حازم صاغية في ‘مذكرات رندا الترانس’: سيرة ذاتية تتجاوز الذات ولغة ملتبسة تعكس الالتباس الجنسي / ناظم السيد

بعيداً عن السياسة والتاريخ والاجتماع، يقع كتاب حازم صاغية الصادر حديثاً في ' دار الساقي' بعنوان ' مذكرات رندا الترانس'. كتاب يؤرّخ فيه الكاتب السياسي لفؤاد الشاب الذي يعاني التباساً في هويته الجنسية، الأمر الذي دفعه إلى تغيير اسمه إلى رندا في انتظار تغيير جنسه عبر عملية جراحية تزيل عضوه الذكري الزائد وتعلن أنوثته التي ورثها بالجينات.

 

أصول وتواريخ

 

السيرة التي تكشف عن نفسها هنا كجنس أدبي، السيرة الذاتية التي يجريها الكاتب بلسان المتكلم، تكف عن كونها سيرة فرد لتغدو فجأة سيرة جماعة وسيرة مجتمع. تتداخل في سيرة رندا أخبار أصول العائلة المنحدرة من العثمانيين والتي سكنت الجزائر بعدما كان السلطان العثماني عيّن جد جدتها لأبيها (رندا) باشا للجزائر، وهذا الجد يدعى أحمد باي الذي كان باي القسنطينة. هكذا حارب أحمد باي الفرنسيين الذين استعمروا الجزائر سنة 1830 إلى جانب عبد القادر الجزائري، وكاد أن ينشأ بين القائدين حلف لولا عصبوية عبد القادر العربية ضد الأتراك. كما ينحدر من عائلة رندا حمّة العمري ابن عم جدها لوالدها الذي كان مناضلاَ إلى جانب مصالي الحاج ' شيخ الوطنية الجزائرية'. وقد قتل العمري بعد استقلال الجزائر وقيل وقتها إن هواري بومدين كان مسؤولاً شخصياً عن مقتله. وهناك الشيخ مصطفى الزمرلي خال أم رندا الذي كان زميلاً للشيخ عبد الحميد بن باديس في ' جمعية العلماء المسلمين'. أما والدها فهو مدرّس لغة فرنسية ورياضيات، في حين اقتصر تدريس الأم التي تحولت من أم منفتحة وشغوفة بالثقافة الفرنسية والأغاني الفرنسية إلى متدينة، اقتصر تدريسها على الفرنسية. هذه السيرة التي تبدو عائلية لا تلبث أن تغدو ذاتية ثم جماعية. سيرة رندا التي تعرضت لاغتصاب وعنف واضطهاد وجوع وخيانة من أقرب الناس إليها، ليست سوى واجهة لسيرة تلك الفئة من الناس التي تعاني من ازوداج الهوية الجنسية وأحياناً من ازدواج الأعضاء الجنسية الذكورية والأنثوية في مجتمعات لا يُسمح للأنا الخاصة بالتعبير عن نفسها. مجتمعات يبدو فيها الفرد مسحوقاً بقوة الكليات. ليست رندا الترانس سوى نموذج لهذه الجماعة، وليست سيرتها سوى اختزال لسيرة مجتمع. إن سيرة كهذه – على خصوصيتها- ليست أكثر من واجهة لقراءة تاريخية وسياسية واجتماعية للجزائر. من خلال رندا الترانس وعائلتها يمكن للقارئ أن يتتبع تلك الانتقالات التي مرّت بها الجزائر منذ الاستعمار الفرنسي إلى مرحلة التعريب ثم مرحلة الإسلاميين ثم مرحلة الصراع الدموي على السلطة في التسعينات وصولاً إلى النظام الراهن الممسك بمفاتيح الحكم وأقفاله. والأهم يمكن له أن يرى نسيج العلاقات المعلنة والسرية، تضارب الثقافتين الفرنسية والعربية، تمازج الأخلاق الأرستقراطية مع الأخلاق البرجوازية الصاعدة بفعل إدارات الدولة والتجّار الصغار، ثم تصارع هاتين الثقافتين مع الطبقات الدنيا.

 

كتابة سيرة ' ذاتية' لامرأة ' ترانس' من قبل حازم صاغية يبدو امتداداً نقيضاً لكتب سابقة كتبها المؤلف واستكمالاً لها في الوقت نفسه. ' الهوى دون أهله' الذي أعاد فيه الكاتب قراءة الظاهرة الكلثومية ( نسبة إلى أم كلثوم)، لم يكن سيرة ذاتية لسيدة الغناء العربي على ما وصُفت به من ضمن أوصاف كثيرة وألقاب مثيلة. ' الهوى دون أهله' كان سيرة مضادة لأم كلثوم. كان تصحيحاً لسير عديدة كتبها آخرون عن ' عبد ناصر الغناء العربي'. ولم يكن تصدير المؤلف لكتابه ذاك بعبارة ' طعناً بعناوين سيرة' إلا توكيداً منه على هذه القصدية التي هدف بها إلى تفكيك ما اتفق على أنه سيرة لأم كلثوم. ذلك أن السيرة لا تكون كذلك وهي تترفع عن الوقائع وتنكتب وفقاً لمخيلة سحرية وتقية اجتماعية. هذه المخلية وتلك التقية كانتا سبباً في انتفاء وجود سيرة عربية بالمعنى الذي تنطوي فيه السير على نكران للذات وفضح للحدائق الخلفية لأصحابها على ما فعل استثناء محمد شكري في ' الخبز الحافي' ورؤوف مسعد في ' بيضة النعام' وعبد القادر الجنابي في ' تربية عبد القادر الجنابي' و' سهيل إدريس' في '………'. ذلك أن من شروط السيرة أيضاً أن تكون قادرة على إبانة رضوض الأسرار. وهذا ما تفعله ' مذكرات رندا الترانس' في حال من الأحوال.

 

عطفاً على عادة كتابية

 

والحال، فإن طرْق حازم صاغية أبواب السيرة هو الذي كتب يوماً كتاباً أسماه نفياً على سبيل التوكيد ربما ' هذه ليست سيرة'، لم يكن طرقاً بعيداً عن كتاباته الأخرى وضرباً في أراضٍ جديدة. لهذا سبق الوصف بأن هذا الكتاب يتقاطع مع نتاج صاغية مثلما يفترق عنه. وإذا كان الافتراق أكثر ما يبدو هنا في موضوع الكتاب فإن التقاطع يظهر من خلال ميل صاغية إلى التأريخ للآخرين أفراداً وجماعات. وليست كتب من مثل ' أول العروبة' و' وداع العروبة' و' تعريب الكتائب اللبنانية' و' بعث العراق: سلطة صدام قياماً وحطاماً'، تلك الكتب السياسية بامتياز، ليست سوى سير غير مألوفة في فن السيرة وغير خاضعة للتجنيس الشائع في فصل الكتب أجناساً ومذاهب.

 

ليست السيرة وحدها ما يشير إلى ' مذكرات رندا الترانس' ويدل عليها. في هذا الكتاب يدخل صاغية حقل الأدب بمعناه الروائي أو القصصي. لا أتحدث هنا عن بنى وإن كان الأمر ممكناً إذا أخذنا في الحسبان أبنية روائية كما لدى ميلان كونديرا عالمياً وحسن داوود ومحمد أبي سمرا لبنانياً، وإنما أتحدث عن لغة صاغت هذا العمل وصيغت به.

 

جملة صاغية هنا بقدر ما تضمر من أفكار بقدر ما تبدي قدرة على إنتاج أفكار. أظن أن الفرق بين الأدب والعلوم الإنسانية المتعددة أن الأول منتج للتفكير في حين أن الأخيرة حاملة للتفكير.

صحيح أن الكاتب لا يتوانى عن التعليق والشرح والاستنتاج في مواضع كثيرة من الكتاب، لكنه في الوقت عينه يجيد الاختفاء وراء عبارته تاركاً لهذه العبارة أن تظهر تأدبها، أي أن تظهر ذكاءها عبر جمالياتها. هل الأدب هو الصيغة التي ينوجد فيها الجمال والذكاء متزامنين ومتكاملين؟

 

إذا كان هذا بعض فهمي للأدب فإن ' مذكرات رندا الترانس' كتاب أدبي أيضاً. وإذا كان لي أن أملك فهماً لعبارة ' لكل مقام مقال'، أمكنني القول إن جنس هذا الكتاب كموضوعه ' ترانس': مزدوج وملتبس.

 

عن جريدة القدس العربي 6/4/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق