حديث الشعرة والأخطبوط والعقول الحرّة


قبل أربعين عاماً ونيف، في قرية صغيرة لم يكن عدد سكانها آنذاك يتجاوز الخمسمائة نسمة، ولم تكن قد وصلتها الكهرباء بعد، وفي ليلة صيفية مزينة بضوء البدر في السماء، جلست مجموعة من رجال القرية ينوف عددهم على الثلاثين في مجلس سمر كان نجمه شخصا من قرية بعيدة ذاع صيته في مختلف القرى آنذاك كداعية ديني وكمفكر عبقري رغم أنه لم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره. كانت تلك زيارته الأولى لقريتهم الصغيرة، ولأن الجميع ببساطتهم القروية المعروفة وبسذاجتهم الريفية المعهودة وبتدينهم السطحي وإيمانهم الظاهري، كانوا مأخوذين بالشاب النابغة الذي "يشرفّهم" بحضوره بينهم ومخاطبته لهم وهدايته إياهم، فقد تركوا له دفة الحديث من بداية السهرة إلى نهايتها.

ومازلت أذكر إلى اليوم، ولم أكن قد تجاوزت العاشرة من عمري، كيف حدثهم الداعية الشاب عن "شيخ تقي ورع مبروك" أجرى اللـه على يديه الكثير من الكرامات، وعدّد بعضها، وأبرزها ـ وهنا بيت القصيد ـ أن ذلك الشيخ كان قادراً على أن يقطع الشعرة بالسيف، وهي تطير في الهواء، واستدرك صاحبنا: أقصد يقطعها طولا لا عرضا.  مر الحديث دون تعليق من أي من الموجودين المشدوهين تماماً بالضيف الذي أمامهم، والمستعدين لتصديق كل كلمة يقولها، كأنهم منوّمون مغناطيسياً.

 على أنّ بعضهم أحسّ في اليوم التالي "بقلة عقله" عندما أعاد حديث الشيخ المبروك والشعرة والسيف أمام قريب له لم يكن بين الساهرين، ومع أن هذا القريب كان متهماً بشبهة الجنون والتخريف، إلا أنّه ما إن سمع الحديث حتى قال : إن كان هذا الحديث صادقاً، فإن هذا الشيخ "المبروك" لا بد أن يكون ملاكاً نزل من السماء إلى الأرض أو نبياً مرسلاً أو ربما رب العالمين نفسه. أعاد تعليق القريب "المجنون"، إذن ، شيئاً من الوعي والرشد إلى من كان يحدثه، فأحس كما قلنا "بقلة عقله"، وبأنه أفاق من تنويمه المغناطيسي، وتذكر عندها فقط القول المأثور : إذا أردت أن تختبر عقل رجل فحدثه بأمر مستحيل الوقوع. وتنبّه بعد فوات الأوان إلى أن الداعية الشاب العبقري كان يمتحن عقله وعقول الموجودين، ويقيس درجة سيطرته على عقولهم وتحكمه بتفكيرهم، وهو في هذه النقطة كان ذكياً وماهراً ولا شك.

هذه قصة حقيقية جرت وكنت شاهداً عليها، رغم صغر سني آنذاك، ولكن ما أثير حولها من همسات ووشوشات لم يمنع الداعية الشاب من الاستمرار في ممارسة نشاطاته الدعوية على مدى سنوات، لأن أحداً لم يجرؤ على التصدي له ومواجهته ومناقشته نقاشاً منطقياً، بسبب الهالة التي أحاطه بها الناس أو أحاط بها نفسه، إلى أن اكتشف الجميع بعد مرور سنوات وبعد فوات الأوان، خداعه ونفاقه وتلاعبه بعقول الناس، فخفت بريقه وخفّ وهجه وعاد إنساناً عادياً وأقل من عادي، بل ومنبوذاً من قبل البعض.

قفزت هذه الحكاية إلى ذهني بقوة في الأسابيع الأخيرة بعد متابعتي لحكاية الأخطبوط "بول" الألمانيّ الذي نجح في التنبؤ بجميع ببعض نتائج مباريات مونديال جنوب إفريقيا، وقلت بيني بين نفسي في البداية: لو أن هذا الأخطبوط وجد منذ أربعين عاماً أو منذ أربعمائة عام أو منذ أربعة آلاف عام، لوجد حتماً من يعبدونه ويشيرون إليه كإله معبود، أو على الأقل من يعتبرونه من جنس الملائكة والقديسين والأولياء الصالحين وربما من رتبة الأنبياء والمرسلين. ثم فكرت لاحقاً: بل لو كان هذا الأخطبوط يعيش في وقتنا الحالي في دولة عربية أو مسلمة، لأصبح له أتباع وأشياع ومريدون، ولأضيف إلى فرقنا ومذاهبنا الكثيرة المذهب الأخطبوطي أو الفرقة الأخطبوطية، ولكانت بالنسبة لأتباعها ـ دون شك ـ الفرقة الناجية، وطبعاً لذاع صيته في الإعلام العالمي أكثر مما هو الآن، كمثال على الجهل والسذاجة وقلة العقل والتخلف وسيطرة الفكر الغيبي لدى المسلمين.

لكن السؤال الذي ظل يحيّرني بقوة : ما دلالة التعظيم والتفخيم والتبجيل والتكريم الذي يحظى به الأخطبوط "بول" حالياً من قبل الأوروبيين رواد العلم والتقدم والتفكير المنطقي والعقلاني في العصور الحديثة؟ وإذا كان الأخطبوط "بول "يعادل الشيخ التقي في الحكاية السابقة، فمن الذي يعادل في أوروبا الداعية الشاب القديم في الترويج للخرافة ومحاولة السيطرة على العقول والتحكم بالتفكير وقيادته باتجاه محدد؟ ألا يحتاج الأمر إلى دراسة معمقة ومتابعة مركزة، وقبل ذلك كله طبعاً إلى عقول حرة؟!.
 

مواضيع ذات صلة: شعوذات ألمانيّة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق