حبّ مغتال

“حرك العود أعضاءها الباردة

حرك العود أعضاءه الباردة

دخلا في مقام ألذ و أبهى من مقامات وحيهما

وحد الباه وحي النبي و وحي النبية و صارا آية واحدة .”

 أدونيس

– “أحبوا بعضكم بعضا ” لا تعني أبدا، إذن، الحب الخيري، المتعاطف، الروحي، أو العاطفي، ولكنه يعني ببساطة شديدة “مارسوا الحب ” …”على هذا و عليه فقط يقوم معنى الحياة البشرية ، وكل ما تبقى تفاهة”

 ميلان كونديرا

 

 

 -1-

الوقت منتصف النهار من أحد أيام أغسطس القائظة؛ أزقة الحي خالية إلا من أبناء المهاجرين العائدين و لغطهم المفرنس ، بعد استغراقهم في لهوهم الطفولي مستظلين بشرفات المنازل، يستيقظون اليوم بأتمه حتى يتزودوا بما يقويهم على العيش هناك ماوراء البحار وحتى يملأوا الثقوب التي ورثوها على صفحات وجدانهم الرهيفة من إقامة الغربة ؛هنا يتزودون من نظرات المقل السوداء المليئة بالإعجاب الممزوج بالتسول ليحتموا من طعنات المقل الزرقاء.

الكل كان يحتمي من نير شمس آب المحرقة إلا ذاك الشريد الذي كان يعبر الشارع المنصف للحي متثاقل الخطى و كأنه يتداوى بكي الشمس لجسده النحيل ……

 حاجبان مقطبان ، تجاعيد تلوح أعلى الجبهة ؛سمات وجه كلها تأفف من كل شيء و بيان للحقد على كل كبيرة و صغيرة فيما يحيط به ،نار لن تطفئها إلا نار مثلها ،عل ذاك ما يفسر تثاقل خطاه في قارعة الطريق …،في يده اليمنى كان يحمل جرائدا تلطخت أحرف عناوينها الكاربونية بعرق كفه ،تثاقل خطوه أكثر وهويلج مبنى لمخادع الهاتف، ليقف هناك وجها لوجه معها ؛أنثى في ريعان الشباب ،فتق ربيع العمر أزهار جسدها ،عينان جميلتان زادهما زجاج النظارات نضارة و جمالا ،وجه مستدير أضفى عليه الإطار المنتقى بعناية رونقا و روعة ، شعر ناعم ينسدل في رقة و حنوعلى كتفيها ،أقرأها السلام فجادت عليه بابتسامة اتسع لها صدره المخنوق غيضا و قيضا ،فاستشعر نسمات باردة تدغدغ حناياه ، وقطرات تتدحرج متثاقلة من تحت إبطيه ،وشيء أشبه ما يكون ببرق النبوءة ينقشع في أعماقه ،يلهمه بأن هذا الجسد الملائكي سيكون ملكا و أن تلك الابتسامة الناصعة ستبدد فرشات السواد المطمرة للأشياء الجميلة القابعة في أغواره.

 – 2 –

لم يكن ذاك الشريد إلا أنا ،و لم يكن ذاك الصدر المخنوق سوى صدري ،و لم يكن ذاك الحدس غير شرارة انقشعت من جوف الرماد المتراكم في قيعان نفسي أما ذاك الجسد البض فلم يكن إلا هبة ربانية لإزاحة بقع الحزن عن صفحة بصري الكظيم .

و ها أنا ذا أعيش تحقق النبوءة التي داعبت مخيالي الملتهب بشمس آب في ذاك اليوم الذي نقش عليه خاتم الزمن وشم السعد على صفحة الغيب ، وهاهو ذاك الجسد الأنثوي الممشوق يسايرني الخطى ، وها هي يدي التي عانت اليتم ردحا من الزمن تطوق منه الخصر الدقيق كأنها تلامس الأوتار الرهيفة للبهجة ،و هاهو خدي الشاحب يتورد بعد طول ذبول بدغدغة خصلاتها التي يهدهدها الريح ….

الآن و الآن فقط و أنت بجانبي أحس أني اكتملت ، قشعريرة تأخذ سبيلها في جسدينا كعصفورين خرجا لتوهما من بلل الماء ، نتعانق ،أحضنك فأشتم فيك عبير الانتشاء المزوج بالبكاء ، ألثمك فأمتح منك عذوبة الامتلاك الممزوجة بالفقدان ، أعفر وجهي المغبر بتعب الزمن في عتمة شعرك الفاحم الناعم الفواح ، لأستعير سواده لذاكرتي ،و بعدها أبوئك فيها رتبة القمر ،أعفره حتى أقطع من ذاكرتي كل الحلقات الصدئة من سلسلة عمري ، ألثمك حتى أجعل من ريقك لذاكرتي الجذباء مطرا ،أحضنك لأجني نوارا و ياسمينا و عنبرا ، حتى أغرس في ذاكرتي ذكرى لك سامقة تطاول النسيان كالشجر .

أتذكرين ونحن هناك في تلك الحديقة التي رممت من جنباتها رئة لمدينتنا الصغيرة ، أتذكرين كيف كانت أركانها تصطخب بزخم الأمواج البشرية التي يعلو زعيقها و يخفت ، و كيف كانت عطور النساء الممزوجة بعطانة العرق تزكم الأنوف ، و الرطانة اللغوية لأبناء المهاجرين المصمة للآذان و صهريج الماء الفارغ الظمآن العاكس لعطش المدينة ، و أضواء المصابيح الكهربائية الشاحبة المنسلة من بين الأفنان ، أتذكرين جلستنا الهادئة على الكرسي الإسمنتي الفريد تحت أشجار الصفصاف ، و عشقك للحفيف الذي تولده مغازلة أفنانها الباسقة لأوراق القصب بعد هدهدة الريح ، و تطويقي لك أمام الملأ رغم خجلي ،لأنني كنت أريد إشهار حبي لك ، أتذكرين كيف كنت أناولك حبات الفستق كأنثى عصفور جريحة ، و حنوي عليك ، وكيف كنت أفقد عقلي في حضنك و كيف كانت تجتاحني حيوية الصبيان .

 

 –3

و هل هلال ذاك اليوم من بين غيم تمنعك و استعصائك ،اليوم الذي سأدخل فيه بـ”سيميلي “إلى محفل العبادة و محراب الطاعة ، حتى يتسنى لي رفعها إلى رتبة الإلهة …

ألازلت تتنسمين أريج ذاك السير في أزقة المدينة العتيقة عند الظهيرة ،و كيف كان رجع أقدامنا يدغدغ غشاء أذنينا ، و خطاك الوئيدة خلفي و نحن ننحدر صوب المحراب ، وكيف ولجنا المدخل عند درب “مولاي عبد السلام “و كيف سحرك الاسم المحبر بزخرف الخط المغربي العبق بأريج الذاكرة ، وكيف ازداد انحدارنا عند الردهة المؤدية للباب الخشبي المتهالك ، ألا زلت تذكرين الحضن البارد للمكان ، وكيف انتعشت بتلك البرودة التي رحمتك من القيظ الرابض في الخارج ، ووقفتك و أنت مطوقة بدراعي وراء الشباك الحديدي و عيناك تغازل أدرع مدينتنا الصغيرة ، التي طفقت تشب عن الطوق من أعالي فسحة “باب الريح “و استغراق نظراتك في أشلائها المتناثرة على جنبات “طريق وجدة “. وكيف كنت أزداد صبابة وأنا أشتم خصلاتك التي يهدهدها ريح “الشركي” ،الذي أصبحت متيما به بعد أن طفق الربيع العربي في الزحف؛فقد أحببت هذا الريح ،الذي كان في السابق منذرا مشئوما بالجفاف ،لاعتقادي الجازم أنه يأتي من جهة تونس الخضراء ،تونس البهية بشرارة البوعزيزية .فلكم وددت أن أرضع من نهدك النافر لبن الثورة لمجرد أن لامسهما هذا الريح الذي قلبت الشعوب جفافه خصوبة و عطاء …..

ألا زلت تستعدين شريط الدخلة الزاهي يا عروسة ذاك اليوم ، وكيف ألبستك فستان و تاج سيميلي و كيف أقمت لك فروض الطاعة و طقوس العبادة و كيف أوقدت لك الشموع و أشعلت البخور لأنجيك من مكر “هيرا HERA” و توسلت لكبير الآلهة حتى يجعلك معبودة قلبي الوحيدة ……

لكم كانت دهشتك كبيرة لما سقطت عيناك الجميلة على ما في الغرفة من بقايا كلها وشاية بالفتح العظيم في قارة الفرح و البهجة ، و بأن الليالي الفائتة أترعت دنانها نشوة و لذة ، و الكل كان في تناغم ديونيزوسي تحت الأشعة الحمراء للمصباح اليتيم المدلى من السقف ، لك الحق في أن تفجعي لأنك ما ظننت إنسانا بمثل هذه الوداعة يلج مكانا كهذا ، لكن ذاك هو محراب شبقي ، و محراب شبق الرفاق ، ذاك هو المحراب الذي انتصر فيه ديونيزوس طاردا كل الآلهة ، مرددا في جوفه تعاليمه الخالدة ، عاصرا نصغ الحياة من الكروم و من أثداء النساء ترياق اللذة ، ومن الكل كان يغذينا بالجنون و كل من ولج المحراب طهرنا دمه بالنخب الباخاني .

على ذاك السرير ذو الرداء الأخضر ، نمدد كل من أرادت أن تتطلع لأعالي الأولمب حيث يتكىء ديونيزوس باسما للحياة ، و على ذاك السرير نمارس لعبة التنقيب عن أشلاء الإنسان المفقودة بين براثن الدنس ، أو عن هنة معتصرة من بقايا الطهر النادرة في جسد الزمن ، فهلا تطهرت حبيبتي ، لا تجزعي ، اهدئي ، شدي نظرك إلى الجدران ، و استغرقيه في عيوني الشغوفة بك فهي أبلغ من كل بيان ،و أزيحي الطبقات المتكلسة في قيعان نفسك لينقشع همس و نداء من أعماقك ،افعلي ذاك فهو يسير و به ستلوح لك سنام الأولمب ، وجه ديونيزوس النضير.

 

 -4-

ها هو الآن صوتك يغازل سمعي حاملا معه دبدبات الفراق و البين ، ذكرتك باسمي فكان ردك “آه”ممدة الهمزة من تلك “الآه” التي مقتها في بعدك أكثر مما عشقتها و أنت مني دانية و نعومتك بي ملتصقة ، و كأنك تفتشين عني في قيعان جب عميق ، أتعلمين أنك بتلك الـ”آه” تحفرين ثقبا غائرا في وجداني ، و بأنها سنان يخترقني من الوريد إلى الوريد ، حدثتك عن رغبتي في لقائك ، لكنك تمنعت و بمنتهى الفتور و الجفاف كانت تأتيني كلماتك ، أهكذا أنت قاسية إلى هذا الحد كالصخر ، و جافة إلى هذه الدرجة كالفلاة ، أفارقتك رحمة ديونيزوس ؟كيف يحرسني طيفك في كل حركاتي و سكناتي و أنت ما تذكرين ؟

 -5-

….. هاهو ذا طيفك المطرز بشهب النار

يحرسني في ليلي الغائرات

فينزف من القلب لون الفراشات

و يحدر اللؤلؤ من مآقي الدامعات

فها سلام عليك يا ضائعة عبر المسافات

ها سلام عليك أنت الحاضرة في نفس قائظة كالفلوات

ها سلام على جسدك الغض و هو يغور

و ها سلام على أفلاكك

التي ما عادت فيها أجرامي تدور

و ها سلام عليك أيتها المنيرفا

و أنت في سديمي تجولين 

 و في خرائب خيالي تصولين

و ها سلام علينا لما كنا :أنا أنا

 و أنت أنت

و لما غدونا أنا أنت

 وأنت أنا

و ها سلام عليك نبعا ثرا لجداول دمعي

بعدما لم يبق لي منك غير الأطلال.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق