حتمية موت الاسلام السياسي / عبدالخالق حسين

أطلق الإسلامويون على تصاعد المد الإسلام السياسي خلال الثلاثين عاماً الماضية بالصحوة الإسلامية، وكأن الإسلام الديني كان في سبات عميق، وهم جاءوا لإيقاظه من غفوته الطويلة. طبعاً المقصود بالصحوة هنا، الصحوة السياسية للإسلام وليس الصحوة الدينية، لأن المسلمين قبل تفشي الإسلام السياسي كانوا أكثر تدينا وأقرب إلى روح الإسلام كدين مما يجري الآن في ظل الإسلام السياسي من مظاهر التدين المفتعل. كذلك نجد الارتباط الوثيق بين هذه “الصحوة” والإرهاب وقتل الأبرياء باسم الإسلام، لذلك أثارت الصحوة ردود أفعال عنيفة في الشعوب الإسلامية وغير الإسلامية، ليس ضد الإسلام السياسي فحسب، بل وحتى ضد الدين نفسه. فهناك استطلاعات رأي تؤكد على أن أعلى نسبة نفور من الإسلام كدين هي في الدول التي ابتليت بحكم الإسلام السياسي مثل إيران والسعودية والسودان وأفغانستان في عهد حكم طالبان. ويمكن التأكد من هذه الحقيقة بمقارنة تدين الشعب الإيراني المحكوم عليه بحكم الملالي بتدين الشعب التركي الذي يحكمه نظام علماني ديمقراطي، حيث أثبتت الاستطلاعات نفور معظم الإيرانيين من الدين وإقبال الأتراك عليه. وبالمناسبة فإن الحزب الحاكم الحالي في تركيا رغم جذوره الإسلامية، إلا إنه تخلى عن فرض نظام إسلامي والتزم بالعلمانية واحترام الديمقراطية.

لقد أكدنا مع غيرنا مراراً، أن ما يسمى بـ”الصحوة” ما هو إلا الصحوة الكاذبة التي تسبق الموت، أي موت أيديولوجية أولئك الذين اتخذوا من الإسلام ذريعة لتحقيق أغراضهم الدنيوية في الهيمنة على السلطة، ومن خلالها التسلط على رقاب الناس ودمائهم وأموالهم، وادعائهم بامتلاكهم لمفاتيح الجنة والنار، مستغلين مشاكل شعوبهم الاقتصادية المتفاقمة بسبب فساد حكوماتهم المستبدة شبه العلمانية، والانفجار السكاني المنفلت، فرفعوا شعارهم (الحل في الإسلام)، وهو شعار كاذب وزائف لأنه أثبت فشله طوال حكم الخلافة الإسلامية.
فدعاة الإسلام السياسي محكوم عليهم بالفشل لأنهم يجهلون أبسط قوانين التطور الاجتماعي التي تفرضها سنة الحياة على المجتمعات، بل وينكرون حتى وجودها أصلاً، ويصرون على إعادة مجتمعاتهم إلى الوراء واجترار الماضي وأقوال السلف ليل نهار، وفرض أحكام القرون الغابرة على القرن الحادي والعشرين، ولذلك أكدنا مراراً أن الإسلام السياسي يحمل بذور فنائه معه ومنذ ولادته لأنه مخالف لقوانين حركة التاريخ.

ولعل من يسأل: إذن لماذا تمر الشعوب الإسلامية بهذه المرحلة العصيبة وتحاول تجريب الإسلام السياسي؟

أما كان من الأجدر تجاوز هذه المرحلة لنوفر على شعوبنا كل هذه المصائب والخسائر في الأرواح والممتلكات والوقت؟

الجواب هو أن المجتمعات البشرية، وكما أكد الفيلسوف الفرنسي، أوغست كونت، مرت خلال تطورها الحضاري بثلاث مراحل: مرحلة اللاعقلانية (الخرافة والأساطير)، ومرحلة العقلانية (فلاسفة النهضة والتنوير) وأخيراً، المرحلة العلمية. ولكن المشكلة أن الشعوب لا تمر بهذه المراحل في وقت واحد وبشكل متواز، بل هناك مراحل زمنية متفاوتة فيما بينها. والشعوب الإسلامية تعيش الآن في مرحلة انتقالية من نهاية المرحلة الأولى إلى بدايات مرحلة النهضة والتنوير. ولذلك فلا بد من أن تمر بهذه المرحلة (الإسلاموية) ومن الصعوبة حرق المراحل. والصراع الدموي المحتدم بين القوى الظلامية الرجعية السلفية وقوى التنوير التقدمية سببه سرعة التطور الناتجة عن الثورة المعلوماتية والعولمة لهذا الانتقال من التخلف إلى التقدم.

وكما أكد الفيلسوف الألماني هيغل في كتابه (فلسفة التاريخ) ما معناه، أن تاريخ أي شعب لا تقرره العوامل الداخلية فحسب، بل والعوامل الخارجية أيضاً. أي أن مصير كل شعب مرتبط بمصير العالم كله. ويمكن القول أن التأثير الخارجي على المسار التاريخي لأي شعب بلغ الذروة في عصرنا الحالي، أي عصر العولمة، حيث تشابك مصالح الدول فيما بينها، وأية مشكلة محلية تعتبر مشكلة دولية. ومن دلائل هذا التأثير هو التدخل الخارجي المباشر بقيادة الدولة العظمى أمريكا بإسقاط أشرس نظامين متخلفين عن الركب الحضاري العالمي، وهما حكم طالبان في أفغانستان وحكم البعث الغاشم في العراق.

يعتمد الإسلاميون في نشر أيديولوجيتهم واجتذاب الناس إليهم على عاملين رئيسيين: الأول تفشي الجهل والأمية لدى الشعوب الإسلامية، وثانياً، الصعوبات الاقتصادية وفساد الحكومات ومحاربة هذه الحكومات للقوى الديمقراطية العلمانية. ولكن مع الزمن، أثبت هؤلاء عجزهم وفشلهم في تحقيق شعارهم (الحل في الإسلام). كذلك تنامي الوعي السياسي والفكري لدى الشعوب المقهورة، وافتضاح كذب وزيف ادعاءات الإسلامويين، وبالتالي انكشاف مواقفهم المعادية للديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، والأقليات الدينية والمواطنة…الخ، رغم ادعاءاتهم الزائفة بعكس ذلك.

وعملياً، فقد أثبت فوز بعض الأحزاب الإسلامية في بعض المناطق، مثل حماس في غزة الذي جلب الكوارث على الشعب الفلسطيني، وما جلبته الأحزاب الإسلامية مثل حزب الله في لبنان ومليشيات الأحزاب الدينية في العراق، والأحزاب الإسلامية في الجزائر، من كوارث على شعوبهم، كل ذلك أدى إلى إيقاظ هذه الشعوب والتعجيل في نهاية الإسلام السياسي. لذلك طالبنا في مقال سابق لنا بهذا الخصوص أن من أفضل الوسائل لضمان انحسار الأحزاب الإسلامية هو توفير الفرصة لها لتضع برنامجها (الحل في الإسلام) على المحك، وبذلك تثب فشلها المحتوم وتقتنع الشعوب بكذب وزيف الإسلام السياسي. وهذا ما حصل في غزة وفي إيران وفي العراق.
ومن علامات انحسار الإسلام السياسي وبداية نهايته في البلدان الإسلامية ما يلي:

أولاً، في الانتخابات الباكستانية الأخيرة لم تحصل الأحزاب الإسلامية أكثر من 11% من مجموع أصوات الناخبين، بينما كانت هناك مخاوف من فوزهم بالأغلبية الساحقة بسبب ما كانوا يثيرون من ضجيج عال يعطي انطباعاً بأنهم الأكثرية.

ثانيا، هزيمة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية الأخرى في الأردن، في الانتخابات النيابية عام 2007، حيث تقلص عدد مقاعدهم إلى ستة مقاعد فقط، مقارنة بـ 17 مقعداً في المجلس النيابي السابق عام 2003.

ثالثاً، هزيمة التيار الإسلامي في الانتخابات البرلمانية في الكويت يوم 16 مايو/أيار العام الحالي، حيث فازت أربع نساء لأول مرة في تاريخ الكويت، مع تراجع الإسلاميين التحالف السلفي الإسلامي الذي فاز بمقعدين فقط في البرلمان الجديد مقارنة بأربعة مقاعد في انتخابات 2008، وفازت الحركة الدستورية الإسلامية بمقعد واحد فقط مقارنة بثلاثة مقاعد في البرلمان السابق.

رابعاً، أثبتت الانتخابات اللبنانية الأخيرة التي جرت في 7/6/2009 هزيمة التيار الإسلامي بقيادة حزب الله، وفوز تحالف قوى 14 آذار بـ 71 مقعدا من أصل 128 فى البرلمان فى حين حصلت المعارضة على 57 مقعدا.

خامساً، انحسار عدد المصوتين للتيار الإسلامي في جميع الانتخابات في البلاد العربية تقريباً، كما حصل في الجزائر والمغرب وغيرهما.

سادساً، أثبتت انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة في العراق تحسن ملحوظ لمرشحي التيارات العلمانية وانحسار واضح للتيارات الإسلامية، بل واضطر الإسلاميون ترشيح أنفسهم تحت أسماء علمانية وتجنب أسماء إسلامية. وهذا دليل واضح على بدء نهاية التيار الإسلامي.

وأنا واثق أنه لو تجري اليوم انتخابات حرة وعادلة تحت إشراف الأمم المتحدة في كل من إيران والسعودية والسودان، وغزة، لفاز مرشحو التيارات العلمانية الديمقراطية وانتهت التيارات الإسلامية. والإسلاميون يعرفون قبل غيرهم، هذه الحقيقة، لذلك يحاولون فرض إرادتهم على الناس بالإرهاب.

خلاصة القول، إن لجوء الإسلامويين إلى العنف وفرض برامجهم بالقوة والتهديد والابتزاز، وتخويف البسطاء بالفتاوى القرقوشية، لدليل على هشاشة أفكارهم وفشل برامجهم، وهم يحملون بذور فنائهم. ولذلك فمهما حاول الإسلاميون من وسائل، فنهايتهم باتت حتمية.

عن مرز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق