حادثة سير

“أتمنّى أن تكونوا قد قضّيتم في ضيافتنا، أيّاما ممتعة، رافقتكم السّلامة، وإلى اللقاء في الصّيف المقبل”.
بهذه الكلمات ودّعني صاحب الفندق، عندما هممت بالرّحيل، وقد أوصاني بالتزام الحذر، فكثيرا ما يسمع أنباء عن حوادث سير مروّعة، تقع في مثل هذه الأيّام من شهر أغسطس، عندما يكون المصطافون عائدين إلى ديارهم بعد قضاء إجازاتهم الصيفيّة بالنزل والفنادق.
على الرّغم من هذه الأخطار، كنت من الذين يحبّذون السّفر فجرا، إذ طول المسافة التي تفصلني عن مدينة إقامتي، تجعل نسبة أن يدركني ظلام الليل بالطريق كبيرة، وعندها تبدأ أتعابي لتحمّل أضواء السيّارات، ومعاناة التّركيز بدقّة السّياقة في رحلة العبور هذه إلى مرافئ السّلامة بمدينتنا…
غادرت صحبة زوجتي وابنتي الصّغيرتين الفندق، واتّجهنا صوب الطّريق السيّار، الذي تستغرق فيه الرّحلة قرابة الثّماني ساعات أو تزيد… قطعنا المائة كيلومترا الأولى، وقد كنّا خلالها نجتاز هضابا ووديانا مستعرضين في أذهاننا ذلك الكم الهائل من الذكريات الجميلة التي عشناها مدّة شهر بالفندق، والتي كانت كالحلم الجميل…
وانقطع هذا الحلم، عندما هزّت مسامعنا فرقعة قويّة انبعثت من داخل المحرّك… كان محوّل السّرعة قد انفصل عن موضعه، وهو ما قد يستدعي انتظار الساعات الطوال لإصلاح العطب…
حضر الميكانيكي… كانت أشعّة شمس العنيدة تنفذ من خلال زجاج النّوافذ لتلسع أجسامنا بلهيبها، على الرّغم أنّها لم تتوسّط السّماء بعد… وفي السّاعة الثّانية بعد الظهر، كان الميكانيكي قد أتمّ عمله، وأصلح عطب السيارة كأحسن ما يكون، كنا قد تأهبنا لمواصلة الرّحلة… ولاختصار المسافة الطويلة المتبقية إلى مدينتنا، ارتأيت أن أجتاز مسلكا جبليا… كانت المسالك خالية وموحشة، وفي العادة يستعمل مهربو المخدرات والسّلع المحظورة هذه المسالك للتهرب من الدوريات الجمركية وأعوان المرور…
كانت زوجتي قد اعترضت عن السّير بهذه المسالك قائلا بكل حدّة: “الأجدر بنا أن لا نخاطر بأنفسنا، خاصة أن السيّارة معطبة”
أجبتها في ثقة مصطنعة: “ليس لنا من حلّ غير هذا، حتّى لا نضطر إلى المبيت في العراء بحلول الليل”.
كانت الطريق توحي بالسّكينة والهدوء على الرّغم من منعرجاتها الضيقة…
مرّت ساعتان لم نشاهد خلالها إلا سيّارة واحدة وشاحنة محمّلة بصناديق لا نعلم محتوياتها…
كان الطّقس حينذاك قد تغيّر، سحب كثيفة غطت السّماء وبدا وكأنّها تنذر بقدوم عاصفة هوجاء… خفّضت من سرعة السيّارة حتّى أتمكّن من عبور منحدرات الطريق الوعرة، التي تخترق غابات الفلين… تدفقت الأمطار تهطل بغزارة… كانت زوجتي آنذاك تختلس النظرات نحوي، أدركت من خلالها أن الخوف بدأ يدب في نفسها شيئا فشيئا… أشعلت أضواء السيارة… اعتدلت جيّدا في مقعدي، وأحكمت قبضتي على المقود ثمّ ركّزت بصري إلى الأمام… أمطار طوفانيّة تغرق المكان… وفجأة لمحت عن بعد شبحا منتصبا في الظلام ملوّحا بشيء في يده… وجّهت الأضواء الكاشفة نحوه، وكم كانت دهشتي كبيرة لما تبين لي أنه يلوح بقضيب سميك أبيض اللّون وكان يعدو باتجاهي… صاحت زوجتي صيحة كادت تفقدني توازني: “إيّاك أن تتوقّف… إنهم قطاع طرق…”
وبدافع غريزي، ضغطت على دواسة السّرعة، سمعت على إثرها ارتطاما قويا بمقدمة السيارة، وظهر لي الشبح، من خلال المرآة، يهتز على الأرض…
تابعت طريقي وأنا لا أصدّق ما وقع: هل ما حدث حقيقية؟ أم أنّه مجرّد كابوس عابر سببه الإرهاق الشّديد الذي اعتراني طيلة السفر؟
قصدت أوّل مكتب اعترضني لـ”الدرك”… أخبرت الضّابط بما حدث، انتقلنا إلى المكان… كانت هناك سيّارة متوقّفة تحت الأشجار وقد “تسمّر” بجانبها شخصان… اقترب الضّابط منهما، وقبل أن يسأل، صاح أحدهما:
-” لقد هرب الجاني، أيّها الضّابط بعد أن داس زميلنا. “ثم سلّمه ورقة صغيرة وهو يتابع قائلا: “وهذا رقم سيّارته”
سأله الضّابط:
-“أين الضحيّة”؟
أطل شخص من نافذة السيّارة وبقايا من آثار الدماء على وجهه، وهو يقول في ألم:
-“سيّدي الضابط… أشعر بآلام كبيرة برجلي اليمنى، ودوران شديد برأسي، مع شدّ قوي في مستوى رقبتي، ولولا ألطاف الله لكنت الآن في عداد الموتى”
وكم زادت دهشتي لمّا عاد الضّابط بعد انتهائه من إنجاز المحضر وهو يخبرني قائلا:
-“إنّ الأشخاص الثلاث أطبّاء كانوا يحضرون مؤتمرا طبيّا في إحدى مدن الشّمال، وحدث أن أصيبت بطاريّة سيارتهم بعطب، فخرج الضحيّة يستوقف السيّارات لنجدته”
سألت الضّابط مستفسرا:
-” والقضيب الأبيض الذي كان يلوّح به”؟
أجاب بنبرة أسف:
-“إنّها ، يا أستاذ، أوراق جريدة ملفوفة، كان يشير بها للسّائقين، طلبا للمساعدة”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق