حالة نصف حصار: تداعيات ذاكرة وكلمات زوار..!

(نحب الحياة غداً. عندما يصل الغد سوف نحب الحياة، كما هي، عادية ماكرة، رمادية أو ملونة.. لا قيامة فيها ولا آخرة. وإن كا…). 
صمت وأغمض عينيه. والمنطق أن يصمّ أذنيه. أتراه خوفه على حرمة مشهد الليل التي انتهكها صوت القذيفة المدوي كانهيار للسماء على الأرض؟ يا لغرابة الشعراء! بعد قليل سألني وكأننا في فردوس محرّم أن يعكّر نعيمه مكروه:
– أين وصلنا؟ 
– القذيفة السابعة من الحاجز الثاني انهار المبنى الثالث.. 
– بماذا تهذي أيها الأبله؟! هل تحسب نفسك مراسلاً حربياً في بيروت 1982؟!. قاطعني بنزق. 
– بل مُحاصراً في حمص 2011.. أجبته على الفور. 
– الفارق كبير جداً.. 
– لو كان كذلك لما ذكرتَ بيروت 1982! لا تنكر الشعور فهو دليل دامغ. أنت الآن تعيش حالة حمص 2011 كما عشتَ بيروت 1982.. 
– لا تنس في خضم هلوساتك الفلسفية أن المشاعر خادعة لا تصلح أدلة عقلية.. 
– عظيم! أنا أؤيدك في هذا، لألزمك أولاً بأن المشاعر بضاعة الشعراء، ثم لأقرر بدلالة الواقع العملي المباشر أن بطلانها كأدلة للمعرفة العقلية الموضوعية حكم معياري. وهذا شيء مختلف لا يتناقض مع واقعة حضور المشاعر كعامل من عوامل تكوين المعرفة. في الحالة الثانية نحن أمام واقعة نتملكها بحكم وضعي.. 
– حين تزج بالأبستمولوجيا على هذا النحو لن تكون النتائج سوى ضلالات.. لا يمكن لك المساواة بين حرب ذي قار وحرب كندة، بين حرب سيف بن ذي يزن وبين حرب البسوس أو عبس وذبيان.. ثمة فروق جوهرية.. 
– هذه هي المشكلة! الجوهر والجوهرية. إذا كان العالم وجوداً موضوعياً يتوقف إدراكه على نشاط النفس الواعية، التي تنطوي فيما تنطوي عليه على عناصر لا عاقلة منها تلك المشاعر كما منها الأهواء والمصالح والعقد والمخاوف والأوهام وضغوط الخارج.. لا يمكن أن ننكر أن آلية تعقّل الوجود تبدأ من أعراضه كما تعكسها الحواس. ثم يتشكل منها للعالم جوهراً في أعماق ملكة الإدراك مع احتمال تأثير لتلك المكنونات..؟ فأي جوهر موضوعي نتحدث عنه؟ وما لدينا لا يعدو كونه مجرد صياغة ذهنية، تتباين من نفس لأخرى بتباين دور العناصر العاقلة أو غير العاقلة في تلك الصياغة..؟ الوجود كما هو في جوهره، في حدّ ذاته، غيب! ميتافيزيقا! الظلم هو الظلم. هو عَرَض واحد سواء أكان الظالم قريباً أم غريباً.. وأية اختلافات بين ظلم وآخر ليست إلا اختلاف المشاعر، التي تعتمل فينا تجاه الظالم وتجاه المظلوم، قبل وقوع الظلم.. إنها المشاعر التي ستنجح في جوهرة العرض، فنتوهم فوارق بين مصراتة 2011 وبغداد 2003 أو بين درعا أو جسر الشغور أو حمص 2011 أو حماة 1982 وبين بيروت 1982 أو غزة 2008..
أطلق زفرة من تمكن منه الضجر. أغمض عينيه مجدداً حين انطلقت قذيفة أخرى تزلزل الوجود. 
كيف تتحول التفاصيل والجزئيات إلى كليات ثابتة؟ في العصر العباسي تحدث كثير من الكتاب عن هذا. الجاحظ كتب، في معرض التمييز بين عقلية العرب وبين عقليات غيرهم، أنهم يتعلقون بمعرفة خواص الأشياء بينما غيرهم كالروم يتعلقون بمعرفة طبائعها.. وهذا بلغة العصر الحديث يعني العقلية الجزئية التحليلية بالنسبة للعرب والكلية التركيبية بالنسبة لغيرهم. وهنا أيضاً سنجد كثر، مثل أرنست رينان، ممن سيخرجون من هذا أحكاماً معيارية لعبت الأهواء في تخريجها أكثر مما ساهمت المعرفة التاريخية.. أيا يكن! لا تبدو لي عملية تحويل الجزئي إلى كلي، العرضي إلى جوهري، المتغيّر إلى ثابت.. إلا مظاهر من حالة شعورية معرفية هي الشعرنة.. الشعرنة كنقيض تام للعقلنة! 
حين خرجت من شرودي لم أجده. كان الليل قد استرد لبعض الوقت شيئاَ من هدأته فتشجعت وخرجت إلى الشرفة بحذر من أن أظهر للحاجز الأمني-العسكري. أطللت على الجنوب الغربي حيث حي بابا عمرو. المدفعية هناك لا تهدأ. وسقوط الأبنية وارتفاع أعمدة الدخان هو الجواب الوحيد. هذا عرض آخر يقتحم السواد فيزكم الأنوف. لعل زائري لم يحتمل رائحة البارود فشتان ما بينها وبين رائحة خبز وقهوة الأم.. 
عليّ أن أفعل شيئاً! أفضل شيء يفعله المرء حين يكون عاجزاً تحت حصار هو أن لا يفكر فيه قدر الإمكان. فتحت التلفاز فكانت قناة الدنيا شبه الرسمية. طالما كانت تعلن في الشهور الماضية أن أهالي المدن السورية يستنجدون مطالبين بتدخل الجيش. وحين كان أهالي المدن يضمنون مظاهراتهم الداعية لإسقاط النظام لافتات تكذب ادعاءات الدنيا، وغيرها من القنوات الموالية للنظام السوري، كان ترد بزيف هذه المظاهرات و(فبركتها) من قبل جهات خارجية مع قنوات إعلامية عربية وأجنبية مغرضة لم يعد لها شغل إلا التآمر على سوريا قيادة وشعباً للنيل من مواقفها الوطنية المبدئية الثابتة وكسر روح الممانعة والدفاع عن قضايا الأمة العربية.. ما سمعت مرة هذا الإنشاء إلا وتذكرت فن الخطابة القديم الذي بلغ، في أكثر الأحيان، درجة الترادف التام مع الإثارة العاطفية والغياب التام لأية محاكمات عقلية خالصة، فأتذكر معلم اللغة العربية قبل عشرين سنة وهو يردد: أروع الكلام شعر وأحطّه شعر وشتان ما بين شعر وشعر.. قناة الدنيا، التي استحضرها مثلاً يختزل خطاب النظام وعدة قنوات وألوف مؤلفة من البشر في الداخل السوري وخارجه، صورتْ دخول الجيش لكثير من المدن، لا من لحظة بدء أو تمام مهمته من قصف وقتل واعتقال على مدى أيام وأسابيع بل وشهور في بعض المدن والبلدات، إنما من لحظة تجميل ميدان المعركة وإزالة كل الآثار الرهيبة. صورتْ طوال الشهور الماضية الجيش بألياته وطوابيره وأرتاله الهائلة في درعا وجسر الشغور وغيرها والأهالي يستقبلونه بالورود والدبكات. كما بثت لقاءات مع بعضهم يعربون عن فرحتهم بعودة الأمان إلى مدينتهم المحررة من الإرهابيين بشجاعة جنود الأسد البواسل، دون أن تعبأ هذه القناة بالتباين التام بين لهجة من أجرت معهم تلك اللقاءات واللهجة المعروفة لهذه المدينة أو تلك البلدة (المحررة). ثم تعلن كما فعلت منذ أيام بأن الجيش لم يخرج أبداً من ثكناته، ولم يدخل أياً من المدن والبلدات، وفي نفس النشرة تبث مشاهد لتشييع الشهداء العسكريين الذي قضوا أثناء تأديتهم للواجب برصاص الجماعات الإرهابية في حمص وإدلب ودرعا وحماة… إلخ.!! خطاب غير معقول؟!! أبداً! هو معقول سنده واقع مباشر تراخى على مدى نصف قرن، وواقع غير مباشر بما صاحبه من ممارسات وتنظيرات مازالت فاعلة بشكل أو بآخر منذ قرون..!
النقطة المحورية في هذا الخطاب هي التركيز على ماهية النظام. النظام السوري لم يملّ يوماً من ترديد المطولات والومضات من القصائد والخطب حول أبديته وخلوده كرمز للمقاومة والممانعة والبناء والتقدم.. إلخ. ونتجاوز هنا ما وُجّه إليه ومازال حول واقع تجنبه لأية حرب مع العدو الصهيوني والرد على اعتداءاته بالإعلان عن الاحتفاظ بحق الرد في الوقت المناسب، فضلاً عن تدهور أوضاع البلاد وتخلفها وشيوع الفساد، وما إلى ذلك من ملاحظات على تناقض الخطاب ومعقوله مع الواقع العياني المباشر.. ما يهمنا هنا هو تقديم الخطاب الرسمي لهوية النظام لا لماهيته، أي لشكل وجود هذا النظام، لصورته المعقولة كتقدمي مقاوم. نحن إذن أمام شكل من أشكال الامتلاك المعرفي للواقع بآليات الرغبة والمصلحة. منذ 8/3/ 1963 مع انقلاب العسكر البعثيين أصبح نمط السلطة استبدادياً قمعياً مطلقاً.. وتأكيداً لذلك صدر في اليوم التالي المرسوم رقم 1، الذي يتضمن إعلان حالة الطوارئ، والتي ستستمر دون أن يعني مرسوم إلغائها، الذي صدر في الشهور الأخيرة، سوى ذر الرماد في العيون ورفع مستوى القمع الدموي إلى درجات قياسية غير مسبوقة في التاريخ الحديث لسوريا، إذا استثنينا أحداث الثمانينيات التي وصلت أوجها في حماة 1982. التسويغ الدائم للنظام في سوريا منذ 1963 هو ضرورات المعركة المصيرية مع العدو الصهيوني ومتطلبات المقاومة والتصدي للمخططات المشبوهة.. هكذا أُفرغ المجتمع من كل قواه وصُودرت كل الحريات والضمانات وعطلت الحقوق المدنية والإنسانية العامة بانزياح وقع بداية على المستوى الذهني. المقاومة والممانعة والصمود ليست غير صفات عرضية، لهذا النظام أو ذاك، تم دفعها إلى مستوى الجوهر على نحو ما عاد غريباً أن تعيش البلاد بأسرها في ظل قوانين طوارئ ومراسيم استثنائية، وأن يُختزل مفهوم الوطن والدولة والشعب في شخص القائد الخالد الذي ستغطي تماثيله وصوره وجه البلاد.. هذا معقول له مفاهيمه المؤسسِة.. معقول قد نلمسه، حتى عند كثير من بسطاء الناس، في ظل سياسة تدجين طويلة الأمد أفقدت الفرد عموماً المقدرة العقلية النقدية وكرست فيه العقلية النقلية الغنائية.. 
حين اندلعت احتجاجات سوريا، وتطورت وامتدت أفقياً وعامودياً، سارع النظام إلى ممارسة تستند إلى عملية معرفية تنسجم مع معقوله. لا بد من تقزيم الحراك الاحتجاجي وتشويهه لتجنب الانهيار. باختصار لا بد من شيطنته. منذ اليوم الأول في 15/3 بدأ الحديث، على المستوى الرسمي والشعبي الموالي، عن حركات سلفية متطرفة، وجماعات عميلة تحركها أموال سعودية ولبنانية، وعن مدمني مخدرات ومنحرفين.. على نحو لا يختلف كثيراً عما أشاعته الأنظمة في الحالات التونسية والمصرية والليبية واليمنية ووصمت به المحتجين. لكن في النموذج السوري الذي كثفت الرسمية فيه وصم الحراك بالإرهابية السلفية خصوصية من درجة خصوصية التركيب الإثني والديني للمجتمع السوري. يتضمن هذا التركيب شريحة ينحدر أفرادها من الطائفة السنية وتكوّن 80% من قوام السوريين. والتركيز على تهمة السلفية لعبٌ على هذا الواقع لتغييبه. وتأتي تكتيكات قمع المظاهرات السلمية التي باللجوء إلى القتل الكثيف المنظم في مدن الشريحة الأوسع، وتجنبه كلياً في مدن الأقليات الطائفية كالسّلمية والسويداء، وجزئياً في مدن الأقليات الإثنية كالأكراد في القامشلي والحسكة، ضمن المسعى العام لتسويق الحراك في سوريا كصراع للنظام مع قسم متطرف من طائفة هي مهد التطرف والسلفية عموماً، وهو تلويح ببعبع الإسلاموية للداخل وللخارج على السواء. لكن أغلبية الشعب لا يمكن أن تكون طائفية، ولو كان قوامها أناس ينتمون في غالبيتهم إلى طائفة بعينها، لكونها ببساطة هي المكون الأكبر للسكان الذي يتسع كثيراً بمستوياته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المتباينة المتنوعة التي يعجز مفهوم الطائفة الضيق عن استيعابها. المشكلة التي لا يمكن لأي جهد ديماغوجي أن يتجاوزها في مسعاه هذا هي أن مفهوم الأغلبية مفهوم مرتبط بمفهوم الشعب والمواطنة ضمن منظومة مفاهيم تنطوي عليها الحداثة. بينما المذهبية والطائفية ترتبط بمفهوم الرعية والرعايا المندرج ضمن منظومة الماضوية التي تنحدر من عصور بائدة.. الخطاب الرسمي معقول بإزاء واقع.. أما العوامل المؤثرة في تكونه ومدى انسجامه مع الواقع المقابل فهذا موضوع آخر.. 
سرى دوي رصاص كثيف جداً.. كان مزيجاً من بنادق آلية مع رشاشات عيار 14 المضادة للطيران المثبتة على العربات المدرعة.. اعتدنا في هذه الحالات أن نغادر الغرف المطلة على الشارع إلى الداخلية.. وفي ظرف الليل كثيراً ما تكون الضحية كيساً من النايلون أغوته بالتطاير نسمة ما أو قطة تحدّت الحصار بتجوال ليلي.. ومن جديد عليّ أن أكسر الحصار.. لا زوار لدي الآن إنما ثمة ذاكرة تتقلب ككتاب تعبث بصفحاته الريح. 
في أواخر آذار الفائت كانوا قد نزّلوا كل ما تيسر لهم من مقالات لي من على النت. في واحدة من جلسات التحقيق العشرين خصص المحقق كل وقتها لاستجوابي عن مقالة لي بعنوان (ثرثرة في حضرة أنطولوجيا الكذب)، وهي مقالة نشرها موقع العقلانيين العرب (الأوان) في العام الماضي، بعدما اعتذرت عن نشرها صحفنا وجرائدنا المحلية، لما يشتمُّ في ثناياها من تشكيك بكل الثوابت.. معهم حق! نحن أمة اعتادت حتى مطلع 2011 المفاهيم الثابتة حتى السبات! كان المحقق الذي لم تره عيناي المعصوبتان يداورني بمجموعة من الأسئلة حول محتويات المقال وخلفياته وظاهره وباطنه.. طابع أسئلته وشى لي بمحاولاته الحثيثة لإثبات فرضيته في انتمائي إلى عصبة العمل الشيوعي المحظورة ودليله على ذلك الإلحاد الذي التقطه بذكائه واختزل به كل ما في المقالة! كنت على وشك أن أنفجر من الضحك، فعلى مدى 20 سنة لم يستطع أبلغ الشيوعيين وأقدرهم، ولا القوميون السوريون، ولا الإسلاميون، ولا غيرهم، إقناعي بالانضمام إليهم. فبصرف النظر عن معايير الخطأ والصواب أنا لم أشعر يوماً بالأحزاب والأيديولوجيات إلا كقوالب جامدة تدخل التفكير شيئاً فشيئاً في فخ سُبات الثوابت. الفخ نفسه التي يقفز فيه أمامي المحقق كقرد يحاول اقتناص قرن موز عالي. كنت على وشك الضحك لكن وجهي الذي هدّته الكدمات انجرّ إلى الغريزة فقطّب أساريره، وتظاهر بالوقار، بينما لساني يلهو بالكلمات وسبك الجمل على نحو يترك لقلبي نشوة من يتحكم بقرن الموز وبالتالي يلهو بعذابات القرد وحركاته الحائرة. وفي النهاية سينهي القرد الموقف بأنه حصل على قرن الموز بنجاح.. مسكين! هو لا يستطيع أن يستنهض عقله ولو قليلاً، فيكتشف أنه لم يحصّل شيئاً، لأنه لا وجود لموز في الأصل..! لكن إن كان هذا ما حصّله من مقالة تقارب الوجود الإنساني القلق من زاويتي العلم والفلسفة، ويلي إذن مما سيحصله هو وأمثاله من المقالات المباشرة المنشورة على مواقع للمعارضة أكثرها محجوبة.! 
حين كان السجان يدلف باب غرفة التحقيق ليعود بي إلى الزنزانة اجتاحت سمعي عبارته الأخيرة مزمجرةً: 
– سوريا الله حاميها! لا يمكن لحفنة من الشياطين (الـ…..) أمثالك أن تعبث بها..
الشيطان..!! قبل الزمان والمكان كان الشيطان.. فكانت مشيئة الرحمن، بلا كيف ولا علة، أن يستخلف، فكان الإنسان.. ناموس الرحمن قيمي رتب كل شيء وأحصاه من الأدنى إلى الأرقى من الطين إلى النار إلى النور.. ناموس الرحمن شرعي فقهي أوجب الطاعة وحرم السجود لغيره.. وأمر الرحمن كان نفسي شخصي. وبين المشيئة والأمر هوة لم تسدها آلاف الصفحات التي سطّرها المتكلمون.. وكان أمر الرحمن للملأ الأعلى أن يسجدوا للإنسان! أطاع كلُ الملائكة الأمرَ وخانوا الناموس إلا إبليس فقد أخلص للناموس بمعصية الأمر.. وسقط! سقط بإرادة الرحمن.. سقط إلى العالم السفلي فصار الإلهُ، كبيرُ ملائكة السماء، سيدَ مملكة الشيطان.. أباح الرحمن كل الفردوس إلا ثمار المعرفة والخلود للإنسان.. فتطرّق إليه الشيطان.. علم الرحمن واسع لا متناه وقد علم بما أضمر الشيطان.. تركه ينجز الغواية بتناول ثمرات من المعرفة فيسقط على الأرض إثرها ذلك الإنسان.. وبسقوطه ظهر المكان بعوالم ثلاثة ومعه الحركة والزمان الفيزيائي منه والنفسي والميتافيزيائي.. قبل الزمان والمكان نشبت الحرب بين معقولين.. معقول سائد عند الرحمن ومعقول طارئ عند الشيطان.. فماذا عمّا بعد الزمان..؟! 
كل ثورة، احتجاج، مطالبة ليست سوى معقول جديد طارئ يصارع معقولاً قديماً سائداً..! 
ثمة قول منسوب للشاعر محمد إقبال، قرأته ذات مرة في موضع لم أعد أذكره، ولم يتسنَ لي توثيقه. لقد سُئل عن حركة التاريخ في الشرق. فأجاب أن كل حركة لها أنبياء والشرق هو الوطن الحصري لهم. فلما احتج سائلوه بوجود الحركة في الغرب رغم عدم وجود أنبياء. قال إن في الغرب أنبياء أيضاً هم الشياطين أنفسهم…! ليت إقبال يجيبني إذ أسأله عن محمد بن عبد الله. ماذا كان طوال ثلاثة عشر عاماً من الدعوة في قومه؟ مجنوناً؟ ساحراً؟ فتّاناً…؟ ماذا تعني تلك النعوت غير شيطان يحارب بمعقوله الطارئ معقول الوثنية السائد من أجل استعادة السماء؟ كل الثورات شيطانية تطرقت إلى العالم الأرضي لتفرض معقولاً شيطانياً. تنتصر فتستعيد السماء وتتحول إلى رحمانية أو تندحر فتهوى في عالم الشياطين السفلي.. 
كانت تلك سرديات وتأويلات حكيتُها في عتمة الزنزانة حين اندلع الشوق إلى القلم المحرم حرمة ثمار المعرفة والخلود. لكم تشبه ليلة الزنزانة النيسانية تلك ليلتي التشرينية هذه. تشبهها كما تشبه أوقات المُعتقلين أوقات المحاصرين. كنت أحكي وكأني أهذي وسط صمت لا تقطعه سوى بعض عبارات استغفار خافتةً رددها أحد الرفاق. استغفار جاء على سبيل براءة الذمة من حرام لا يملك القدرة على اجتنابه فلا بأس إذن من سماعه… سؤال واحد رماه آخر، في تلك العتمة المطرزة بالعيون المتوهجة، مزق رتابة تلك التداعيات: 
– إذاً الشيطان هو رائد الشرعية؟ وهو حامي الدستور في وجه قوانين الطوارئ ونزعات الاستبداد والقمع؟ أليست الديموقراطية بالتالي بدعة شيطانية..؟ 
جاء الجواب من آخر: 
– في الحقيقة يتضح الآن شيئاً فشيئاً أن السوريين، كالمصريين والليبيين واليمنيين والبحرينيين، كأصحاب السبق التونسيين، ليسوا عرباً أو عجماً. ليسوا أفارقة أو آسيويين.. في الواقع كلهم أمة واحدة من مئات ملايين الشياطين..
سرت ضحكات مكتومة حذرة من أن تنتهي إلى أسماع الحرس الموكل من سادة العالم العلوي بنزلاء العالم السفلي. راح كل منهم يجبر النوم على قبض روحه المتعبة فالنجاة من أخطار جلسات التحقيق المقبلة تتطلب تماسكاً وقوة قد يمنحها لهم شيء من الكرى..
في اليوم التالي كان ثمة محقق آخر ينتظرني. بدأ من واقعة خروجي من جامع خالد بن الوليد، في يوم 25/آذار، بين آلاف المتظاهرين الغاضبين لما جرى من قتل في درعا، وهو اليوم الذي عُرف بعدها بغضبة حمص. ركّز كثيراً على علاقتي بالمساجد وطابع أسئلته يوحي لي جيداً بنوع الموزة التي يحاول اقتناصها.. الانتماء إلى تنظيم ديني متشدد محظور.. هذه المرة بدت الغريزة أضعف من أن تعينني. بدأ وجهي يفقد سطوته على ملامحه. لحظة الانفجار أزفت حين بدأ يقرأ مقطعاً صغيراً من بداية مقالة (ثرثرة في حضرة أنطولوجيا الكذب) نفسها، وهو عن كذبة ادعاء العزف والمعرفة الموسيقية في طفولتي. ثم تابع قراءة خاتمة المقالة التي أوضحتُ فيها مفارقة إتقاني للعزف والموسيقى حين بلغت سن الشباب.. والتي وصفها المحقق بأنها اعتراف جزئي مني..! بماذا؟ بإتقاني للموسيقى التي لم أعترف بنوعها في المقالة. وهو من كشفني! بدايتي بحسبه كانت مع الموسيقى الدينية فكانت مدخلاً لتورطي بالخلوات والاجتماعات السرية التي يعقدها المتشددون الإسلامي ويحيكون فيها المؤامرات..!!! في تلك اللحظة الرهيبة انفجرت ضحكتي.. حين انتهت جلسة التحقيق لم أكن قادراً على التفكير إلى أين وصل في سعيه نحو موزته المستحيلة.. وحين أُعدت إلى الزنزانة انتبهت إلى أني صرت بسن مكسور..! 
البارحة شيوعي واليوم إسلاموي! كأنه تجسيد لنكتة قديمة عن قدرة المخابرات اللامتناهية، بتركيب المفاهيم وترتيبها على نسق يخدم المعقول السائد، لتأتي الحقيقة دائماً كتجسيد للقداسة في مواجهة الدناسة.. ولا أهمية للتناقض بين المفاهيم وتضاربها. تماماً كما لا أهمية للتضارب ما بين الناموس والأمر، الدستور والحكم.. تقول النكتة القديمة إن محققاً عالي الثقافة في أواخر الثمانينيات قد باشر التحقيق مع مجموعة من المعتقلين المنتمين إلى حركة العمل الشيوعي المحظورة. أنذرهم منذ البداية بأنه مطلع مثقف واسع المعرفة لا سبيل لخداعه كما كانوا يفعلون مع من سبقه من زملائه. ومن التحقيقات الأولى بدا أن موزته المنشودة هي الكشف عن تحالف سري شرير بين العمل الشيوعي والإخوان المسلمين، لعله يشبه ذلك التحالف الذي حدث بين الشيطان والدابة الحسنة، التي صارت بعد الخطيئة والغضب الإلهي حيةً، لتخفيه وتدخله إلى الفردوس ليقوم بالإغواء. ولما كان ذلك أغرب من الخيال العلمي، بل والخرافي في ذلك الزمان على الأقل، فقد ذكّره أحد المعتقلين بأن الفرق بين الشيوعية والإسلاموية كالفرق بين النقطتين المتقابلتين على المنقلة. ضحك المحقق بثقة وقال، من بعد التذكير مجدداً بثقافته واستحالة خداعه، إنه يعرف جيداً الاجتماعات المشتركة التي يعقدها الإخوان المسلمون وشيوعيو العمل بعدما تنازل كل منهما عن نصف شعاره. شعار الإخوان يا أيها الناس وحدوا الله. وشعار الشيوعيين يا عمال العالم اتحدوا. وبالتحالف المشبوه المتآمر أصبح الشعار المشترك يا عمال العالم وحدوا الله…..!! 
غريب؟ مضحك؟ متناقض؟ ربما! لكن من الأكيد أنه معقول. فلا معقول إلا الواقعي. المعقول هو التخريج الذهني للواقع الخام المحايد والموضوعي وهو الامتلاك المعرفي له.. وحين يتصارع معقولان على امتلاك الواقع فاعلم أنها الثورة..! ما كدّرني حينها هو ذاكرتي الآثمة التي ادخرت لي منذ عشرين سنة نكتة سيتسبب تذكرها في تحطيم سني! لا بل كلتاهما بريئتان مما أصابني براءة ذئب يوسف.. هي نفسي الآثمة لا غير.. نفسي التي ما وجدت العالم أكثر وقاراً وجلالاً إلا ووجدته أكثر سخفاً وهزلاً وتهريجاً..
في جلسة تحقيق أخرى كان محققاً جديداً بانتظاري وموزته محددة بدقة.. شعرت بالامتنان نحوه حين أمر السجان أن يرفع العصابة عن عيني.. وعلى الفور بدأ استجوابي عن مقالة لي بعنوان (المحافظة والبلدية في حمص: زحف الاستثمار مع البطالة وانحسار الغطاء الأخضر)، نُشرت في 23/3 في جريدة النور السورية، أي قبل اعتقالي بيومين. كانت تتضمن اتهامات لمحافظ مدينة حمص، محمد إياد غزال، بالفساد المفرط وبإخلاله بالأمن الاجتماعي للمحافظة.. المحقق الذي بدا أكثر تهذيباً ورقياً كان أكثر هولاً، إذ أن موزته كانت التركيز على سعيي لتشويه الدولة السورية من خلال الإساءة إلى رجالاتها ومنهم المحافظ المدعوم بشكل خاص من الرئاسة نفسها. والمطلوب مني الاعتراف بالأموال، التي قبضتها لقاء ذلك، ومصدرها من سعد الحريري في لبنان أو من الأمير بندر في السعودية..! 
حين سألني بذهول، عن سرّ جرأتي، اقتنصت ذعره من المحافظ الذي كان في حقيقته بلطجياً عابراً لكل القوانين والأنظمة والمبادئ. حينها وجدت المنوال الذي سأنسج عليه للتخلص بسلام من صائد الموز الجديد هذا! لن يكون منوالي سوى العالم المضحك حتى البكاء! انظروا! المحافظ القادر على كل شيء يخاف أمثالي لقدرة أقلامهم في أحيان محددة على هزّ مركزه. وأمثالي الذين ينشرون بعض ما يكتبون بشق الأنفس وبعد تقديم كافة البراهين على امتلاكهم لأدلة دامغة تثبت ادعاءاتهم يخافون صائدي الموز.. ولتكتمل السخرية صائدو الموز المرعبون يرتعدون لمجرد ذكر اسم واحد من أمثال المحافظ عالي الجناب..!! يعني باللهجة العامية كل آفة وعليها آفة.. قلتُ إن كان محققاً موفور السلطة يخشى شخصاً هو في المحصلة مجرد موظف رفيع وفاسد إلى حدّ الإجرام فلا عتب إذاً على العوام..! كلماتي الأخيرة هذه جعلته يجول بعينيه وكأنه يتأكد من أن أحداً لم يسمع شيئاً من هذا الكفر والعياذ بالله..! أعلن في سره ضياع الموزة المرجوة حين طلب من السجان إعادتي إلى زنزانتي.. لم أره بعدها أبداً، ولكم تمنيت ولو للحظة، فالمحافظ العتيد المرعب ضحت به أخيراً السلطة، بعد بضعة عشر يوماً من جلسة التحقيق تلك، طمعاً في تسكين ثورة حمص.. 
أخرج من ذاكرتي وشهوة عارمة تنتابني لمراقبة مخلوقات نصفها أسد ونصفها الآخر قرد.. كيف تكون حالها حين تصبح الموزة لجاماً أو حين تصبح الفريسة مروّضاً.. أشتاق لمراقبة كل القردة – الذين أدمنوا اختبارات الترويض الأبدي المتواصل، التي يُجريها عليهم بنفس المفاهيم والأساليب أصحابُ الحقوق الحصرية في المعقول السائد – وهم يرون غيرهم يحولون معقولهم المقدس ببساطة إلى موضوع.. إلى مجرد موضوع عابر يسهل تجاوزه.. ما سيصنعون إثر انهيار وهم الموز بركام الحقائق التي شُيدت على حواسهم ومدركاتهم اختباراً إثر اختبار..؟ 
المعقول هو الواقع في صورة ذهنية – معرفية.. ألم أقل لكم إن صدام معقولين على واقع هو الوجه الحقيقي للثورة.. اسمعوا إذن! قد تتعدد المعقولات لكن الواقع الموضوعي لا يمكن أن يكون إلا واحداً.. وحين تتحارب المعقولات بلا هوادة ويسيل دماء بعضها يجب أن نعلم أن ثمة معقول مدبر يزداد دموية وشراسة كلما اقتربت ساعة سقوطه وآخر مقبل قد تتغير هيئته وملامحه مع استمرار نزيفه.. حرب على المعنى تحت راية معنى آخر؟ بالتأكيد! فليس تاريخ ما يسمى بالجنس البشري إلا صراعاً من أجل فرض معنى على أنقاض آخر.. وإلا فمن يستطيع أن يثبت أن السماء وكواكبها ونجومها، وأن الأرض وشجرها وحجرها، تتألم لمشاهد التمثيل بجثة طفل وترى فيها كل معاني القباحة والبشاعة؟! البشر وحدهم من يفعل ذلك. وكما سنجد أناس يتأوهون تفجعاً أو يكتبون أبلغ الشعر الحزين الأليم، سنجد أمثالهم ممن لا يضيره وصف الطفل بالإرهابي السلفي الراغب في اغتصاب النساء الماجدات..! وفي هذا وذاك، كما في غيره، لا شيء سوى اختلاق المعنى، وحرب بين معانٍ لكل منهما معقوله الحافل بالمفاهيم والممارسات والتراث المنقول في ذاكرة جمعية توشك في كل لحظة على التفسخ إن واتتها ظروف ذاتية وموضوعية معينة.. من هنا تبدو تراكيب لغوية كـ روح الزمان أقرب إلى الحقيقي منه إلى المجاز. روح الزمان بمعنى منظومة من المفاهيم والمعقولات الأكثر ملائمة للظروف المحيطة المتغيّرة باستمرار.
ما سرّ عجز ملايين البشر عن إدراك دلالات تناقضات المعقولات السائدة..؟ ماذا وراء جهل وتعامي أشخاص، قد يكون منهم مفكرون متميّزون، عن حتمية سقوط المعقول السائد عند زوال ملائمته ومجافاته لروح العصر؟ وما سرّ ما يقترفه آخرون من شناعات وفظائع، لم يتخيّلوا هم أنفسهم أن يقترفوها قبل الحرب، بحق المعقول الجديد الطارئ..؟ لماذا تبدو جموع هائلة من البشر كقطعان من الماشية؟ أو كببغاوات ألفت أصداء الأقفاص الصدئة وفضلتها على الفضاء الرحب؟ أو كجماعات من القردة أو من الضباع تحافظ على العادة القديمة طالما بقي أمامها شيء من الموز أو الجيف ولو وهماً؟ 
الهدوء المتقطع كان يخيم على سَحَر هذه الليلة. قبيل الفجر بقليل وصل آخر الزوار. وكأنه يعرف سبب دعوتي له مدّ يده القابضة على كتابه.. (الحب، الحضارة، الحرب، الموت).. لم يترك لي حتى فرصة ضئيلة للترحيب به. 
– إنه الكبت والتكيّف! قال بنبرة توحي بطلب عدم المقاطعة.. سحب أنفاسه لثوان معدودة وتابع: 
– الإنسان كائن يجري عليه التطور. والتطور هو سعي حثيث لاجتثاث الميل نحو الشر والدفع نحو الخير بتأثير التربية والوسط الاجتماعي المتحضر.. إن ما سبق يعيننا على فهم الإنسان أكثر بكثير من التقرير الساذج بأن الإنسان كائن ميال بطبيعته إلى الخير فهذا واحد من أوهامنا. التطور يتم من الشر إلى الخير، من الأنانية إلى الغيرية، من البدائية إلى التحضّر. والطبيعة البشرية تتكون من غرائز أولية تتعرض لمرحلة طويلة من التطور الذي قد يؤدي إلى توقف بعضها، أو تحولها عن أهدافها إلى أخرى، أو تغيّر طبيعتها فالأنانيةُ قد تنقلب إيثاراً والقسوةُ رحمةً.. ومن سمات الغرائز في الأصل ازدواجية الشعور. إن تطور الغرائز يتم تحت تأثير عاملين الأول داخلي هو الرغبة الجنسية نفسها التي تتحول بحاجة الفرد إلى الحب بأوسع معانيه بالغرائز الأنانية إلى غرائز اجتماعية. وخارجي هو عامل التنشئة. الكبت في النهاية هو تحول للغرائز الذاتية إلى غرائز اجتماعية ومقدرة الفرد على هذا التحول هي ما تسمى بالتكيف. 
– والحرب؟ سألتُه. 
– أسوأ الأقدار! لا فضيلة لها سوى إزالة أوهام راكمها سلم الحضارة.. إن الدولة كتجلٍ للمجتمع المدجج بكل وسائل الإكراه والقسر هي من مصادر التنشئة الخارجية.. لكن الدولة تمارس على الأفراد كبتاً لغرس فضائل اجتماعية وهي لاسيما عند الحرب في حل منها. هنا سيرتد أعداد لا تحصى من الأفراد في المجتمع كنا نتوهم فيهم الصلاح والتحضّر والفضائل. ستنشط غرائزهم الذاتية التي لم تتطور في الأصل بما يكفي فيقترفون من الفظائع ما لا يُصدق. وحين تنتهي الحرب يعودون إلى غرائزهم الاجتماعية.. هؤلاء جرى فيهم الكبت تحت تأثير كبير للعامل الخارجي.. يقابلهم أشخاص كان التأثير الأكبر في كبتهم للعامل الداخلي الذاتي فبقيت فضائلهم أكثر رسوخاً.. نحن إزاء نوعين من الأفراد في المجتمعات. الأول من تكيّف واستجاب بتأثير الطمع في المنافع أو دفع الأضرار التي تتحقق له من المجتمع على ضوء تكيّفه. ونوع آخر أصبحت دوافعهم للتكيف أكثر ذاتية.. وعدم قدرتنا في زمن السلم على التمييز بين النوعين مصدر أوهامنا عن رسوخ الخير والفضائل عند كل الناس.. ليس العقل البشري مثل بلدة زالت كل معالمها القديمة بعد زمن طويل إذ أصبحت مدينة كبيرة. العقل يبقى محتفظاً بمنطقته البدائية فتطور العقل ليس إلا مراحل تبقى إلى جوار بعضها دون أن تزول السابقة منها بحلول اللاحقة.. بل إن الدمار قد يصيب المراحل اللاحقة ولربما ليس المرض العقلي سوى عودة إلى طرقه الأولى في العمل وظروفه الأولى التي كانت عليها حياته الانفعالية..
– وتعطل السمع والبصر والإدراك وانغلاقهما على معقول متهافت ومعنى بائد..؟ 
– لا علاقة لي بالمعاني، إنما أقول إن سرّ صدمتنا من الانغلاق الفكري عند كثير من الناس، ومنهم بعض المفكرين المرموقين، وتصديقهم لقضايا متهافتة وتجاهلهم للبراهين الدامغة، هو أن الذكاء يعمل بكفاءة حين يكون بمنأى عن النوازع العاطفية القوية، وإلا فسيتصرف كمجرد أداة في خدمة الإرادة والرغبة، يتصرف بالبراهين ويخرّج من النتائج ما يكون في مصلحة الرغبة. لقد أكدت تجربة التحليل النفسي ذلك. وما تزال تكشف لنا كل يوم أن أذكى الناس يتخلى عنهم ذكاؤهم فجأة ويتصرفون ويتكلمون كالحمقى حالما يتواجد ذكاؤهم في مواجهة مقاومة عاطفية..
– عواطف قوية من قبيل الشعور الطائفي؟ أم من قبيل المخاوف على المكاسب..
– كل هذا وغيره من صور العواطف المعطلة لعمل الذكاء.
– وماذا عن الموز والفرائس و.. 
لم ينظر حتى أكمل السؤال. مضى وهو يردد: 
– أجبتك بما في التحليل النفسي أما أسئلة الموز والفرائس والأقفاص فالتمس لها جواباً عند صاحب نظرية التطور.. 
حين اختفى الزائر الأخير كانت الشمس تطلّ بوجهها على استحياء أو ربما على خوف. فجأة أخذت الذخائر، من كل حدب وصوب، تتحول من معدن بارد ثقيل إلى شواظ مجلجل، كما يتحول الموجود بالقوة إلى موجود بالفعل. سقط نظري على ورقة مسجاة أرضاً. كانت بقية من كلمات لزائري الأول، صاحب حالة حصار، في تلك الليلة من أواخر تشرين الأول. التقطتُها فلاح لي مقطع صغير:
(.. وإن كان لا بد من فرح. فليكن خفيفاً على القلب والخاصرة. فلا يلدغ المؤمن المتمرن من فرح مرتين..). 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق