حجاب المهاجر

كثر من أهل بلادنا اتخذوا قرار الهجرة إلى أوروربا أو أميركا أو كندا من دون أن يتمعنوا بإمكانية اندماجهم في العيش وسط قانون الغرب وثقافة الغرب ودين الغرب ورب الغرب.

وصلوا وفي ظنهم أن الغم سيزول وسينعمون بحياة مرفهة ومريحة في بلاد المال والعلم والحرية، ولكن..!

لدى المهاجر العراقي الآن تجربة لايستهان بها. المهاجر العراقي الذي تدبر بوسيلة ما هروبه من العراق أو من البلاد المجاورة، اتخذ قرار الهجرة وليس في ذهنه تبعات الحياة الجديدة.

نال معظمهم اللجوء السياسي وبسهولة. حملوا بطاقة الإقامة الدائمة التي ستمنحهم الجنسية بعد سنوات قليلة وصاروا مواطنين مقيمين لهم حقوق وعليهم واجبات. حقوقهم لا تتسع هذه الصفحات لذكرها ولكن نستطيع أن نختصرها بالحقوق التي توقظه على إنسانيته… ذلك لأنه قادم من بلاد سحبت منه الكثير من حقوقه. ولكن الواجبات التي تقع على القادم الجديد لاتقل ثقلاً عن هذه الحقوق.
ما إن تمنح مؤسسات الدولة هذا اللاجئ كرت الإقامة، حتى تبدأ في إعادة تربيته وتأهيله. تربية وتأهيل! كلمات قاسية لكنها حقيقة واقعة.
أخطأت إحدى العراقيات التي نالت حق الإقامة، بسبب ضعف لغتها، وقالت لموظف المساعدات الاجتماعية لدى زيارتها الأولى:
ـ كم سأتقاضى راتباً منكم؟

انهال عليها بمحاضرة توبيخية طويلة، قال:
ـ أنت لاتستحقين الراتب الآن، نحن نقدم لك مساعدة، الراتب تتقاضينه من الجهة التي ستعملين فيها، هذه المساعدة التي ستأخذينها الآن، تعطى لك ريثما تتعلمين اللغة وتحصلين على عمل، هذه المساعدة هي من جهود الآخرين، هي ضرائب تقتطع من رواتب الذين يتعبون طوال اليوم من أجل مساعدتك أنت القادمة الجديدة، وأنت أيضاً حين تعملين ستدفعين من راتبك ضرائب لقادمين جدد..
المساعدة التي تقدم للمقيم الجديد، لها شروط صارمة، منها أن ينجز تعلم اللغة خلال فترة أقصاها سنتين، ومن بعدها عليه النزول إلى العمل. يرافق برنامج تعلم اللغة برنامج إعداد المهاجر للعمل والحياة الجديدة معتمداً على نفسه لا على غيره، من استخدام الكمبيوتر إلى كيفية التسوق إلى ملء أوقات الفراغ ووسائل التسلية.

بعد ذلك تتضافر جهود مكتب العمل ومؤسسة المساعدة الاجتماعية وجهات عديدة، يتكالبون جميعاً كي يحاصروا القادم الجديد ويدفعونه إلى العمل والاندماج، كي لا يتقاعس ويقيم عالة على الآخرين.
كثيرون ضربوا على رؤوسهم: ماذا فعلنا بحالنا؟.

الحياة الصارمة الجادة، والقانون المحبوك بطريقة لاتدع لأحد مجالاً لأن يخل، ولو خللاً صغيراً، إذ سرعان ما يُكشف تقاعس المتقاعس وتلاعب المتلاعب، مما يرهق مواطننا الذي نشأ على ذهنية الشرق المشوشة والتي لاتجيد على الأغلب احترام القانون والمحافظة على الحق إلا بالإجبار والإرهاب.

تستقر أمور المهاجر، ويقبل بعد فترة من الرفض والإعراض أن يخضع لنظام وقانون البلد الجديد. يشتغل في أمكنة عديدة ويكتسب خبرات معينة وتجربة في أصعب المجالات، بما أن العمل بحد ذاته مقدس ويرفع من قيمة إنسانيته. يشتغل بكل أنواع الأعمال ومن دون حرج، قد يعمل صاحب شهادة الطب من سوريا مثلاً في تنظيف أدراج البنايات أو في رعاية المسنين وتنظيف فضلاتهم، في تقديم الطعام في المطاعم، وجلي الصحون، في بيع الصندويش والسكاكر، في قبول البقشيش من زبون قدم له كأساً من البيرة.. إلخ. ذلك لأن الذهاب إلى مكتب المساعدة الاجتماعية لنيل تعويض البطالة يصبح أمراً ممضاً ومهيناً له. وشهادته التي يحملها من جامعاتنا لا تساوي في سوق عمل مؤسساتهم ولا حتى “قشرة بصل”.

يقبل أن يندمج في الحياة الجديدة، حين يراقب جيوش الناس صباحاً هاجمة على أعمالها بكل إيمان. سيشعر بأنه إن ظل بلا عمل منبوذ، وبأنه غير خلق الله، يجد أن العمل مهما كان شكله لا يسبب له مهانة أو ضغطاً، على العكس يجده مصدر متعة وراحة، والأجر الذي يتقاضاه يستطيع أن يرفه عن نفسه وعائلته وقد يبعث لأهاليه في بلده مساعدات تسعده وتسعدهم.

الآن ما إن يستقر في بيته وعمله ويطلع بشكل معقول على القانون حتى يبدأ في الانتقاد، بما أن البلد بلد الحرية، والقانون قانون الديموقراطية. ولأن الأغلبية لايتقنون فن النقد وكثيرون مازالوا معبئين بأعراف الشرق، تديّن، تعصب، وكل حسب فهمه، تجدهم يتكتلون على بعضهم أو على أنفسهم، ويخلقون وطنهم الخاص في ما ليس وطناً لأفكارهم وعقائدهم. ينتقدون تحرر الغرب، ينتقدون أسلوب حياة البلد البعيد كل البعد عن أسلوب حياتنا شديد العائلية، يخافون إلى حد المرض على أولادهم، ويناضلون لحمايتهم بطرق غالباً غير مجدية.

طفلة عمرها لايتجاوز الثلاث سنوات تضع الحجاب وتلحق بأمها.
الحجاب عبارة عن شال كبير ملفوف على كامل الرأس بحيث يحجب الشعر وجزءا من الجبين. الأم وابنتها التي تركض وراءها ماسكة بذيلها، لهما الشكل نفسه.

هذه الصورة شديدة الحزن، ليست صورة من الخيال، هذا الوجه الصغير الذي ينبق من جوانب الحجاب نراه كل يوم، أين؟ هنا في السويد. كثيرون وكثيرات يتساءلون: لماذا يعيش هؤلاء هنا؟ حقاً لا نستطيع الإجابة على هذا السؤال، مهما كانت الظروف التي تضطر إلى اختيار العيش في بلاد متفوقة وقاسية في تفوقها، لا يمكن أن تقبل مشاهد مثل هذه، وهي تتكرر كل يوم.
الأمر لا يمكن أن يقبل على أنه دعابة، أو زياً من الصومال مثلاً أو أريتريا، هؤلاء يعيشون في استوكهولم ولايفتؤون يشتمون حرية الغرب ويدافعون عن عقيدتهم بوسائل بالية.

قال لي صومالي كان ينظف رصيف المحطة، حين رآني أدلل ابني:
ـ تمتعي معه الآن غداً يتركك.

يحذّرون بعضهم بسرد تجارب وقصص حدثت، ابنة فلان صاحبت شاباً مثل أي فتاة أوروبية والعياذ بالله، ابن فلان صار له شلة ويسهر ليلة السبت والأحد، ابن فلان ترك بيت أهله وسكن في مدبنة ثانية.. وهكذا.

ومخافة أن تسثمر البنات/ الأولاد القانون الذي يتيح حرية الحياة، يبدأ الأهل بالاشتغال على تمرينهم منذ الصغر، تمرين البنت على ارتداء الحجاب وتجنب صحبة الأوروبيات، ومراقبة تحرك الصبي، رفاقه، اهتماماته. هذا عدا عن تعبئتهم ضد نمط الحياة الذي يحيط بهم.

هذا حال بعض العرب والمسلمين هنا. معظمهم إن لم يكن كلهم على الإطلاق ينامون ويصحون في وجل من أن ينجرف الولد/ البنت في تيار الغرب. يتشددون على أولادهم، وفي بعض الأحيان يستعطفونهم، ذلك لأنهم يعرفون أن الولد بكل بساطة حين يزداد الضغط، يمكنه أن يتوجه إلى مشرف المدرسة ويشتكي تعامل الأهل، ليخضع الأهل بعد ذلك لاستجواب طويل، قد يؤدي إلى نتائج خطيرة منها التحقيق والمراقبة وحتى السجن. هناك الكثير من القصص التي حدثت، خسر الأهل أولادهم تماماً، الذين فضّلوا الاستقلالية وانتقلوا للعيش في شقق تابعة للهيئات الإجتماعية التي ترعى هذه الحالات، على العيش عند الأهل الذين يتشددون في الرقابة ومن دون أي موهبة.

الأمر الملفت أن كثيراً من الزوجات المحجبات اندمجن في حياة الغرب، ومنهن من درست ونالت عملاً جيداً، رغم حجابها ومظهرها المختلف، استطاعت أن تثبت مكانتها، والأزواج لم يمانعوا طموح الزوجة، مادامت تدرس وتعمل في دوائر الغرب وتحت قانون الغرب والذي يبعث عنده اطمئنانا، غير طقس العمل في بلادنا، احتمال مهانة واضطهاد واستغلال… أقول، رغم هذا الأمر لا يتمعن هؤلاء في إيجابيات القانون والحياة الجديدة بل يمضي في تخوفه على أولاده من أن ينجح دين الغرب في مسح رؤوسهم ويبعدهم عن عقيدة أبيه وأجداداه.

كان القطار مزدحماً، وهذا يحدث في ساعات الصباح حين ذهاب الموظفين إلى أعمالهم. كان وجه البنت السمراء الصغيرة جداً محجباً وسط السيقان الكثيرة، ممسكة بيد أمها التي تثرثر مع صاحبتها. في الطرف الآخر من الزحام، أب أوروبي مع طفل، فضّل هذا الأب أن يجلس القرفصاء ليكون وجهه بين السيقان أيضاً ويؤنس ابنه، وراح يقرأ له في كتاب ملون.

راحت البنت الصغيرة ذات الحجاب تصغي للحكاية، وتشد أمها كي تقترب فلا تضيع شيئاً من القصة، فيما تشدها الأم لتبقى بمحاذاة رفيقتها وتكمل حديثها، استمرت البنت بحشر رأسها في الزحام وإبعاد الناس كي تلتقط صوت القصة، تحاول الإصغاء وفي الوقت نفسه تشد أمها. حين نهرتها أمها وزادت في توبيخها كي تلتزم بالوقوف إلى جانبها، تركت يدها وشقت طريقها الصغير لتلتقط ما تبقى من حكاية الكتاب الملون..

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This