هوركمايمر، أدورنو، ماركوزه، هابرماس، وتشومسكي، أم بمدرسة ما بعد الحداثة الفرنسية: دريدا، ليوتار، بوديار، فضلاً عن أصحاب التراكيب النظرية الكبيرة في الحداثة من أمثال ميشيل فوكو، ألان تورين، جان ماري دوميناك، إدغار موران. فالمتصدي للفلسفة في مجتمع ما قبل حداثي سيقع في ورطة الاستهلاك والاجترار حين يتصدى لفلسفة ما بعد الحداثة المنتجة في مجتمع أتمّ حداثته وانتقل للتوطئة لمجتمع ما بعد الحداثة.

ولا ينسى طرابيشي أن يعطي الدكتور محمد عابد الجابري نصيبه من النقد، مشككاً في أسس استدلاله المنطقي الذي قاده إلى: العلمانية هي فصل الكنيسة عن الدولة. الإسلام ليس فيه كنيسة، إذاً الإسلام لا يحتاج إلى العلمانية. فالاستدلال بمقدّمتيه الكبرى والصغرى وبنتيجته مطعون فيه، فالمقدّمة الكبرى غير صحيحة كونها اعتاضت عن الكلّي (الدين) بالجزئيّ (الكنيسة)، والمقدمة الصغرى التي يُفترض فيها، بطبيعتها، أن تكون أكثر ارتباطاً بالوقائع، تسوق بديهية لا خلاف فيها، لكن في الإسلام سلطة دينية ممثلة برجال الدين، الذين لا يستغنى عنهم في الوساطة بين الإنسان ودينه، على خلاف رجال الكهنوت المسيحي الذين يتوسطون بين الإنسان وربه، ومع أن لا كنيسة في الإسلام، إلا أنه يوجد في الإسلام سلطة دينية متمثلة برجال الدين، وبالتالي فالاستدلال فاسد ولا يقيم الدليل على النتيجة (الإسلام لا يحتاج إلى العلمانية). بل إن الاستدلال المنطقي للأصوليين أكثر علمية ووضوحاً (العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة. الإسلام دين ودولة، إذاً الإسلام لا يقبل العلمانية). فالمقدمة الكبرى صحيحة تماماً، وإن كانت النتيجة مشكوكا فيها. أما موقف الدكتور حسن حنفي من العلمانية فيقول: العلمانية منقولة عن الغرب، وكأن الديمقراطية ليست منقولة عن الغرب، أو كل تلك المنتجات الفكرية والمادية التي أصبحت من ضروريات حياتنا، والتي لا غنى حتى للأستاذ حسن حنفي عنها.

{{التراث والحداثة}}

مازال الوعي العربي يدور في حلقته المفرغة في الاختيار بين الحداثة والتراث، أو التوفيق بينهما، فهو كما يقول طرابيشي، ومنذ نحو قرنين من الزمن، يتقلب ويتخبط بين مفهومي الثقافة بالإحالة إلى الآخر، والتراث بالإحالة إلى الذات، فهو يريد نفسه في ثقافة العصر بدون أن يقطع مع تراثه، وهو يريد أن يحيي تراث ماضيه بدون أن يميت نفسه عن ثقافة العصر.

كما أن التفكير المرتكز إلى النص الأيديولوجي الماركسي أحال الفكرة إلى نوع من يوتوبيا عنيفة تعيق تقدم المجتمعات العربية. صحيح أن المجتمعات العربية لم تحكمها الفكرة الماركسية، لكن النموذج الماركسي الذي حكم الإتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية الأخرى يكفي للتدليل على ذلك، ثم إن جبروت الفكرة عند التطبيق في مجتمعات غيبية كالمجتمعات العربية يصطدم بالواقع الحضاري المختلف. والمثال هنا هو تحول ماركسيي الأمس إلى إسلاميي اليوم، وربما باتجاه أصولي، ما يجعل من الفكرة نبتاً غريباً عن السياق الحضاري العربي، فالماركسية نفسها كانت نوعاً من ثورة قفزت على واقع التطور الطبيعي للمجتمع الروسي، من مجتمع شبه إقطاعي، أو رأسمالي متخلف، إلى اشتراكي دفعة واحدة دون المرور بالتطور الرأسمالي. حتى أن الأستاذ طرابيشي يقارن بينها وبين النازية بالقول: “بديهي أننا نظلم الماركسية كثيراً عندما نضاهي بينها وبين النازية. ولكن مثل هذه المضاهاة، التي قد تكون مرفوضة أخلاقياً، تبقى صحيحة سوسيولوجياً. فالنازية مثلت محاولة للخروج على النظام من يمينه لا تقل خطورة وجدّية عن تلك التي مثلتها الماركسية للخروج عليه من يساره. فكلتا الأيديولوجيتين أرادت نفسها تجاوزاً للنظام الرأسمالي وحرقاً لبعض مراحله. فالنازية أرادت الانتقال الفوري إلى المرحلة الإمبريالية من النظام الرأسمالي، وقطف ثمارها بدون المرور بجميع المراحل التاريخية لهذا النظام. والماركسية شاءت بدورها قطف ثمار هذا النظام قفزاً فوق العديد من مراحله، وبالانتقال الفوري إلى مرحلة ما بعد الرأسمالية.

يعطي الكاتب أيضاً فسحة لموضوعات مختلفة في كتابه، وهي مما أراده أن يصل إلى القارئ العربي من موضوعات توقع أن يعتزّ هو نفسه بتقديمها كمحل للنقاش، من مثل التوفيقية، والإسلام في تركيا، والممانعة العربية، إلى أفكار أخرى. غير أن الفكرة التي يلح عليها جورج طرابيشي في كل ما يقوله في هذا الكتاب تستند إلى فكرة النقل عن نص جاهز جاء من مكان، أو زمان، بعيد عما يعيشه المثقف العربي اليوم، أو هو لا يشفي ما يعيشه مجتمع هذا المثقف من مشاكل وإشكاليات الحاضر الذي تعيشه المجتمعات العربية، فيقول نصاً: “إن أحد الثديين اللذين ترضع منهما الأيديولوجيا العربية المعاصرة قد جفَّ: النص الماركسي. وبديهي أن الإغراء كبير في التحول نحو الثدي الآخر: النص السلفي. فمن اعتاد حليب النص يصعب عليه أن يفطم نفسه عنه”. ويحاول طرابيشي، ونحن، أن ننهي بأنّ الحلّ يكمن بوجوب: “التفكير انطلاقاً، لا من النص، بل من الواقع.. إذ ما دام المفكر يفكّر في أنّ الحقيقة محتواة سلفاً في نصّ، فإنه يكون قد ألغى سلفاً أيضاً الفكر والتفكير، بل يكون قد ألغى نفسه كمفكّر”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق