حاجة العرب إلى الفلسفة ( 2/2 )

هل تشكلت فلسفة عربية حديثة؟
صار من المعروف أن الصدمة الحضارية مع المجتمع الأوروبي الحديث، التي أسست لحالة اليقظة اللاحقة، جاءت على شكل غزو عسكري لمجتمعاتنا العربية، منذ حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798، الأمر الذي أسس بداية، في الوعي الجمعي العام، والنخبوي منه على السواء، لحالة التباس في الموقف ( رفض أو حذر ). لكنها كانت، أيضا، البداية لإحداث خلخلة بنيوية، مجتمعية، كبيرة. ثم جاءت الهزات والأحداث السياسية الكبيرة والمتلاحقة، على خلفية تداعي إمبراطورية الخلافة العثمانية ) الرجل المريض )، لتؤكد وتعمق هذه الخلخلة لاسيما بعد محاولة الاتصال بالغرب المتقدم بمستوى جديد هو التعرف عليه وعلى علومه المختلفة من الداخل عبر الدراسة والإطلاع.
لكن مع استمرار الحذر بدليل تسمية علوم الغرب، من قبل النهضويين الأوائل ( بالعلوم البرانية ). لنلاحظ هنا الفرق في الدلالة النفسية والمعرفية، بين هذه التسمية وتسمية ) علوم الأولين ) في ثقافة العصر الوسيط، التي تشي بثقة ورغبة، فمصالحة قوية مع الفلسفة اليونانية أدت إلى تعريبها فعلا عبر إعادة إنتاج أفكارها وتطويرها لدرجة تم التعرف عليها أوربيا في مطالع عصور النهضة الأوروبية من قبل مؤلفات الفلاسفة العرب. أما مصطلح ( العلوم البرانية ) الحديث، فقد كشف عن حالة حذر وإرباك فعليين أسسا بشكل كبير لحالة العجز النخبوي السائدة في ثقافتنا العربية كونها حاولت، وما تزال، التوفيق بين ثنائيات ) أصالة معاصرة، عقل نقل، إصلاح نهضة، تراث ثورة،..إلخ )، كانت كل علوم وثقافات النهضة الأوروبية الحديثة قد أحدثت بينها ومعها قطعا معرفيا كاملا ونهائيا، لصالح العقل وفكرة التقدم، منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر ( عصر العقل وعصر التنوير ). لذلك فإن استمرار استخدام مصطلحات تلك الثنائيات في ثقافتنا الحديثة والمعاصرة، خلق آليات تطوير خاصة لها بمفردات جديدة، إما بدلالة سياسية اجتماعية ترهيبية وبالتالي تخوينية ما تزال مستمرة إلى اليوم ( كالغزو الثقافي )، أو بدلالة تكفيرية ( كثقافة الغرب المادي وفلسفته الإلحادية..إلخ ).
على هذه الأرضية الثقافية كانت تتم محاولة ( الاستدعاء الثاني ) للفلسفة كنظر عقلي في الوجود (  لاستعادة دورها في نسيج الحياة الثقافية العربية )من قبل بعض المثقفين النهضويين الأوائل.
فحسب الباحث السوري ” محمد كامل الخطيب ” الذي قام بتحرير وتقديم كتاب ( قضية الفلسفة ) الصادر في دمشق عام 1998 ضمن سلسلة قضايا وحوارات النهضة العربية، وهو على حد علمنا أول كتاب بالعربية يوثق نصوص الكتابة حول ” الفلسفة ” في العربية منذ مطالع عصر النهضة العربي أواخر القرن التاسع عشر وحتى أواخر القرن العشرين. فقد تمت إعادة الاعتبار لكلمة فلسفة في العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، ( وربما كانت المقالة المعنونة بـ “الفلسفة ” لجناب المعلم خليل أبي سعد والمنشورة في مجلة المقتطف في آب 1882 من أوائل المرات التي استخدمت فيها هذه اللفظة على حقيقتها، وبمعنى إيجابي، أي مقرونة بالعقل، في الكتابة التأليفية العربية الحديثة) *مقدمة كتاب ” قضية الفلسفة ” ص 6*، وتلا ذلك استخدامها على يد جرجي زيدان في كتابه ” الألفاظ العربية والفلسفة اللغوية ” الصادر عام 1884، وجبر ضوميط في كتابه ” فلسفة البلاغة ” عام1898، وشبلي شميل في كتابه ” فلسفة النشوء والارتقاء ” عام1910 ( مقدمة كتاب ” قضية الفلسفة ” ص 6) .
ومن ثم تتالت خطوات محاولة التفلسف العربية الحديثة عبر إعادة الاعتبار لمحاولة التفلسف العربية في العصر الوسيط أولا، من خلال تحقيق ونشر النصوص الفلسفية العربية الوسيطة، وهو عمل كان قد أسس له المستشرقون الأوروبيون. ومن ثم ترجمة كتب الفلسفة اليونانية وكتب تواريخ ومداخل الفلسفة عموما، وصولا إلى التأليف الفلسفي الجديد والمستقل.
وهنا نصل إلى الفكرة المرادة، في البحث عن جواب للسؤال الأساسي: هل تشكلت فلسفة عربية أو إسلامية حديثة؟ بمعنى هل تم إنتاج تأليف فلسفي عربي مبدع مستقل ومشهود له عالميا، بعيدا، عن الشروح وشرح الشروح أحيانا، أو مجرد استعادة لأفكار ومدارس دون محاولة إعادة إنتاجها عربيا أو إسلاميا كما حدث للفلسفة اليونانية في التراث الفلسفي العربي الإسلامي الوسيط ( أفلاطون – الفارابي، أرسطو – ابن رشد ).
في الجواب: نزعم أن المرحلة الحديثة في استعادة الفلسفة عربيا، استطاعت إنتاج أساتذة كبار في الفلسفة في العالم العربي، بل ومفكرين لهم وزنهم الكبير، أيضا، حسب المرحلة التي أنتجتهم. إنما لم تستطع إنتاج فلاسفة حقا بمستوى ما أنتجته الحضارة العربية الإسلامية، أو بمستوى ما أنتجته الحداثة الأوروبية منذ بدايات عصر النهضة وحتى اليوم. ليس هذا فحسب بل إن مستوى الموقف من الفلسفة والتفكير الفلسفي يتراجع كثيرا في مجتمعاتنا العربية، إلا في أوساط النخب الثقافية والفكرية كما أسلفنا.
فما هو السبب في ذلك
السبب ببساطة – كما أزعم أيضا – هو أننا، كجمهور عام ونخب فكرية وسياسية واقتصادية مالية، وأنظمة حكم. لم نحسم خيارات عصر النهضة العربي، العقل أم النقل، ـ طبعا مع وجود استثناءات قليلة وغير ذات تأثير يذكر – بل يمكن القول إن سؤال عصر النهضة تراجع عند الأغلبية إلى خيار النقل على حساب العقل في الوقت الذي نشهد فيه فتوحات عجائبية خارقة للعقل البشري في المراكز الأقوى عالميا للحضارة البشرية اليوم. بينما تمتد وتتسع في مجتمعاتنا فتاوى التخوين والتكفير والتأثيم بحيث صارت حياة المواطن اليومية مهددة باستمرار إما بالمراقبة الصارمة سياسيا ودينيا، فملاحقة ومطاردة، أو بالقتل والذبح، أو بالتفجير الجماعي من خلال خلايا الإرهاب المنظم . لدرجة وصلت فيها سمعة العربي المسلم، لاسيما بعد 11 أيلول 2001، إلى أدنى مستوياتها، وما تزال، عالميا.
يردد الباحث جورج طرابيشي في أكثر من مكان في أبحاثه وكتبه إنه حتى نستطيع النهوض والتقدم عربيا وإسلاميا فلا بد من ” لوثر مسلم يحرر النص من النص “، أي تحرير النص القرآني المفتوح على دلالات عديدة – كما فهمت هنا – من النص الفقهي الجامد الذي حرم وما يزال النظر العقلي في القرآن. ومن ثم ” فولتير عربي يحرر العقل من النص ” (” مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام ” مرجع مذكور سابقا ). ورغم حصافة هذه الفكرة وأهميتها، إلا أني أزعم مرة أخرى أننا لا يمكن ” تحرير العقل من النص ” إلا إذا تجاوزنا نهائيا مسألة ” تحرير النص من النص ” لأنها مهمة سيزيفية مستحيلة إسلاميا لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا، لكن يكفي أن نشير إلى إنها جربت مرارا وتكرارا منذ علم الكلام والمعتزلة وحتى محمد عبده، ولم تنجح، بل كانت تنكسر بقسوة كبيرة لتبقى إنتاجاتها الغزيرة والهامة كتراث نظري فقط، دون تأثير على الواقع اليومي.
لذلك أفترض هنا أنه علينا أن نبدأ مما انتهت إليه الحداثة الأوروبية، كلحظة إنسانية معرفية واحدة تستقي وتستفيد من إنجازاتها جميع شعوب العالم دون محاولة إعادة إحياء ميكانيكي لخطوات تشكلها. خصوصا أنه لن تنفع معنا حتى العودة إلى فلسفتنا العربية الإسلامية القديمة في العصر الوسيط، فالتراث العربي الإسلامي ككل كانت تحكمه ثلاثة حدود أساسية:
1ـ المنطق الأرسطي في الفلسفة، وهو المنطق الذي كسرته الفلسفة الحديثة منذ بيكون وديكارت وأحدثت معه قطيعة معرفية نهائية.
2ـ الاجتهاد ومدارسه، علم الكلام بكافة أعلامه ومدارسه واجتهادا ته، وقد انكسر بقسوة فظيعة في حينه من قبل سلفيي وحكام ذلك الوقت، فكيف سيكون حال التعامل مع الاجتهاد من قبل السلفية الجديدة اليوم ولنا في مصير الدكتور نصر حامد أبو زيد خير مثال. عدا عن أن منطق الاجتهاد الفقهي عموما، كما يبدو لي هنا، هو نموذج لمنطق قروسطي قديم أنتجته الحيرة العاجزة بين النقل والعقل وكان مقبولا قبل ثورات الزمن الحديث علميا ومعرفيا.
3ـ فقه مدرسة الحديث بدأ من أحمد بن حنبل وحتى ابن تيمية. وهذا الفقه هو مرجع كل التيارات الأصولية الجهادية والتكفيرية في عالمنا اليوم.
أما التصوف الإسلامي فقد كان وما يزال نموذج لـ ( الحضور في حال الغياب ) أي غياب الذات والوجود معا، حسب الباحث المغربي محمد مزوز في كتابه ” من أجل انطولوجيا إسلامية – مساهمة في تجديد الوعي الإسلامي ” سلسلة دراسات فكرية 9 منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1993.
كيف نبدأ إذا من جديد
نبدأ – كما أزعم هنا – مما انتهت إليه الحداثة الأوروبية بعد استيعاب معرفي كامل لمقدماتها السابقة وعلومها وفكرها وفلسفتها اللاحقة. فمشكلة عصر النهضة العربي أواخر القرن التاسع عشر هي أنه أراد أن يوفق بين موروثنا، واستيراد ما يتوافق مع هذا الموروث، فقط، من حضارة أوروبا. وكأن المسألة هي كيف ننتقي سلعة تناسبنا لنشتريها. بينما طرح المسألة في سياقها الصحيح يكون: إما أن نتمثل الحداثة الأوروبية كلها. وإلا لن نستفيد شيئا من تجربتها. والتمثل هنا لا يعني التقليد الأعمى، وإنما يعني الدرس والاستيعاب عبر مراكمة كبيرة ومستمرة للمعارف والعلوم الإنسانية والتكنولوجية المتجددة دوما. مراكمة تكون بمثابة الأرضية العلمية والثقافية الفكرية الضرورية لإنبات رؤية حضارية ومن ثم، ربما، فلسفة عربية، جديدة. وذلك يعني من جملة ما يعنيه أيضا، القدرة على النظر إلى موروثنا في سياقه المعرفي والتاريخي الصحيح، كذاكرة وخبرة للأجيال، وتراثا يعتد به كونه يبقى حلقة رئيسية كبرى في سلسلة حلقات تشكل الشخصية العربية الإسلامية عبر التاريخ. كما أنه ساهم في لحظة تاريخية سابقة، في صوغ وإنضاج ممهدات لحظة الحداثة الأوروبية أواخر العصور الوسطى في القرن الخامس عشر. هذا في الإطار العام لثقافتنا العربية المعاصرة.
أما في الإطار الشخصي اليومي الذي يغذي الإطار العام ويرفده. فكل شخص بحاجة إلى حكمة ما لممارسة حياته اليومية ولو بحد أدنى من السلامة أو النجاح. فهذه الحكمة هي فلسفته الخاصة، وحسبنا هنا أن تكون لكل شخص حكمته لا الفطرية فقط بل الثقافية أيضا. بمعنى تغذية فطرته الخاصة بثقافة خارجية تكون بمثابة خلاصات وتجارب له ولغيره باستمرار. الحكمة اليومية للفرد الإنساني هي بمثابة دفة السفينة. فهل يمكن تصور سفينة تبحر في بحار، هادئة كانت أم صاخبة، دون دفة ؟ماذا سيكون مصيرها إذا؟. وهل ستصل إلى هدفها المنشود يا ترى؟ بل إن الدفة وحدها لا تكفي، فثمة البوصلة وتقنيات السفينة الحديثة والمتجددة باستمرار.
الحكمة اليومية للشخص الإنساني هي دفة الخلاص والوصول، وثقافته المتجددة دوما هي البوصلة التي تعينه على تحديد الاتجاه الأسلم، خصوصا أوقات العواصف والرياح الشديدة.
وكذلك الأمر بالنسبة للشعوب والمجتمعات ففلسفتها هي حكمتها. فالفلسفة بالتعريف المدرسي الأقدم والأبسط، تعني محبة الحكمة. فكيف إذا صارت نظرا عقليا لا في الوجود فقط، بل في كل مسائل الحياة الصغيرة والكبيرة، انطلاقا من سلوك الفرد اليومي. نظرا يستمد قوته، من تثاقف مستمر، ومشروعيته، من حياة مستمرة متجددة ومتغيرة بشكل دائم.
لكن ما هي الآلية التي يمكن من خلالها أن نبدأ فعلا
بداية لابد من توفر عقد مجتمعي جديد بين المجتمع والسلطات الحاكمة فيه، سياسية اقتصادية أم دينية ،ينطلق من اعتبار الفرد في المجتمع مواطنا يتمتع بكافة حقوق المواطن ، بحيث يكون عقله مشرعا للتفكير الحر دون قيود، منتجا بذلك أفكارا لا حصر لها ولا حدودا، قابلة للأخذ والرد عبر الحوار الثقافي المعرفي وليس من خلال التكفير أو التخوين. ولا يمكن تحقيق ذلك – كما نفترض هنا – إلا من خلال:
1ـ وجود حريات مجتمع مدني واسعة. وديمقراطية سياسية مؤسسة على دستور حقوقي علماني واضح يتيح المجال واسعا لحق وحرية الحراك والقول السياسي ويكفل حق وحرية الرأي والقول الثقافي عموما والفكري الفلسفي. مع توفر منابر ثقافية مستقلة عدية ومتنوعة.
2ـ انفتاح المؤسسات المالية الخاصة، وخاصة رجال المال والأعمال، على الثقافة والفكر بأفق حر مفتوح. بدون شروط مسبقة، بشكل يتيح الفرص باستمرار للمواهب والإمكانيات الثقافية والفنية والفكرية بالظهور والنبوغ. والمساعدة في تعميم الثقافة على الجميع في تنافس معادل ومشروع، لجهود الفضائيات العربية الحالية، والعديدة، في تعميم ثقافتها الخاصة، الاستعراضية الخفيفة منها أم الدينية المتزمتة، على الجمهور العربي عموما. فالثقافة الجادة المزدهرة في المجتمع لها أيضا مردودها الاقتصادي التنموي المزدهر على المجتمع كما على رجال المال والأعمال أيضا.
كل ذلك يكون – كما أفترض هنا – بمثابة مقدمات لمحاولة استنهاض وخلق نهضة ثقافية مجتمعية واسعة تنتج فيما بعد فلسفتها الخاصة.
وكي أكون أكثر دقة سوف أستعير من كتاب ) المثقفون ) لبول جونسون، مثالا تطبيقيا مستمدا من التجربة الأمريكية منذ منتصف القرن التاسع عشر. حول ولادة النموذج الثقافي الأمريكي وحكمته الفلسفية، التي رسمت أفقا مستقبليا ناجحا خاصا للشخصية والمجتمع الأمريكيين  ” المثقفون ” بول جونسون،ترجمة: طلعت الشايب دار شرقيات. الطبعة الأولى 1998. القاهرة. ولتوضيح فكرتي الخاصة في هذا المقال سوف أقوم باستشهادات مطولة من الكتاب، الفصل الخاص عن ” أرنست همنغواي ” لاسيما الصفحات 149، 150، 151، 152، 153 ).

أ-  بداية كانت الولايات المتحدة الأمريكية بمثابة الأرض البكر حتى القرن التاسع عشر، أرض وفرة وفرص كبرى، فالناس مشغولون بالحصول على المال والإنفاق والاستثمار وبالتالي الاندماج فيما بينهم. كما أنها كأرض مكتشفة حديثا لم تشهد ما سمي أوروبيا بـالنظام القديم ولم يكن فيها طبقة  اكليريكية مؤسساتية ، فالدين فيها كان تحت تصرف الجميع، ولذلك فهو  معني بالسلوك وليس بالجمود  موفرا حرية الاعتقاد الديني حسب التنوع الطائفي الموجود. فالدين تعبير عن الحرية وليس تقييدا لها.
ب – ظهرت روح ثقافية وطنية كرد فعل على بقايا ممثلي الإرث الثقافي الأوروبي الاستعماري. فكان أكبر ممثل لهذه الروح ” رالف والدو إيمرسون  1803 – 1882″،  الذي أعلن أن هدفه كان استخراج ” الدودة الشريطية الأوروبية ” من جسم أمريكا وعقلها وأن ” يطرد الولع الأوروبي بالولع الأمريكي “. فهو زار أوروبا لكن برؤية نقدية قوية وفيها اكتشف ” كانط” وعاد إلى أمريكا ليبدأ بتأسيس مذهبه الفكري والفلسفي الخاص. وكان باستمرار ضد النخب الثقافية والفكرية،كان يقول إن أول أمريكي قرأ ” هوميروس ” في مزرعة قد أدى خدمة جليلة للولايات المتحدة، وأنه عندما كان يرى رجلا يقرأ كتابا في قطار كان يود أن يعانقه، كانت فلسفته الاقتصادية والسياسية الشخصية تتطابق مع الفلسفة العامة التي كانت تدفع الأمريكيين عبر القارة نحو تحقيق قدرهم الواضح ” القاعدة الوحيدة الأمينة توجد في نظام يتوازن داخليا بين العرض والطلب، لا تضع تشريعات، تدخل وسوف تنتزع القوة بقوانينك المالية. لا تقدم هبات، سن القوانين المتكافئة، حافظ على الحياة والممتلكات ولن تحتاج إلى تقديم الصدقات. افتح أبواب الفرصة أمام الموهبة والفضيلة وسوف تكون صادقة مع نفسها ولن تكون الملكية في أيدي سيئة” لذلك  كان الملاك والمدراء يروجون له بطريقة إيجابية. وعندما ذهب  إيمرسون إلى بتسبورغ في سنة 1851 أغلقت الشركات أبوابها باكرا حتى يتسنى لصغار الموظفين الذهاب والاستماع إليه، رغم أن سلسلة محاضراته لم تكن مكرسة لدعم النزعة التجارية، بل تتناول – على سبيل المثال – “الغريزة والإلهام “، ” تطابق الفكر والطبيعة “، ” التاريخ الطبيعي للعقل “… فهو  كان يميل إلى تقديم الدليل على أن المعرفة إلى جانب الشخصية الأخلاقية يمكن أن تؤدي إلى نجاح العمل التجاري. لذلك تطورت شخصيته الثقافية كنموذج يحتذى . حتى صار نموذجا أمريكيا في نهاية سبعينيات القرن التاسع عشر،  كما كان “هوغو ” بالنسبة لفرنسا، وتولستوي بالنسبة لروسيا.
ج – ظهور وتطور حركة جمعيات المحاضرات العامة التي قام بتأسيسها ” جوسيا هولبروك ” سنة 1829 لتثقيف الأمة التي كانت آخذة في الاتساع. ثم أنشئت قاعات المحاضرات العامة ” الليسيوم ” حتى صار يوجد بنهاية الثلاثينيات قاعة في كل مدينة كبيرة تقريبا،(إلى جانب المكتبات وجمعيات المحاضرات والمناظرات التي يقيمها التجار والموجهة للشباب وغير المتزوجين وموظفي البنوك والباعة في المحلات..إلخ أي الذين يشكلون أغلبية المدن) وكانت الفكرة من وراء ذلك هي إبعادهم عن الشوارع والارتقاء بعملهم التجاري وبمستواهم الفكري.
اخترت أن أختتم مقالتي هذه مستشهدا بالتجربة الأمريكية بما له علاقة بفكرة المقال الرئيسة، لسببين لهما علاقة بحالتنا العربية الراهنة:
1ـ كونها التجربة الأحدث بعد تجربة الحداثة الأوروبية، التي تمفصلت معها بداية ثم غادرتها نهائيا نحو التفوق والسيطرة، لذلك فهي الأقوى في عالمنا المعاصر وحتى المدى المنظور على الأقل. ومعروفة تماما علاقة التبعية القوية لقوى المال النفطي العربي. والنظم السياسية العربية الحاكمة اليوم، بالولايات المتحدة الأمريكية.
2ـ السعي المحموم نحو عالم المال والتجارة والاستثمار لم يلغ الرغبة الجامحة في الرقي الثقافي، بل إن نجاح الأمر الأول، مهنيا وأخلاقيا، بحاجة لنجاح الأمر الثاني بتمفصل مجتمعي داخلي كبير وقوي. عكس سياسة أرباب المال والاقتصاد والسياسة في العالم العربي التي تهتم فقط باستثماراتها الخيالية في المجمعات السياحية الضخمة، بأبراجها الشاهقة جدا. على حساب تنمية حقيقية للمجتمع لاسيما للشرائح الفقيرة فيه. فكيف بالهم التنويري للإنسان في المجتمع.
طبعا لا نتجاهل هنا تخصيص بعض المتنورين القلائل من رجال المال والأعمال العرب البعض من عوائدهم المالية لدعم ورعاية الندوات والمؤتمرات والمهرجانات وبالتالي بعض الجوائز الثقافية، لكن بآلية تكرس نخبوية الثقافة، دون محاولة استنهاض حالة ثقافية تنويرية كبيرة في المجتمع، على النحو الذي حاولت توضيحه في استشهاداتي المطولة من كتاب” المثقفون “.
فالمال والثقافة: بمعنى التراكم الاقتصادي التنموي، والتراكم العلمي والمعرفي. هما عنوانان كبيران جدا لنهضة المجتمع وتقدمه الاقتصادي والثقافي والفكري الفلسفي. والأمثلة على ذلك من تاريخ الحضارات البشرية قديما وحديثا كثيرة. أما التفاصيل الفرعية بخصوص كيفية تمفصل العلاقة الصحيحة بينهما، فتحتاج لحوارات طويلة وصعبة، لاسيما في سياق لحظة تاريخية خاصة كالتي تعيشها شعوبنا ومجتمعاتنا العربية. حيث تشير تقارير التنمية الإنسانية العربية منذ بدايات القرن الحالي إلى أرقام مخيفة بخصوص نسبة تفشي الأمية، ووضع المرأة المتدني، وضعف الترجمة لجهة اكتساب المعارف والعلوم الحديثة. وهجرة العقول والكفاءات وتفشي البطالة..إلخ.
فخلاصة القول إنه دون تفكير فلسفي مستقل ومبدع، يستطيع رسم أفق مستقبلي لمجتمعاتنا وشعوبنا، فلا مؤشر واضح على أننا سننهض .
بعد ذلك أليست الفلسفة حاجة عربية راهنة؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق