جورج طرابيشي ونسف المسلمات / سلوى الشرفي

انتهيت للتو من قراءة المؤلف الجديد لجورج طرابيشي الموسوم بـ: «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة». وإن جاز لي إعادة عنونته فسأختار تسميته بـ«نسف مسلمات الداعين إلى ضرب أصحاب الفكر بالجريد»، والعبارة للشافعي. فالكتاب يحلل تحليلا يقترب من التحليل النفسي رهاب العقل والرأي والفكر وحتى التعليل، وهو رهاب سائد في الثقافة العربية تحت غطاء خطاب «الذب على الشريعة»، ما زال قائما إلى اليوم بل لعله عاد بقوة وأكثر من أي وقت مضى.

 

ويقع الكتاب في 663 صفحة مما يجعله جديرا بأن يعتبر موسوعة، حيث لم يكتف طرابيشي فيه بالتطرق إلى موضوع البحث، بل اعتمد مسار برهنة غزيرة بالمعلومات المستمدة من المصادر الأم وزاد على ذلك بالتدقيق والمراجعة غير المسبوقة لبعض التصحيفات وسلاسل الحديث التي لم ينتبه إليها المحققون والباحثون السابقون، كما قدم للقارئ درسا في العقل النقدي. وإن كان موضوع الكتاب الأساسي يسعى إلى تبيان ثقل السنة النبوية في التشريع الفقهي كعنصر معادل وحتى طاغ على النص القرآني، متتبعا المسار الذي أدى إلى هذه الظاهرة الإيديولوجية بصرامة منهجية معروفة عند جورج طرابيشي، فقد أتى المؤلف، وهذا ضروري، على كل الآليات الفقهية المعتمدة في التفسير والتأويل والاجتهاد، وأعاد النظر في أسسها من خلال تشريح العقل الذي أنتجها كاشفا بذلك الغطاء عن أخطاء وتناقضات بعض الباحثين المعاصرين مثل محمد عابد الجابري الذين أرسوا معرفة غير دقيقة حول طبيعة عقل الفقهاء المؤسسين للآليات التشريعية، ومن أهمهم مالك والشافعي وابن حزم. وقد نسف طرابيشي بذلك عديد المسلمات أو «الأساطير»، حسب تعبيره، خاصة تلك المتعلقة بتشدد مالك ابن أنس ورفضه للرأي، وبسيادة الرأي عند أبي حنيفة ووسطية الشافعي و«العقل الكوني لابن حزم»، التي قال بها الجابري. فمفهوم العقل عند ابن حزم صاحب المنهج الظاهري مرتبط ومؤسس منطقيا على نظريته في المعرفة حيث الوحي هو أعلى مصدر للمعرفة «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون» وبالتالي فإن منطق ابن حزم يستقيم في حد ذاته، وفي المقابل فإن منطقه الداخلي هذا لا يستقيم بداهة بالنسبة لنظرية في المعرفة تضع العقل في أعلى درجة من مصادر المعرفة، وعلى هذا لا يجوز القول، كما ذهب الجابري إلى ذلك، بأن ابن حزم كان عقلانيا بمفهوم العقلانية الحديثة الكونية 

 

خلال أكثر من نصف ألف صفحة أعمل طرابيشي إذن مبضعه النقدي في ركام هائل من المقولات والقواعد والنظريات والمعلومات دون أن تأخذه رأفة بما ترسخ في العقول على مر القرون. وتصرف مرة واحدة على أساس قلبه. فقد لاحظت رهافة الحس الإنساني لدى جورج طرابيشي في تطرقه الاستطرادي لقضية الحب أو العاطفة والقانون والقضاء، وعدم استيعابه لاستعمال المحقق لألفاظ نعتها طرابيشي بالسوقية في سياق التحري القضائي في حادثة زنى. والحق أن التحقيق القضائي كما الجراحة الطبية لا تستنكف ،بصفة عامة، من تسمية الأشياء بمسمياتها طلبا للدقة وسعيا للتأكد من أركان الجريمة بهدف بناء حكم عادل. هي مجرد ملاحظة، إذ أنه يلزمنا وقت غير قصير لاستيعاب هذه الوفرة العلمية والمعلوماتية التي أمطرنا بها طرابيشي، حتى نتمكن من المرور إلى مستوى النقد.

هذا إذن غيض من فيض موسوعة جورج طرابيشي الجديدة التي تقدمت بنا شوطا هاما وخطيرا في المعرفة بصفة عامة وفي قضية الحرب المفتوحة بين العقل والنقل، وجالت بنا في أروقة «محكمة العقل العربية»، والتي تستحق بعض خلاصاتها وتصحيحاتها أن تدرج في برامجنا التربوية التي لم تبلغ حتى مستوى ما قدمه المرحوم عابد الجابري.

 والحقيقة أن هذا الكم الهائل الذي يقرأ بشغف ولهفة ينتهي بك إلى إحساس بالإحباط بعد سلسلة تساؤلات مقلقة نصوغ أهمها في السؤال التالي: كم يجب من جيل لكي نقرأ جماعيا ، وليس فرادى، تاريخنا وتراثنا الثقافي والسياسي بهذه الطريقة ونستنتج منه ضرورة إحداث قطيعة مع معرفة يمكن تلخيص مرتكزاتها في الحوار الدائر بين شخصيتين من رواية «الإخوة الأعداء» للكاتب اليوناني «نيكوس كازنتزاكي» يعاتب فيه «لوكاس» رفيقه الذي بدأ يشك في الثوابت فيقول له:»إنك دخلت الحزب بقلب تملؤه الثعابين، فالمناضل الحقيقي لا يطرح السؤال ويكتفي بالنضال (…) لأن التساؤل والنقاش والقرار يعود إلى القادة، أما نحن فمهمتنا تلقي الأوامر وتنفيذها» ويضيف:»سأل مرة شيوعي روسي:هل قرأت ماركس؟ فأجاب: لا، لا داعي لذلك، فقد قرأه لينين» ويرد رفيقه القائد داركوس:»ما أعرفه أنا هو أن الطاعة العمياء تنتج العبيد».

 

 جريدة الصباح التونسية 4/10/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق