حارقو الأمل واليأس.. غريبو الضّفّتين

مرّة أخرى يقرع “المهاجرون السرّيون” أبوابَ جُزُرنا المطمئنّة ويثيرون بحرائقهم وصخب ألمهم أسئلة كدنا ننساها عن معاني الحياة في عالم يوهم بتنميطه للأسئلة والأجوبة في كلّ ما هو معولم. فاحتجاج المهاجرين السرّيين التونسيّين (أو “الحارقين” حسب التّسمية النّمطيّة) على قرار اٍبعادهم القسريّ من ملاجئ ايوائهم في اٍيطاليا اٍلى تونس، يبرز عمق مأساة عالمنا الذي يسعى اٍلى بناء هيكل من الأنساق المركّبة والمتجاورة. هيكل تسجن فيه كلّ قضيّة من القضايا التي تمسّ حياة الأفراد والمجموعات في قوالب نمطيّة تمنع رؤية الأسباب العميقة للقضايا وتحوّلها اٍلى مادّة للاستهلاك السلبيّ.

فالهجرة السريّة تتحوّل بفضل آلة التّنميط من موضوع يطرح كلّ الأسئلة عن الأمل واليأس والعدالة الاجتماعيّة، والرّغبة الجامحة في الخروج من القلّة والنّدرة إلى الرّفاهيّة وإلى الآخر المضياف، تتحوّل اٍذا اٍلى مجرّد قضيّة أمنيّة تستمثر خوف الآخر من جحافل الحارقين/ المرتحلين، خوفنا نحن “أبناء جلدتهم” من هؤلاء اليائسين الذين يكدّرون صفو راحتنا، نحن الذين وجدنا طريقنا للاستفادة من “خيرات” العولمة الممشهدة.

لقد تعوّدت أعيننا بفضل هذا التّنميط على رؤية جثث الحارقين الفاشلين طافية على ضفاف شطآننا. اٍنّهم غرباء في بؤسهم ومشبوهون بسبب نقص حيلتهم في التّكيّف مع مجتمعاتنا مثلما تكيّفنا نحن.

أمّا في الضّفاف الأخرى، ضفاف بلدان الدّيمقراطيّة والرّفاهيّة النّسبيّة، فاٍنّ الحارقين الذين نجحوا بمركباتهم البدائيّة في العبور، هم الأغراب الذين يهدّدون تاريخا من تراكم الثّروات بني بالعرق والدّموع وأشياء أخرى كالحملات الاستعماريّة.

اٍنّ اٍدراج المهاجرين السرّيين في نسق واحد هو النّسق الأمنيّ، وما ينتجه من خوف وردود فعل مرتعبة في الضفّتين، هو المرحلة القصوى لتحوّل عالمنا من محاولة المعالجة الاٍنسانيّة والحكيمة للقضايا اٍلى بناء نظريّة وممارسة الخوف: الخوف من الفقير، والمهمّش في المدن والأرياف، والمنتمي إلى الأقلّيات، وأطفال الشّوارع، والنّاقد الرّاديكاليّ للسّياسات المهيمنة، والمبدع الرّافض للمشهد السّائد، والباحث عن الحرّيات.

إنّها أنساق الأمن المطلق التي تتناسل منها سياسات خوف تعصف ببقايا عالم قديم. عالم كان يحاول رغم كلّ مشاكله إقامة سياسات تنبني على احترام حقوق المهاجر واللاّجئ. الهجرة واللّجوء هما المجال القصيّ في بؤس الوضع الاٍنسانيّ، فكان لا بدّ من بناء هوامش لاستضافة الآخر الهارب من الخوف والفاقة.

بين ضفاف القارات وحدود الدّول يعيش “الحارقون” من مختلف الجنسيّات والفئات العمريّة. يمضون أيّامهم في ملاجئ وقتيّة أو في سجون المهن غير القانونيّة التي تشبه في ظروف العمل أكثر أشكال العبوديّة شدّة وقسوة. اٍنّها القرابين التي تنحر في شبكات الاستغلال الاقتصاديّ والجنسيّ والاتّجار في الأعضاء البشريّة.

ولكن ما يخيفنا أكثر في هؤلاء هو تعبيرهم عن مأزقنا شمالا وجنوبا. إنّهم يمثّلون اللّحظة التي تجمّع كلّ مآسينا: عجز دول الجنوب عن بناء دولة “الرّفاه” الوطنيّة، والحرمان من السّياسيّ الذي يبني اٍمكانيّة تحسين الفرد لشروط وجوده… وفشل دول الشّمال في اعتماد كونيّة مضيافة تبني ديمقراطيّة الكائن المتحرّر من الهويّات المنغلقة. الكائن المرتحل بين حدود الجنس واللّون والانتماء الاجتماعيّ والاقتصاديّ والثّقافيّ.

من أجساد الحارقين المقتولة أو السّجينة نتعلّم درسا أساسيّا هو ضرورة تجاوز ثنائيّة الأمل واليأس نحو حكمة النّظر في ما يجمعنا خارج سجون الخوف ورعب الأنساق.

*****


هؤلاء الذين حلموا

ببلاد

لم يعودوا إلاّ بأشلاء كوابيس

يطوفون بها في العراء

لا أثر لرحلتهم

لا ذكريات

عويلهم ينهش الأفق

حين تقطّع خناجر الوهم

لغاتهم

هذه الرّغبة السّوداء التي تقرع

ثقوب أجسادهم

توقّع سقوطهم في أعماق

الوقت

هذه الحجارة التي تتقاطر

من عيونهم

دموع تحتضن أكفانهم


أعمار تذبل في العدم

عدم هنا

عدم يدوم.

هؤلاء الذين يجدّفون

في بحار الموت

بأياد مقطوعة

قواربهم تفيض بالدّموع

والصّلوات

الرّاحلون على ألواح الوهم

ينشدون:

أنصتوا لحظة إلى رعبنا

أنتم أيّها الغارقون

في راحتكم الكاذبة

أيّها الملتحفون

بسعادة جزركم

الموبوءة

صلّوا من أجلنا

من أجل دمائنا التي تلطّخ

كلّ المدن

تشهد على تاريخنا

صلّوا لهذا الدّم الشّريد

الذي ينزّ من جراح

النّهايات.

هؤلاء الذين تدهسم اللّغات

بلا رحمة

تمزّقهم

تسلخهم

يبتلعون عارهم

لقمة

لقمة

ويصرخون:

أيّها الشّرق

هذه بقايانا قربانا

لمسلخك العظيم

هذه بقايانا شاهدة

فوق قبور فراغك

الكونيّ

يصرخون:

هذه الحياة تمضي

دوننا

ومياه السّعادة تضجّ

خارج بركنا

الرّاكدة.


من أجل لا شيء

يموتون

جثثهم لا تليق

بأيّ مزاد

حتّى الشّعارات والقصائد المنهكة

لم تلفّع جماجهم الملقاة في

اللامكان

هؤلاء الذين خسروا الحداد،

بعد طول عناء،

أرواحهم تصعد

تصعد

للرماد العفن الذي لا

يشهد

لنهاية الحكايات.


من أجل لا شيء

يتهاوون كشهب سوداء

أياديهم المتضرّعة

تشدّ على ورود

تأتي متأخّرة

شفاههم التي لهجت بالدّعوات

تنزف حليب الأمل

المرّ

القدّيسون بدون سماء

بعثروا على وجه الأرض

جنّات عديمة الجدوى

الأبرياء المحنّطون

في توابيت المطلق

المنتحرون على أعتاب الوجود

تضيع أرواحهم

في دهشة السّفر

الأخير.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق