جولة في كواليس بعض المواقع الثقافية العربية [1] – رجاء بن سلامة عن “الأوان”: الحرية أقوى

كل يوم أكثر، يصير عالم الانترنت امتداداً طبيعياً لحياة تظلّ، في مفارقة غريبة، خارج الواقع اذا لم تثبت وجودها افتراضياً. الثقافة العربية لا تشذّ عن هذا الامر، بحيث لم يعد الحضور الافتراضي على الشبكة افتراضياً حقاً. هكذا اطلّت المواقع الثقافية لتقطع مع عهود طويلة من الثوابت والقواعد الراسخة المتعلقة بالنشر والكتابة والتلقي والانتشار كما كرّستها خصوصاً الدوريات والصفحات الثقافية في الجرائد. الى أيّ درجة بات هذا الفضاء الرقميّ يشكل امتداداً لقرينه الورقي او يستقلّ عنه. عن دور هذه المواقع في مواكبة المتغيرات الثقافية، عن العلاقة التنافسية – التكاملية بينها وبين الصفحات الثقافية: مَن مِنهما يغذّي الآخر؟ مَن منهما مرآة للآخَر؟ لكن خصوصاً: من الاكثر قدرة على اضفاء الصدقية على مادته: الاحرف المضيئة على الشاشة ام تلك المطبوعة بحبر على ورق؟ هل تؤثر طبيعة الحامل في نوعية الكتابة وطريقة تلقّيها؟

هذه الاسئلة وسواها، كقضايا التمويل والحريات ووهم الانتشار وحقوق الملكية الفكرية في هذا الفضاء المفتوح على كل انواع الاختراقات، طرحناها على شكل اسئلة موحّدة على مسؤولين ومشرفين على بعض هذه المواقع، وذلك من منطلق تعاملهم اليومي والمكثّف مع الاشكاليات التي تطرحها وسيلة النشر الجديدة هذه.

على مدى أسبوع ننشر ردودهم: رجاء بن سلامة عن “الأوان”، عبد القادر الجنابي عن القسم الثقافي في “إيلاف”، قاسم حداد عن “جهة الشعر”، صموئيل شمعون عن “كيكا”، وعادل سالم عن “ديوان العرب”. في ما يأتي الحلقة الأولى مع الدكتورة رجاء بن سلامة.

{{>هل تظنين أن المواقع الثقافية متقدمة اليوم، من حيث الحضور والحيوية ومواكبة المتغيرات الثقافية، على الدوريات والصفحات الثقافية في الجرائد؟}}

>من الصعب التعميم، ومن الصعب تفضيل كل المواقع الثقافية على كل الدوريات الثقافية في الصحف. ولكن يمكن أن نقول إن المواقع تتيح أولا عدم التمركز، بحيث أن إمكان انتشارها لا تحدّه أي عراقيل جغرافية أو جمركية. وهي ثانياً تتيح، خلافاً للصحف الورقية، الجمع بين وسائل الاتصال المختلفة في حامل واحد، فتكون في الوقت نفسه كتابة وصورة وصوتاً، وتكون صحيفة وتلفزيوناً أو شبه تلفزيون. المعطى الثالث الأساسي، يتمثل في الارتباط بالمعطى الأول. بمعنى أنها منفلتة عن الرقابة المسبقة، خلافاً للصحافة المكتوبة في الكثير من البلدان العربية. لذلك فإن مجال الحرية في التعبير عن الرأي وعن المعتقد أكبر في مواقع الانترنت وفي الكثير من المدونات أيضا. لذا نلاحظ تطورا لافتا للمواقع الثقافية في بلد مثل سوريا. هناك آلية حجب المواقع التي تلجأ إليها بعض الأنظمة لكنها ليست ناجعة في المنع، والطرق المتاحة لمداراتها أوسع في الانترنت. فالكثير من المواقع المحجوبة في بعض البلدان تجد موادها رواجا عبر النشرات التي ترسل على البريد الألكتروني، والكثير منها متاحة من طريق الـ”بروكسي” وغير ذلك. وإذا أخذنا “الحوار المتمدن” مثالا على المواقع التي تتعرض إلى الحجب، فإنه مصنَّف في المرتبة الثامنة من حيث عدد الزوار ضمن قائمة المواقع العربية الإخبارية. وتتميز المواقع عن الصحف بطابعها التفاعلي مما يسمح للقراء بالتدخل الآني للتعليق والمناقشة، ومما يجعل الانترنت فضاء مدنيا حقيقيا، رغم الافتراضية الرقمية التي تتسم بها. فالافتراضي ليس غير موجود، بل هو موجود على نحو ما، وهو خالق للرابط الاجتماعي، أكثر مما هو خالق للعزلة الفردية التي توحيها صور الإدمان على الانترنت. إنها تجربة قريبة من المعجزة هذه، أي ارتباط ملايين الحواسيب في العالم بعضها ببعض في كل لحظة ومن دون أي عراقيل. لذا وجد بعض المفكرين في الانترنت وظيفة شبيهة بخلق العالم السحري المقام على المباشرة، وعلى مبدأ “كن فيكون”.

{{>هل بات النشر على الانترنت الطريقة المحتمة من اجل حضور ثقافي فاعل، بحيث إما ان تكون حاضراً على الشبكة وإما انت غير موجود؟}}

>الصحف الورقية أنفسها أصبحت حريصة على أن تكون لها مواقع، لأن هذه المواقع تسمح لها كما أشرت باختراق الحدود بين البلدان، أكثر مما تسمح به الصحف الورقية، وإن كان هذا الانتشار يتم على حساب الأرباح في العالم العربي، نتيجة مجانية مواقع الصحف. الانترنت تفتح عالم المباشرة، وتخلق علاقة أخرى بالقراء، وتوسع مساحة الاتصال التي يقوم عليها الإخبار. ثم هناك مسألة أخرى ترتبط بالذاكرة، فالجريدة التي ليس لها موقع تختفي موادها ولا تُحفظ إلا في أرشيف خاص جدا. أما الصحيفة التي عندها موقع، فموادها تبقى متاحة في مواقعها وفي محركات البحث. وليس هذا بالأمر الهيّن.

{{> عالم موازٍ موجود اليوم على الشبكة يتيح حريات وآفاقاً لم تكن متوفرة للكاتب العربي قبل الآن. الى اي مدى يتيح النشر على الشبكة حرية اكبر؟ وما طبيعة هذه الحرية واين هي حدودها؟ وهل يجيد الكاتب العربي استغلالها؟}}

>هناك قضايا لم تكن تُطرح قبل ظهور المواقع العربية، تتصل بحرية التعبير والمعتقد. على الانترنت وجدت للمرة الأولى الكثير من الأقليات الفكرية والأتنية والجنسية تعبيراتها الخاصة وباللغة العربية، وهذه ظاهرة لم تُدرس إلى اليوم بما فيه الكفاية. لكل حرية حدود طبعا، وهذه الحدود هي المسؤولية. وهي في رأيي لا يمكن أن تتمثل في حماية المعتقدات والأساطير والموتى، بل في حماية الأشخاص من الأحياء. حدود هذه الحرية يجب أن تكون في منع التجريح الذي يستهدف الأشخاص، ومنع الاعتداء على حرمة الحياة الشخصية، ومنع التحريض على العنف والتمييز العنصري والجنسي. ليست هذه الحدود من باب الرقابة بل هي من باب الوعي بالمسؤولية، بما أن حريتك تقف عند حرية غيرك، وتقف كذلك عند حدود المساواة، واحترام كرامة الإنسان مهما يكن لونه وجنسه ومعتقده.

الكاتب العربي يمكن أن يجيد استغلال هذا المجال إذا قبل قسطا من الهامشية، أي قسطا من التنازل عن النجومية لصالح المزيد من حرية التعبير. وإذا قبل الكتابة لجمهور من القراء يبقى محدودا ومن نوع خاص. الانترنت، كما يمكن أن تعزل، تجمع، وتخلق فضاء لممارسة المواطنة، وإنتاج الرابط الاجتماعي.

{{>لا يزال القطاع الاعلاني العربي على الشبكة ضعيفاً بل شبه معدوم، علام تعتمدون في مسألة التمويل؟ وهل النهوض بموقع ثقافي هو مسألة مكلفة عموماً؟}}

>لمواقع الثقافية تكون مكلفة إلى حد ما إذا اعتمدت سياسة مكافأة الكتّاب المتفرغين للكتابة، وسياسة نشر الموضوعات المترجمة، وسياسة المأسسة وعدم التعويل على العمل التطوعي. في ما يخص موقع “الأوان”، فإن مموّله هو مموّل صادرات “رابطة العقلانيين العربي”، المثقف الليبي محمد عبد المطلب الهوني، ونعتزم فتح المجال أمام الإعلان لأن الإمكانات المتاحة حاليا لا تسمح بتحقيق ما نطمح إليه، من ترجمات متنوعة ومن صفحات باللغات الأجنبية مثلا.

{{>ما حجم المشاكل المتعلقة بحقوق الملكية الأدبية والفكرية التي تواجهونها في هذا الفضاء المفتوح في ظل غياب التشريعات الواضحة في العالم العربي؟ وكيف تتعاملون مع هذه المشاكل؟}}

>الكثير من المواقع كانت تنقل المواد المنشورة من دون ذكر المصدر، بل يصل بها الإخلال بأخلاقيات النشر إلى حد ادعاء احتكار المواد المنقولة. نحن لا نرفض نقل موادنا لأن “الأوان” ليس مؤسسة ربحية، لكننا نشترط عدم الإخلال بقاعدة ذكر المصدر، ولذلك استبدلنا عبارة “حقوق النشر محفوظة” بعبارة “يسمح بنقل المواد شريطة ذكر المصدر”.

{{>كيف تؤثر طبيعة الموقع الثقافي من حيث كونه فضاء افتراضياً على النص المنشور وعلى طريقة تلقيه؟ وهل تلاحظين نشوء كتابة جديدة تحمل سِمات حاملِها الافتراضي؟}}

> عدم التمركز الذي أتت به شبكة العنكبوت يتيح كما ذكرت إزالة للحدود بين البلدان، ويوسّع إمكانات التلقي، لكتّاب لم يغادروا بلدهم أحيانا، ولم تروّج صورتهم وسائل الإعلام الخاضعة للنظام الثقافي الرسمي، لأنهم لا يلوكون المعتاد ويخرجون عن نطاق ما يمكن أن نسمّيه “المحترم سياسيا”، وهو محترم من نوع خاص في العالم العربي، يتمثل في إعادة إنتاج اللغات الخشبية ذات الطبيعة الدينية أو القومية. ألاحظ حراكا في مستوى الكتابة في المواقع لا يمكن الحكم عليه بالسلب ولا الإيجاب. هناك استسهال للكتابة وكسر مستمر لقواعد اللغة، وهناك ظاهرة ازدياد أهمية اللهجات العامية وخصوصاً في المدوّنات. بعض هذه المدوّنات بالعامية أستلطفها شخصيا وأجدها ممتعة، لأن اللهجات المحلية تمتلك طاقات فكاهية وشعرية هائلة، وإن يكن انتشارها مقصورا في الغالب على أهل البلد الواحد. وأرى في هذا التنوع ظاهرة خلاقة، فلا بد أن يوجد الفصيح والعامي. ثم إن اللغات بحسب علماء اللسان تتطور بالأخطاء التي يقع فيها مستعملوها. أقول هذا رغم حرصنا في “الأوان” على تصحيح النصوص من الناحية اللغوية، من دون تشدد كبير في تطبيق القواعد القديمة. ربما تؤدي الانترنت إلى تطور اللهجات العامية أو إلى ظهور عربية جديدة تختفي منها حركات الإعراب وتتحلل من الكثير من القواعد. ربما. وأنا شخصيا أحاول مغالبة طبعي في رفض الأخطاء لاكتشاف الأخطاء التي يمكن أن يقبلها الذوق. ولكن ليست لي مواقف جازمة ولا آراء واضحة في هذا الموضوع.

{نشرت في النهار في 25/2/2008}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق