حداثة طائفية أم طائفية حديثة (4): حول ولادة الحداثة السلطوية… حداثة الملل والنحل

لقد أمست العروبة كإيديولوجيا وانتماء أهمّ علَم من أعلام الحداثة السياسية في بلاد العرب. وقد سبق للبحث أن أشار إلى الملابسات والسياقات التي حكمت نشوءها وتطورها. وإذا كان لا يخفى دور الأقليات الطائفية في صياغة العروبة الأولى، الموؤودة بغبار مدافع غورو؛ فإن العروبة البديل سيكون، أيضاً، للأقليات دور هام في تنضيد أولوياتها وشعاراتها. مع فارق يتجلى في أن هذه العروبة الأخيرة ستحظى بحضور أقوى من تلك الراحلة. ذلك أن انتقالها من طور الإصلاح والمهادنة مع الغرب إلى طور المجابهة والاحتراب معه، سيعبّدُ لها طريق الصعود على حساب الفكرة الإسلامية. وخصوصاً في العقد الثالث من القرن المنصرم، الذي سيكون قرن تفريخ الأيديولوجيات الجماهيرية المختلفة.

فمن النزعات القومية التي تسيدتها العروبة والتي وجدت فرسانها الأوائل في كل من ساطع الحصري (السُنَّي) وزكي الأرسوزي (العلوي) وميشيل عفلق وقسطنطين زريق (المسيحيان الأرثوذكسيان)، إلى النزوع الإسلامي كنشوء جماعة الأخوان المسلمين في مصر على يد حسن البنا، والأممية التي تجسدت بقيام الأحزاب الشيوعية في سوريا ومصر، على يد الأقليات أيضاً، إلى النزعات التي جاءت رداً على الفكرتين الإسلامية والعروبية بعد أن ماهت بينهما، كالنزعات الإقليمية وأهمها النزعة الفرعونية في مصر التي قاد لواءها الأول كل من سلامة موسى ومحمد حسنين هيكل، و النزعة السورية القومية التي رفع لواءها المسيحي اللبناني أنطون سعادة (الأرثوذكسي)، وصولاً إلى النزعة المحلية كالقومية اللبنانية التي استلهم بعض الذاهبين مذهبها التراث الفينيقي في المنطقة لتمايز بينها وبين الأعراب، وقد رفع لواءها بداية كل من ميشال شيحا (الماروني غالباً) وشارل مالك (الأرثوذكسي)، وأخيراً وليس آخراً النزعة المسيحانية الدولتية التي جسدها حزب الكتائب اللبناني الذي أسسه بيار الجمّيل (الماروني) والذي جاء حزب النجادة العروبي الإسلامي (السُنّي) رداً عليه. يقدم هذا التنوع الآنف الذكر مسحاً مجتمعياً لما هو قائم آنذاك، ويعكس أهواءه وخياراته وأولوياته وأداءه.

سيشهد واقع الحال آنذاك احتراباً فكرياً ومادياً بين هذه الأيديولوجيات، لتغدو بالتالي مع القوى المجسدة لها عنوان حداثتنا التي سنبني. إن القضم الذي شهدته الخارطة المفترضة لما سُمِّيَ بالمملكة العربية بعد طرد العثمانيين من الديار الشامية، والذي بدأ بداية بوعد بلفور لليهود الصهاينة بإقطاعهم فلسطين وطناً لهم، ثم لبنان الذي أعلن عن قيام دولته المستقلة كما رأينا، وتقسيم سوريا إلى دويلات شتى، ثم سلخ لواء اسكندرون وضمه إلى تركيا… كل هذا سيساهم في بناء عروبة لا تعترف بما آلت إليه الجغرافيا من أحوال، ولهذا سنراها تعلي في حولياتها من شأن عناصر أخرى ترى أنها الأنجع في تثبيت مذاهبها. فكانت اللغة، التي سيتم استنتاج الأمة منها عند البعض كالأرسوزي، بالإضافة إلى حضور ماضٍ مستعصٍ على التاريخ، يُشتق منه خلودٌ لا يأبه للزمن، وهو ما يظهر في تأكيد ميشيل عفلق إلى أن هذه “الأمة التي تستيقظ اليوم وتتحفز للنهوض ليست هي بنت اليوم، بل هي نفسها قبل ألوف السنين، ميزتها وحدة الأصل والعنصر يوم كانت الوحدة هي الرابطة المكينة (…) فهذه الأمة التي أفصحت عن نفسها وعن شعورها بالحياة إفصاحاً متعدداً ومتنوعاً في تشريع حمورابي وشعر الجاهلية ودين محمد وثقافة عصر المأمون، فيها شعور واحد يهزها في مختلف الأزمان ولها هدف واحد بالرغم من فترات الانقطاع والانحراف “. (الأحزاب والحركات القومية العربية، الجزء الأول، تأليف كل من: بوعلي ياسين. محمد جمال باروت. محمد نجاتي طيارة، تنسيق: فيصل درّاج. محمد جمال باروت، المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، ص 239). وهو ما سيتيح أن تتلبّس العروبة زيّاً عرقياً أشار إليه سامي الجندي في شرحه مقولة الأرسوزي ” العرب أمة واحدة: لم يقل أمة عربية واحدة. ذلك أنه عرقي يؤمن بالأصالة والنبالة…” (البعث، سامي الجندي، دار النهار، بيروت، 1969، ص 23). وكما أشرنا لم يعترفوا بالجغرافيا القائمة، وما رسم عليها من دول قائمة، فدعوا إلى الوحدة، وشكلت هذه الأخيرة مع الحرية مضمون المجابهة مع الغرب (الاستعمار) الذي سيعمل العروبيون على أبلسته بوصفه المسؤول عن هذه التراجيديا القومية، ويذكر الجندي حادثة طريفة تعكس هذا الأمر إذ يقول: “… كنا لا نستطيع شراء كتب كثيرة فعمدنا إلى جمع ما لدينا في دار الأستاذ (الأرسوزي ـ أنا) فكانت لنا مكتبة ملأت رف النافذة الصغيرة المطلة على الشارع. سرق منها كتاب فأقمنا الدنيا وأقعدناها، واتهمنا الاستعمار بالتآمر على المستقبل العربي ” (البعث، ص 28).

واستناداً إلى هذا الفهم الأصالي الرسالي التوحيدي للعروبة، والذي وجد صياغاته الأساسية في مابين الحربين العالميتين الأولى والثانية، لن يكون للأقليات أي متسع لتثبيت حضورها، أو كما جاء في البيان التأسيسي لعصبة العمل القومي الذي صدر في مؤتمر قرنايل، 1933، ” … وحيث أن ذريعة الأقليات كانت وما تزال سلاحاً ماضياً بيد المستعمرين يبررون بها تدخلهم في شؤون الأمم المستقلة (…) فإننا ننكر ولا نعترف بوجود الأقليات، المذهبية أو العنصرية أو اللغوية، (…) وكل إخلال بهذه الوحدة جريمة وطنية تجب مقاومتها ” (الأحزاب والحركات القومية العربية، ص 80).

سيغدو لبنان وفق هذه المعطيات النافذة الخطرة والمكشوفة التي يمكن أن تتسلل منها رياح المؤامرات على العرب، وهذه فكرة سنجدها تتكرر عند الكثير من النخب العروبية في سوريا والعروبية الإسلامية في لبنان، تلخص هذه المخاوف ما ورد على لسان عبد الرحمن الشهبندر عندما يؤكد ” أننا لا نخاف لا من لبنان الكبير ولا من لبنان الصغير، إذا كان مستقلاً، وإنما نخشى صخرة واحدة من لبنان إذا أريد بها أن تكون مطية للاحتلال… ” (الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ـ مذكرات وخطب، سلسلة قضايا وحوارات النهضة العربية، تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب، منشورات وزارة الثقافة، سوريا، دمشق، 1993، ص 170).

وحقيقة الأمر أن موارنة لبنان، الذين تصدوا للدفاع عن كيان لبنان في وجه الدعوات الدمجية العروبية والإسلامية غير المعترفة بلبنان والمتخوفة منه؛ كانوا ـ الموارنة ـ يرون إلى العروبة الوليدة بالجوار بعبعا إسلاميا يروم ابتلاع ما أنجزوه في لبنان من استقلال ومكانة وخصوصية. وينقل أكرم الحوراني حواراً دار بينه وبين بيار الجميل مؤسس الكتائب اللبنانية، حيث قال هذا الأخير في رده على أحد الأسئلة: ” … نحن اللبنانيين نخشى منكم العرب (يعني المسلمين) أن تعتدوا على حرياتنا الدينية التي نقدسها ونقاتل من أجلها.. إن حفاظنا على كيان لبنان يساوي بنظرنا محافظتنا على مقدساتنا الدينية… ” (مذكرات أكرم الحوراني). والواقع أن ما يعكسه قول بيار الجميل، هو ذلك الخوف الأقلاوي من الابتلاع الأكثري لها. وهو خوف سوف يأخذ بالتنامي منذ أيام الشهابيين الذين انتصروا للموارنة على الدروز ليتصاعد مع الوقائع المتتالية التي ألمت بالموارنة خصوصاً، والمسيحيين عموماً. وهو ما سيدفع إلى السطح فكرة استقلال جبل لبنان بوصفه الوطن الملجأ لمسيحيي الشرق، وبضمانة غربية ـ فرنسية على وجه الخصوص.

إن تنامي عقيدة الدمج والإلحاق والتدخل وعدم الاعتراف بالخصوصيات، بالإضافة إلى نضاليتها ضد الغرب المستعمر ـ وخصوصاً فرنسا ضمانة الاستقلال عند الموارنة ـ بعسكره وقيمه، التي ميَّزت عروبة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ هو ما استثار غرائز البقاء عند مسيحيي لبنان، وسعى بهم إلى تشييد آلياتهم الدفاعية عبر إنتاج مُجمَّعٍ رمزي تنوس مفرداته ما بين الاضطهاد والتعصب والهيمنة والابتلاع الواقع عليهم من قبل المسلمين في الماضي، والذي ما زال يخطط له، لتبدأ ما سيسميه المنسنيور أرسانيوس فاخوري ” دراما المسيحيين الأبدية في الشرق ” والتي سيكون أحد أهم أوجهها هو “… رمي لبنان في حرب من تلك الحروب الجهادية الدينية التي يقصد منها نقل الأكثرية من جانب إلى جانب بتسلل المسلمين (المحمديين) وتهيئة الانضمام ” إلى سوريا …”. (9ـ مختارات في المسألة اللبنانيةـ الانعزالية أفلست، منشورات عمدة الثقافة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، الطبعة الأولى، 1976. 2، ص 168).

لقد وجدت هذه الرمزية التعبوية مسوغاتها، إضافة إلى هذا الطموح العروبي بالتمدد والاحتواء وعدم الاعتراف بهذا الامتياز المسيحي ـ لبنان، والذي يتشارك به، أي الطموح، كل من مسلمي لبنان وعروبيين يقبعون خارج الحدود؛ كذلك ساهمت الدبلوماسية الفرنسية الانتدابية بدعم هذا الخيار اللبناني ودعم الذاهبين مذهبه الذين سيعملون على إلباس العروبة زيّ الإسلام الأكثري النزّاع للهيمنة، وليغدو مشروعهم بالتالي هو العمل على لبننة الآخر الشريك/المسلم، ولو في الحد الأدنى، وهو ما جاء الميثاق الوطني سنة 1943 ليعبر عنه، ذلك الذي سيحضر بوصفه عقداً اجتماعياً تسووياً، المفترض به أن يؤسس للتعايش والتشارك بين المسلمين والمسيحيين في لبنان، بحيث يتنازل الأولون عن مطلب الالتحاق بالأخ الأكبر سوريا، مقابل تخلي الأخيرين عن استدعاء حماية الغرب لهم. وهو ما عبّر عنه رياض الصلح في بيانه الوزاري سنة 1943 عندما قال: ” إن أخواننا في الأقطار العربية لا يريدون للبنان إلا ما يريده أبناؤه الأباة الوطنيون، فنحن لا نريده للاستعمار مستقراً وهم لا يريدونه للاستعمار إليهم ممراً. فنحن وهم إذن نريده وطناً عزيزاً مستقلاً سيداً حراً “. وهو ما عنى انتهاء الممانعة الإسلامية للصيغة اللبنانية والاعتراف بلبنان للمرة الأولى.

بين الصيغة المارونية اللبنانية والصيغة العروبية الفضفاضة، سيطرح المسيحي الأرثوذكسي أنطون سعادة مبادئه الداعية إلى بناء هوية تجد جغرافيتها في ما يسميه بسوريا الطبيعية التي تضم أنحاء بلاد الشام، التي سيضيف إليها العراق فيما بعد، ليغدو مشروعه هلالياً يجد في جزيرة قبرص نجمته. وسيؤسس على هذه المبادئ حزبه السياسي، الحزب السوري القومي الاجتماعي. ما يميز مبادئ حزب سعادة ، أنها سعت إلى مثال… إلى ما يجب أن يكون في نظرها، ولم يحضر الواقع عندها إلا بوصفه مجالاً للنقض والتشكيك والاتهام. وهو ما حولها إلى نوع من العقيدة السياسية للمؤمنين بها، فكانت بهذا متشابهة مع جارتها اللدودة… العروبة، وبعيدة عن البراغماتية الدولتية التي وسمت المارونية السياسية، العدوّة رقم واحد. ولن يوفر سعادة جهداً في استنفاذ ما يتاح له من حجج التاريخ والجغرافيا والأننُربولوجيا وغيرها، ليدلل على معتقده السوري.

يدخل سعادة في مقاربته للصيرورة الاجتماعية والسياسية في المنطقة مدخلاً علمانياً، فأثناء تعرضه للمسألة اللبنانية، مثلاً، نراه يذهب في محاضراته العشر إلى أن أساس المشكلة لا تكمن “في وجود لبنان مستقلاً، ولا في وجود بلاد لبنانية منفصلة، بل حتى ولا بوجود تاريخ لبناني مستقل. إن أساس المسألة اللبنانية شيء واحد ـ الحزبيات الدينية، الدولة الدينية، الدولة القائمة على أساس مذهب ديني معين” التي “… تعني أنها دولة الدين أو الجماعة المختصة بذلك الدين، فيخرج من عضوية الدولة الصحيحة كل من انتمى إلى دين آخر ” (مختارات في المسألة اللبنانية، ص 100).
وانطلاقاً من هذا المدخل العلماني، سيصل حزب سعادة إلى وسم جارتيه (اللبنانية والعروبة) بالرجعيتين الجديدتين، من حيث أن كلتيهما تعبير عن مشروع ديني لا علماني ولو ادّعتا عكس ذلك؛ إذ تؤكد عقائدية سعادة، بعد تمييزها بين الإسلام والمشروع الديني المحمدي العروبي، أنه ” كما لبست الحزبية المحمدية (…) في الرجعية الجديدة لباس “القومية العربية” وارتكزت على مرتكزين أساسيين هما اللغة العربية والدين المحمدي اللذين نشرهما الفتح العربي المحمدي، كذلك لبست الحزبية الدينية المسيحية في الرجعية الجديدة لباس “القومية اللبنانية” واتخذت لنفسها مرتكزين أساسيين هما الدين المسيحي ونظام جبل لبنان تحت السيادة التركية الذي وضع عقيب الحرب الأهلية الدينية المعروفة “بحركة سنة الستين”، التي جرت فيها سنة 1860 مذابح دينية منكرة ” (مختارات في… ص 128ـ 129). وقد غدا من المعروف أن التعايش الميثاقي الاستقلالي اللبناني بين ما أسماهما سعادة بالرجعيتين، المحمدية العروبية والمسيحية اللبنانية، عبر ما أطلق عليه جورج نقاش بالنفييْن “لا للاندماج بالعروبة، لا للتغرب”، هو ما سيدفع سعادة حياته ثمناً لمناهضته.

خاتمة مؤقتة

ليست النزعات الأيديولوجية المذكورة أعلاه (القومية العربية، السورية القومية، القومية اللبنانية) هي النزعات الوحيدة التي مرت على المشرق العربي، وإن كانت الأكثر حضوراً لزمن ليس بالقصير. بل كان هناك العديد منها التي أمعنت برسم خرائطها العقائدية والجغرافية، وتحديد ملامح إنسانها وفقاً لمعطيات متعددة. إلا أنه لا هذه، ولا تلك استطاعت أن تحقق الاستقرار لمجتمعاتها. فلا لبنان استكان إلى كونه “بلد أقليات طائفية مشتركة” كما تفاءلت القومية اللبنانية ذات يوم على لسان ميشال شيحا، ولا التوحيدية العروبية والعلمانية السورية القومية نجحت في تسكين هواجس من كانت تخاطبهم، سواء أكانوا في موقع الأكثرية أو الأقليات…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق