حديث “من بدّل دينه” – تحليل نصّيّ (1)

حصلت مناقشات طويلة على صفحات الأوان بين الكتّاب والمعلّقين حول استخدام التراث الإسلامي المكتوب كحقيقة تاريخية وقعت. وبما أنّي من الداعين إلى تحليل أخبار هذا التراث لمعرفة قيمتها التاريخية فلا بدّ لي- قبل أن أستخدم التراث- أن أعرض منهجي في نقد أخباره وتحليلها. أوّل مرحلة بالنسبة لي في التحليل هو التحليل النصي. ولمّا هممت بكتابة تحليل نصّيّ لأحد الأحاديث، كان حديث "من بدّل دينه فاقتلوه" خياري الأوّل. إذ لا يوجد حديث أكثر إثارة للجدل والتناحر في الوقت الراهن من هذا الحديث. لكن ما هي القيمة التاريخية التي أتحدّث عنها؟ في حالة حديثنا، مثلاً، القيمة التاريخية (وهي غير القيمة الدينية) تتأتّى من الإجابة عن السؤال التالي : هل نطق محمّد فعلاً بهذه الكلمات؟ فإذا كان الجواب الإيجاب تساءلنا في أيّ سياق نطق محمّد هذه الكلمات؟ ولماذا؟ هل كانت الحالة خاصة أم عامّة؟ هل عنى بها الذي يتحوّلون عن الإسلام إلى غيره أو عنى بها من يخرج عن الجماعة المسلمة (أي هل المسألة دينية أم سياسية)؟ (طبعاً لنبدأ النقاش يجب أن نفترض وجود شخصية محمّد النبيّ ومؤسّس الإسلام). وإذا كان الجواب النفي تساءلنا عمّن نطق بهذه الكلمات؟ ولماذا نسبها إلى محمّد؟ ثم حاولنا الإجابة عن الأسئلة نفسها التي طرحناها في حالة كان محمّد هو المصدر. وبما أنّ كثيراً من المؤرخين وقارئي التاريخ ومستخدميه يشكّكون بصحّة التراث الإسلامي المنسوب إلى القرنين الأوّلين فيجب إذاً أن نطرح أسئلة مماثلة عن أيّ حديث أو خبر نودّ استخدامه في نقاشاتنا. هذه عملية طويلة ومضنية، لكنّ السؤال ليس "كيف نختصرها؟" لكنّ السؤال بالنسبة لي هو "متى نبدأ؟" ولا أفضل من الآن.

النقاش التالي ينصبّ فقط على النص مستخدماً وسائل التحليل النصي ومحاولاً تفكيك النص إلى ما يمكن أن يكون مكوّناته التاريخية الأولية، ومسلّطاً الضوء على كيفية تركيب هذه المكونات بالشكل الذي وصلتنا فيه. أما تحليل الإسناد والسياق التاريخي والمفردات المستخدمة فسيأتي في مقالات لاحقة. بعد ذلك سأجمع نتائج التحاليل المختلفة في مقالة للإجابة عن الأسئلة التي طرحتها أعلاه. فإذا جاء في أحد تعليقاتي على أية مقالة تستخدم التراث الإسلامي أنّ من الواجب وضع الأخبار تحت المجهر قبل استخدامها في حجّة ما، فإني أعني بالطريقة التي سأبسطها هنا في هذه المقالة. وليست الأحكام والتفسيرات المعطية هنا إلا اجتهادات وتأويلات أنا مصدرها أو الأشخاص الذي اعتمدتهم مرجعيات.

التحليل النصي بدأ مع اهتمام النهضويين الأوروبيين باللغتين الإغريقية واللاتينية وبآدابهما وما نتج عن هذا الاهتمام من تحليل للنصوص المقدّسة المسيحية واليهودية. وقد بدأ التحليل النصي يعطي أكله في القرن التاسع عشر مع الألماني يوليوس فلهاوزن ونظريته في تقسيم العهد القديم إلى تراثات أقدم تمّ جمعها وتنسيقها وتحويلها إلى كتاب واحد يتوق إلى أن يكون خطاباً متناسقاً. لست من المطلعين على أعمال فلهاوزن التوراتية والمستخدمين لأدواته، لكنّي على اطلاع على بعض تطبيقات هذه الأدوات على التراث الإسلامي. فلهاوزن نفسه هو أوّل من طبّق أدواته على هذا التراث وجاء بنظرية المدارس (البصرة، الكوفة، المدينة، الشام) وممثليها من المؤرخين الأوائل أمثال أبي مخنف الأزدي وسيف بن عمر. لكنه لم يأخذ نصاً بعينه، لذلك جاءت نظريته دون الهدف الذي وضعه لها وهو مجاراة النتائج التوراتية. أمّا التراث الإسلامي فإنّ نقده انصبّ على الأحاديث المنسوبة إلى محمّد واقتصر في غالب الأحيان على الإسناد فيما يسمّى بعلم الرجال أو الجرح والتعديل. أما نقد المتن فقد اقتصر على فكرتي الغريب والمنكر. هذا النقد لا يفكّك الحديث كنص أدبي أو كنص تاريخي وإنما يطلق حكما ً شاملاً مبنياً على غرابة المفردات أو غرابة الموضوع.

فيما يلي سأستخدم بعض المفردات المستعارة من طريقة تحليل الإسناد التي بدأها جوزيف شاخت (1) وأضاف إليها جوتيه يوينبول (2) والمسماة "بنظرية الصلة المشتركة". ومختصرها أنّنا إذا جمعنا كلّ الأسانيد المرتبطة بحديث ما، ثمّ حوّلناها إلى مخطّط يمثل شجرة الإسناد، فمن المتوقّع أن نرى جذراً عند محمّد وفروعاً تمتدّ إلى عدد من الصحابة، ومن كلّ صحابيّ نرى ذات المخطط (أصل عند الصحابيّ وفروع تمتدّ إلى التابعين). وهكذا دواليك تتفرّع الأغصان الأولى إلى شجرة كثيفة متشابكة الأغصان ينقلنا كلّ فرع من شيخ إلى تلميذه. لكنّ الغريب في الأمر أنّ حالة واحدة تتكرّر مراراً حيث يبدأ الأصل بمحمد ويمتدّ جذع منه إلى صحابيّ واحد، فتابعيّ واحد، ولا تتفرّع الشجرة إلا عند الراوي الثالث أو الرابع. وكأنّ محمّدا قد نطق بحديثه أمام شخص واحد أو أنّ شخصاً واحداً نقل الحديث إلى الجيل التالي. ويتكرّر الأمر في الجيل الثاني، فكأنّ الصحابي نقل الحديث إلى تابعيّ واحد، أو أنّ تابعياً واحداً نقل الحديث إلى الجيل الذي يلي جيله. أن نرى صلة وحيدة بين جيلين فهذا أمر ممكن. لكن أن نرى صلة وحيدة بين محمّد وجيل الصحابة ومن ثمّ بين هؤلاء وجيل التابعين ومن ثمّ بين هؤلاء وجيل أتباع التابعين فهذا أمر غريب. وأن تتكرّر هذه الحالة في مجموعة كبيرة من الأحاديث يجعلنا نشك في صحة الجذع. وهذا ما نحاول أن نناقشه هنا من خلال حديث "من بدّل دينه" كمثال. الراوي الأخير في الجذع الذي تبدأ الشجرة تفرّعها عنده يدعى "الصلة المشتركة"، أي أنّ جميع الفروع تشترك به كمصدر للحديث، أمّا هو فمصدره شخص واحد. يزعم يوينبول أنّ الصلة المشتركة هو المسؤول عن انتشار الحديث المعنيّ أو أنّ لنشر الحديث علاقة ما بالصلة المشتركة. ولا يعني هذا أنّ الصلة المشتركة قد ألفت الحديث أو أنها نسبته إلى محمد، وإنما يعني أنّ الحديث انتشر مرتبطاً باسم الصلة المشتركة خاصة في شكله المكتوب. وهذا الصلة غالباً ما تعود إلى عصر التدوين في القرن الثاني.

نعود إلى حديثنا، الكلمات الأربع التي أرهبت العقول وارتجفت لها القلوب واستخدمها القاصي والداني في التخلص من خصومهم. ولا يزال الناس وخاصة شيوخهم على ديدنهم السابق يسلطون الحديث سيفاً بتاراً على رقاب الناس زاعمين أن "لا إكراه في الدين" تنطبق على الدخول في الإسلام، بينما "فاقتلوه" تنطبق على الخروج من الإسلام متناسين كلّ ما تعلموه عن التخصيص والتعميم في الشواهد الشرعية، مستعيضين عن هذا العلم بقاعدة فقه العوامّ "دخول الحمام ما مثل خروجه". جاء حديث "من بدّل دينه" عن عدّة طرق، وتكفي كلمات قليلة لإخراجها من غياهب غوغل، فقد سال حبر كثير في جمعها وشرحها. وحسب طريقة يوينبول فإنّ صلة الوصل (أي الصلة المشتركة) لمجموعة كبيرة من الأسانيد هو "أيوب السختياني أبو بكر بن أبي تميمة". وهو زاهد بصْريّ (من صغار التابعين)، مولى لقبيلة عنزة، عاش بين عامي 68 و131 هـ (سير أعلام النبلاء 6/15، برنامج بحث المكتبة الشاملة). لكن هناك أسانيد تشير إلى رواة آخرين كصلة مشتركة وسأناقش رواياتهم في مقالات لاحقة. وعن أيوب تتفرع سلاسل عديدة تبدأ بكبار رواة الحديث ومدوّنيه في القرن الثاني. وقد لاحظت علاقة نصية قوية بين السلسلة والمتن لذلك سمّيت المجموعة المتشابهة من المتون باسم الصلة المشتركة، أي أيوب هنا. ولا يعني قولي "نسخة أيوب" أنّ أيوب هو منشؤها فهذا حكم سابق لأوانه، لكن يعني أنّ المتون التي تحوي أيوب في أسانيدها متشابهة، ولا بدّ أن ندرسها معاً. فلا بدّ من اسم جامع لها اخترته الصلة المشتركة. ضمن هذه المجموعة (أي نسخة أيوب) نجد مجموعات جزئية تتشابه فيما بينها فجمعتها تحت اسم الراوي التالي لأيوب، فنجد مثلاً أنّ نسخة أيوب تنقسم إلى راويات حماد بن زيد وسفيان بن عيينة وإسماعيل بن علية. وكلّ رواية تحتوي عدّة صياغات للمتن أسميتها بأسماء مصنّفي المجموعات الحديثية حيث وجدت الحديث. فنرى مثلاً أنّ رواية حماد بن زيد، موضوع هذه المقالة، تتضمن صياغات الطيالسي وابن حنبل والبخاري وغيرهم.

سأبدأ بصياغة ابن حنبل من أجل تقسيم الحديث إلى مركباته كما أراها، ثم سأتتبع هذه المركبات ومواضعها في النص في الصياغات التالية مستنتجاً ما أراه مفيداً في كل صياغة ما. لن أعطي أية معلومات عن الرواة المنخرطين في الإسناد فهذا بحث له وقته ومساحته الخاصة. لكني سأرتّب الصياغات ترتيباً زمنياً من الأقدم إلى الأحدث وفق زمن وفاة المصنفين، حتى يتسنّى لنا ملاحظة أثر الزمن في نقل الحديث. الإحالات المقرونة بكل صياغة تتبع الترقيم المعطى في محرك بحث المكتبة الشاملة (3).

صياغة الطيالسي ت 204 هـ
(الطيالسي، مسند الطيالسي، 1/350) 2689 – حدثنا أبو داود قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن بن عباس قال : لو أتيت بهم لقتلتهم لقول رسول الله (ص) « من بدل دينه فاقتلوه»
هذه أقدم صياغة وجدتها للأثر (اسم جامع للأحاديث والأخبار). لكن نلاحظ أن الحديث مبتور عند "لو أتيت بهم" فلا توطئة لهذه الجملة، لذلك سأستخدم الصيغة التالية كنقط بدء للتحليل.

صياغة ابن حنبل ت 240 هـ
(ابن حنبل، مسند ابن حنبل، 5/452) حدثني أبي2551 … (الحديث). ويتبعه (مسند ابن حنبل، 1/282) 2420 – حدثنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن عكرمة أنّ عليّا رضي الله عنه أتي بقوم من هؤلاء الزنادقة ومعهم كتب. فأمر بنار فأجّجت ثم أحرقهم وكتبهم. قال عكرمة فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله (ص)، ولقتلتهم لقول رسول الله (ص) « من بدّل دينه فاقتلوه»، وقال رسول الله (ص) «لا تعذبوا بعذاب الله عزّ وجلّ».

العناصر السردية
بعد الإطلاع على كافّة الروايات يبدو لي من الناجع عزل المكونات السردية التالية : أوّلاً هناك حكم عليّ (مشهد أناس مرتدّين وقد سيقوا إلى عليّ  فحكم عليهم بالموت حرقاً ونفذ حكمه). ثانياً هناك مداخلة ابن عباس بشقّيها (سمع بالخبر فاعترض على التحريق بالنار، واقترح القتل لو كان الأمر بيده). ثالثاً هناك الأمر النبويّ (من بدّل دينه فاقتلوه). ورابعاً هناك القاعدة الفقهية المنسوبة إلى النبيّ والمختصة بإخراج التحريق من الحدود (لا تعذّبوا بعذاب الله). عزل هذه العناصر السردية سيساعدنا في تحليل نسخ متماثلة من المتون لكن مختلفة في توليف هذه العناصر في سلسلة سردية واحدة.

حكم علي
كعادة الأحاديث فإنّ حديثنا هذا مبتور من سياقه التاريخيّ، ونرى هذا البتر واضحاً في استخدام المبنيّ للمجهول (أتي بقوم). فنحن لا نعرف في أيّ عام حصل الحادث، ولا من قبض على الزنادقة وسلّمهم لعليّ، ولا أين حصل القبض عليهم. ومن باب أولى فإننا لا نعرف متى ولماذا اهتمّ عليّ بملاحقة الزنادقة ومن كان مسؤولاً عن ملاحقتهم وتوقيفهم. هل كانت هذه سياسة معروفة لعليّ أم أنّ القبض على الزنادقة كان محض صدفة؟ كذلك فإننا لا نعرف أين كان عليّ حين قدم عليه الزنادقة الموقوفون، ولا ما دار بينهم من حوار. هل يا ترى سألهم عن جرمهم؟ هل دافعوا عن أنفسهم؟ هل استتابهم حسب ما أقرّ به كثير من الفقهاء لاحقاً؟ هل أمهلهم عدّة أيام ليتفكّروا شأنهم؟  لكن في غمرة هذا البتر العشوائيّ للحدث التاريخي لا يغفل الراوي ذكر بعض الكتب كان الزنادقة يحملونها. وكأنّ السامع يعرف تماماً أنّ هذه الكتب هي الدليل الدامغ على جرم الموقوفين، أو أنّ السامع يتوقّع أن يكون مع الزنادقة كتب، لأنّ صورة الزنادقة مرتبطة دائماً بكتب. من الممكن أن تكون هذه الكتب مقدسة لدى الزنادقة يستبدلون بها القرآن. لا بدّ إذا أن نعرف شيئاً عن تاريخ الزندقة في القرنين الأوّلين حتى نحاول إعادة خلق نتف من السياق التاريخي المفقود للحادثة المروية. ثمّ وفجأة ودون محاكمة يخبرنا الراوي أنّ علياً أمر بتأجيج نار وألقى فيها الزنادقة وكتبهم. ما يؤكّد حدسنا أنّ هذه الكتب هي جزء من الزندقة أنها لاقت ذات المصير المستعر الذي لاقاه أصحابها.

مداخلة ابن عباس
وصل نبأ الحادثة إلى مسامع ابن عباس. كيف وأين ومتى؟ لا نعرف. هذه الأسئلة لا تهمّ الراوي ولا تخدم حبكة سرده. فما يهمّه هو أن ينقلنا سريعاً إلى ابن عباس لنسمع رأيه. ومن يعرف خفايا ابن عباس أكثر من مولاه عكرمة المكثر عنه إلى درجة الإفراط، وكأن هذا المولى كان في الحقيقة كاتب ابن عباس أو موضع سرّه أو مستشاره الخاص. إنّ طريقة ابن عباس في صياغة مداخلته تحملنا إلى أجواء الفقهاء ومجادلاتهم حيث يتقدّم الرأي ويلحقه الدليل : المداخلة الأولى (مداخلة النهي) تتكوّن من رأي " لو كنت أنا لم أحرقهم" ومن دليل " لنهي الرسول".  أمّا مداخلة ابن عباس الثانية (مداخلة الوجوب) فهي متابعة للجدل الفقهيّ الذي بدأه بمقولته الأولى، حيث يعطينا ابن عباس رأيه الفقهي فيما لو عرضت القضية عليه ودليله على هذا الرأي. وهذا الرأي هو أنه كان سيقتلهم "ولقتلتهم"، ويدلّل على وجوب القتل بـ" لقول الرسول".

حكم الرسول (شاهد وجوب القتل)
حكم الرسول في مبدّل دينه هو القتل، كما يدلّ على ذلك الجزء الأوّل من لبّ الحديث: "من بدّل دينه فاقتلوه". وهذا هو الشاهد النصّيّ على وجوب القتل في رأي ابن عباس وإلى حدّ ما، وإن بطريقة غير مباشرة، في حكم عليّ.

القاعدة الفقهية (شاهد النهي عن التحريق)
المداخلة الثانية لابن عباس تعلّل اختيار القتل والعزوف عن التحريق لاختصاص التحريق بالله، أي لأنّه العقاب الإلهي المفضّل الذي لا يجوز لأحد محاكاته. هذا العزوف عن التحريق منسوب إلى الرسول أيضاً وتشهد عليه جملة نهي تشبه أوامر القرآن أو القواعد الفقهية : "ولا تعذّبوا بعذاب الله". وهذه القاعدة هي الجزء الثاني من لبّ الحديث. لكن هناك بعض التناقض أو عدم التحديد على أقلّ تقدير بين إحراق عليّ للمتهمين وبين "عذاب الله". إنّ الغرض من الإحراق في حكم عليّ هو إقامة الحدّ وإنجاز القصاص، أمّا الإحراق الإلهي فغرضه التعذيب كما يذكّرنا بذلك النهي المنسوب للرسول. إقامة الحدّ تؤدّي إلى الموت بعد عذاب مؤقّت، لكنّ الإحراق الإلهي لا يؤدّي إلى الموت فهو بذلك عذاب مستمر أبديّ. إنّ المطابقة بين إحراق عليّ وعذاب الله مطابقة جزئية وكان الأفضل لو كان النهي (ولا تعاقبوا بعقاب الله).

لا أملك إلا أن أعرض هنا إحساسي بأن القاعدة الفقهية مقحمة على القصة، إذ لا مقدّمة تمهّد لذكرها. إنّ رأي ابن عباس بالوجوب يأتي دليله مرفقاً بلام السببية تمهيداً لذكر الشاهد ككلام منقول : "لقول رسول الله (من بدّل دينه فاقتلوه)"، أمّا مداخلة ابن عباس بالنهي فلا صلة قواعدية بينها وبين شاهدها "لم أحرقهم لنهي رسول الله …. يقول رسول الله (لا تعذّبوا بعذاب الله)"، وكان الأفضل لو كرّر الراوي لام السببية هنا كأن يقول "لقول رسول الله (لا تعذّبوا …)". قد تبدو هذه الملاحظة متحيّزة أو جائرة، لكن الانفصال القواعدي بين رأي النهي وشاهده سنراه بأشكال مختلفة في أغلب النسخ والصياغات.

مخطط صياغة ابن حنبل
في حالة كل صياغة سنرسم مخططاً لسلسلة المكوّنات السردية في الصياغة المدروسة ليسهل علينا مقارنة المتون المختلفة حسب مخطط السرد. مخطط صياغة ابن حنبل هو كالتالي : حكم عليّ، مداخلة ابن عباس (مداخلة النهي، مداخلة الوجوب)، حكم الرسول (شاهد الوجوب)، القاعدة الفقهية (شاهد النهي). وبتفصيل أكثر : حكم عليّ وتنفيذ الحكم، رأي النهي ودليله، رأي الوجوب ودليله، شاهد الوجوب، شاهد النهي. سنرى في الصياغات القادمة تغييراً مستمرّاً لترتيب حلقات السلسلة السردية.

رسالة جانبية
قد تكون الغاية الأساسية للحديث هي التذكير بقاعدتي "قتل المرتدّ" و"النهي عن محاكاة الله في التعذيب" لكن شخصيات السرد ودور كلّ منها يعطيني إحساساً بوجود غاية جانبية أراد الراوي أن يمرّرها إلى أذهاننا دون وعي منا.هذه الغاية باعتقادي ذات ثلاث شعب : الشعبة الأولى هي صورة عليّ كحاكم وصورة ابن عباس كفقيه. الثانية هي صورة عليّ كحاكم متسرّع في حكمه وجاهل بقواعد المحاكمات الفقهية التي تتطلّب معرفة كاملة بالأوامر والنواهي الرسولية، وصورة ابن عباس كفقيه فطن عالم متبحّر في علمه. الثالثة هي هذا الافتراض الذي طرحه ابن عباس (لو كنت أنا) كاحتمال ممكن يقدّم حاكماً فقيهاً فطناً ومتأنياً لا يهفو هفوات المتسرّع الجاهل. إنّ صورة عليّ هذه (الحاكم المتسرّع الذي يسرع إلى سيفه قبل عقله) التي يرسمها الحديث تتطابق مع صورته التي نسجتها التواريخ المكتوبة في العصر العباسي، والتي تصوّر أيضاً العباسيين كخيار أفضل للحكم من عليّ وأحفاده. هذا الخيار يجمع التأنّي إلى العلم بالشريعة المحمدية والعلم بأصول المحاكمات الفقهية.

ملاحظات

قبل الانتقال إلى الصياغات المختلفة لرواية حمّاد بن زيد، لا بدّ من إثارة موضوع ارتباط الردّة عن الدين هنا بالزندقة. ألا يكون المرء زنديقاً إلا إذا بدأ مسلماً ثم تحوّل عن الإسلام وآمن بكتب الزنادقة التي نراها تصاحبهم في مشهد حكم عليّ؟ هل كان الزنادقة دائماً بحكم المرتدّين حسب أهل الحديث؟ كيف يجب أن نفهم الردّة؟ أبمعناها التاريخي كما في حروب الردّة أم بمعناها الفقهيّ، أو بالأحرى معانيها الفقهية المتعدّدة؟

صياغة الدارمي ت 255 هـ


(الدارمي، الردّ على الجهمية، باب الاحتجاج في إكفار الجهمية 1/199) 361 – وأما الأثر فيه فما حدثنا سليمان بن حرب عن جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة أن عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه أتي بقوم من الزنادقة فحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فقال أما أنا فلو كنت لقتلتهم لقول رسول الله « من بدل دينه فاقتلوه» ولما حرقتهم لنهي رسول الله «لا تعذبوا بعذاب الله».


(الدارمي، الردّ على الجهمية، باب الاحتجاج في إكفار الجهمية 1/199) 361 – وأما الأثر فيه فما حدثنا سليمان بن حرب عن جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة أن عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه أتي بقوم من الزنادقة فحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فقال أما أنا فلو كنت لقتلتهم لقول رسول الله « من بدّل دينه فاقتلوه» ولما حرقتهم لنهي رسول الله «لا تعذّبوا بعذاب الله»، زاد سليمان في حديث جرير فبلغ عليّا ما قال ابن عباس رضي الله عنهم فقال ويح ابن أمّ الفضل إنه لغوّاص على الهنات.

حكم عليّ لا يزال كما هو في الأثرين. المبنيّ للمجهول يلخّص التوقيف والمثول أمام عليّ، الراوي هنا متأكّد أنّ الموقوفين من الزنادقة لكنه لا يذكر أية كتب وجدت معهم. ذكر الكتب سقط من الحديث كما سقط تفصيل أمر عليّ بتـأجيج النار. تنفيذ الحكم يستعيض بالفعل على وزن فعل من جذر حرق بدلاً عن الفعل على وزن أفعل. وهذا ممكن لأنّ وزن أفعل يحمل في أحيان كثيرة ذات معنى وزن فعل. لكنّ المهمّ بالنسبة لنا أنّ الرواة يحدثون بالمعنى، إلا في حالات جمل بعينها هي لب الحديث مثل "من بدل دينه فاقتلوه" أو "لا تعذبوا بعذاب الله". قد لا يرى القارئ العادي أي ضير في هذه الاختلافات اللغوية الطفيفة، لكن الحقيقة أن لهذه الاختلافات دلالات حقيقية تخص منشأ الحديث وانتقاله من جيل إلى جيل. هذه الدلالات ستتعمق كلما نظرنا إلى نسخ جديدة أو صيغ جديدة للحديث. إذا نظرنا مثلاً إلى صيغة أدبية معروفة تماثل الحديث في انفصالها عن أي سياق تاريخي أولي، وأعني الأمثال، لوجدنا ذات الاضطرابات اللغوية والسردية عندما يحاول أحد الرواة أن يقرن المثل بقصة مزعومة تشرح منشأه. الأمثال هي حصيلة حكمة الشعوب على مر سنين وجودها ولا يمكن معرفة القصة الحقيقية لنشوئها، هذا إذا كانت هناك قصة واحدة فعلاً. اهتم الملوك والحكماء والأدباء في كلّ عصر بجمع الأمثال لأنها تعين الإنسان على حلّ مشكلاته، خاصة المتكرّرة منها. إنّ احتمال أن يكون الحديث قصة ملفّقة حيكت حول جملتين معروفتين (مثالين أو قاعدتين من قواعد قضاة القبائل وحكماء القرى والمدن) وارد، وما الاضطرابات اللغوية والسردية إلا دليل على إمكانية أن يكون هذا الاحتمال حقيقة.

نرى اضطرابات لغوية أيضاً في مداخلة ابن عباس. في صياغة الطيالسي يقول ابن عباس "لو أتيت بهم" وفي صياغة ابن حنبل يقول "لو كنت أنا" وفي صياغة الدارمي يقول "أمّا أنا فلو كنت". هذه الاختلافات الطفيفة تعني أنه كان للرواة المتعاقبين حرية اختيار كلمات الحوار الثانوي الذي لا يتعلّق بلبذ الحديث (أي جملتي الأمر سابقتي الذكر). هذه الحوارات هي من متطلبات السرد وحياكة القصة ولا يهمّ حفظها بدقّة، لأنّ السرد أسلوب في نقل اللبّ الذي يوجد عادة كجملة خارج أيّ سياق تاريخيّ أو سرديّ.

الراوي هنا يعيد ترتيب العناصر الثلاثة الأخيرة، أي المداخلة والحكم والقاعدة، بطريقة أراها تتبع ذوق الراوي وما يبدو له تسلسلاً منطقياً أو وضوحاً في الرواية. في صياغة ابن حنبل حكم الرسول (شاهد الوجوب) يفصل بين رأي النهي ودليله وبين القاعدة الفقهية (شاهد النهي) التي تبرّر رأي النهي هذا. أما في صياغة الدارمي فإنّ مداخلة ابن عباس مقسومة إلى قسميها ويتبع كل قسم شاهده من أقوال الرسول. فمخطط صياغة الدارمي هو التالي : حكم عليّ،  مداخلة الوجوب (رأي الوجوب، دليل الوجوب)، حكم محمّد (شاهد الوجوب)، مداخلة النهي (رأي النهي، دليل النهي)، القاعدة الفقهية (شاهد النهي).

الانفصال القواعدي بين مداخلة النهي (رأي ودليل) وشاهدها لا يزال موجوداً وإن بحدّة أقلّ من صياغة ابن حنبل. إنّ الفعل نهى يتعدّى بحرف الجرّ عن. وتنطبق التعدية على المصدر أيضا. فوجب إذاً على الراوي إمّا أن يحول الكلام المنقول إلى جملة إسمية تقع موقع المجرور بعن كما في (لنهي رسول الله عن التعذيب بعذاب الله) أو أن يعزل الكلام المنقول (لا تعذّبوا …) عن المصدر  بتمهيد مثل "لنهي رسول الله بقوله «لا تعذّبوا بعذاب الله»". وقد يختار الراوي أن يغيّر الجملة كلها فيجعلها موازية في صياغتها لمداخلة الوجوب وشاهدها كأن يقول "لم أحرقهم لقول رسول الله «لا تعذّبوا بعذاب الله»". قد تكون متطلبات الأسلوب في القرن الثالث الهجري مختلفة عن متطلبات الأسلوب في القرن الخامس عشر (أي الآن). لكني ما جادلت هذا الجدال إلا لإظهار ممارستين متناقضتين في تركيب الأثر المرويّ نراهما في كلّ النسخ والصياغات. هاتان الممارستان هما ممارسة التشدّد في نقل ما يمكن اعتباره لبّ الأثر (كما في قولي الرسول) بصيغة المتكلم، تقابلها وتعاكسها ممارسة التساهل في نقل الحشو والترتيب اللذين يتطلبهما السرد القصصي. وهذا يعيدنا إلى مقارنة الأحاديث مع الأمثال حين تتمّ قولبتها بقالب قصصيّ.

ثم يأتينا الدارمي بصياغة مطابقة لصياغة روايته الأولى عن حماد عن أيوب لكنها برواية جرير عن أيوب. وكلتا الصياغتين يرويهما سليمان بن حرب. كيف أتى سليمان بصياغتين متطابقتين عن راويين مختلفين؟ وجدنا في تحليلنا السابق (وسنجد ذلك في تحليلنا اللاحق) أن الروايات لا تتفق تماماً وأن تفاصيل السرد وتوليف العناصر السردية يتبع الراوي (خاصة في القرن الثاني). فكيف يأتي سليمان بصياغتين متطابقتين حرفياً لراويين مختلفين، اللهم إلا إذا أراد أن يضيف عنصراً جديداً إلى نسخة حماد المعروفة. سنسمّي هذا العنصر جواب عليّ. هل عزو الإضافة إلى سليمان عن جرير صحيح أم أن سليمان أضاف جواب عليّ لأسباب لا نعرفها (كأن تكون محاولة منه لإضافة نوع من الدراما إلى المقارنة بين ابن عباس وعلي) ونسبها إلى جرير لمعرفة السامعين أنّ رواية حماد بن زيد لا تحتوي هذا الرد في عناصر تركيبها؟ سنعود إلى هذه المشكلة في نسخ وصياغات أخرى تورد جواب علي.

جواب عليّ
"ويح ابن أمّ الفضل إنه لغوّاص على الهنات" هو ردّ فعل عليّ على انتقاد ابن عباس المحبوك بتسلسل يخضع لمنطق الفقه الإسلام المتأخّر. هذا الردّ يبدأ باسم الفعل "ويح" الذي يفيد التأنيب مرفقاً بصيغة "ابن أمّ الفضل" (أي ابن عباس، فأمّه هي أم الفضل) التي لا تستخدم إلا في حالات الغيظ المكتوم المشوب بالإعجاب والخضوع للحقيقة المؤلمة. فالنسبة إلى الأمّ دون الأب سبّة في عرف العرب القدماء، لكنها سبّة لا تتجاوز حدود اللائق المعروف والاحترام الواجب. وينتهي ردّ عليّ باعترافه بنباهة ابن عباس وتوقّد ذكائه فهو يغوص ليكتشف الهفوات الصغيرة. ولا بدّ من الملاحظة هنا أنّ نعت ابن عباس بالغواص يتلاءم مع نعته المعتاد في كتب التراث، أي "بحر العلوم".

صياغة البخاري ت 256 هـ
(البخاري ،صحيح البخاري، 21/241) 6411 – حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال أتي علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله (ص) «لا تعذّبوا بعذاب الله» ولقتلتهم لقول رسول الله (ص) « من بدّل دينه فاقتلوه»

صياغة البخاري لا تختلف عن الصياغات السابقة إلا في حدود ما رأيناه من هامش الحرية المتاح للراوي في اختيار الحشو الضروري للسرد أو في إسقاط بعضه. الزنادقة هنا لا يحملون كتباً، وأمر عليّ بتأجيج النار مسقط. وهذه الصياغة في اختيار كلماتها هي أقرب ما تكون إلى صياغة ابن حنبل مع إعادة ترتيب العناصر الثلاثة الأخيرة (المداخلة، حكم الرسول، القاعدة) ليترافق الرأي مع الدليل مع الشاهد.  فيكون مخطط صياغة البخاري، ثالث مخطط لنسخة حماد بن زيد، كالتالي: حكم عليّ، مداخلة النهي (رأي، دليل)، القاعدة (شاهد النهي)، مداخلة الوجوب (رأيي، دليل)، حكم الرسول (شاهد الوجوب). طبعاً جواب عليّ غائب من هذه الصياغة.

صياغة الطحاوي ت321 هـ
الصياغة الخامسة لنسخة أيوب برواية حماد بن زيد وصلتنا عن طريق الطحاوي الذي يعطينا إسنادين يفترقان عند أيوب فيذهب الأول إلى حماد بن سلمة ويذهب الثاني إلى حماد بن زيد.
(الطحاوي، مشكل الآثار، 6/354) 2401 – حدثنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة بن أبي خليفة قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي قال : حدثنا علي بن شيبة قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ح
وحدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عكرمة أنّ عليّا رضي الله عنه أتي بقوم زنادقة أو ارتدّوا عن الإسلام، ووجدوا معهم كتبا، فأمر بنار فأجّجت فألقاهم وكتبهم، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال : لو أني كنت أنا لقتلتهم؛ لقول رسول الله (ص) ولم أحرقهم؛ لنهي رسول الله (ص) : « من بدّل دينه فاقتلوه ولا تعذبوا بعذاب الله »

كما رأينا في الصياغات السابقة فإنّ اتفاق راويين متقدّمين (من القرن الثاني) في روايتهما لهذا الأثر أمر يندر حدوثه. ونذكر هنا روايتي سليمان بن حرب  لصياغة الدارمي الأولى عن حماد بن زيد والثانية عن جرير بن حازم.  وكما حدث في صياغة الدارمي فإنّ إسنادي الطحاوي يفترقان بعد أيوب لكنها لا يعودان ليلتقيا بعد ذلك كما حدث مع سليمان بن حرب. لا بدّ من تعليل هذا الافتراق حين تحليلنا للإسناد. لكننا سنكتفي بإلقاء الشك على رواية حماد بن سلمة كما فعلنا في رواية جرير بن حازم. وسنعود لاحقاً للحديث عن الرواة. أما الآن فنحن بصدد تحليل المتون فقط. لكني سأترك الاحتمالات التالية تعتمل في أذهان القراء : قد نعزو الاختلافات الطفيفة في متون العناصر السردية وفي ترتيبها إلى حماد بن زيد (روى ذات الحديث في جلسات مختلفة) أو إلى حماد بن سلمة (إذا كان فعلاً صاحب الرواية الثانية) أو إلى محاولة الطحاوي توليف الروايتين حتى يجمع الأسانيد مع متن واحد يثق به.

حكم عليّ يبدأ بصيغة المبنيّ للمجهول التي رأيناها سابقاً، لكنّ الراوي ليس متأكّداً هنا فيما إذا كان الموقوفون زنادقة أو مرتدّين عن الإسلام من غير الزنادقة. هذا أوّل شك نراه في هوية الموقوفين الدينية. هل هناك سابقة تاريخية للارتداد لا علاقة لها بالزندقة؟ من الغريب أن لا يحدّد الراوي سبب الارتداد وكأنّ السبب لا يهمّ بقدر ما يهمّ العقاب. ونلاحظ هنا أيضاً غياب لهجة الاتهام والتهكم التي رأيناها في صياغة ابن حنبل حيث يقول الراوي (بقوم من هؤلاء الزنادقة). كما نلاحظ تدخلاً خارجياً بغرض تفتيش الموقوفين ليجدوا معهم دليل الاتهام، أي الكتب. وهنا أيضاً لا تحديد لطبيعة هذه الكتب أهي خاصة بالزنادقة وهم معروفون بها أم أنها كتب عادية؟ وأخيراً يلقي عليّ بالمتهمين في النار "بكتبهم". إن راوينا هنا يحدّد كيفية الإحراق، أي بالإلقاء في النار، بينما اكتفي الراوي السابق بالفعل العام "أحرقهم".

لا بدّ أن نلاحظ هنا أنّ النار في الروايتين أججت أولاً ثم أحرق فيها المتهمون. وهذا يخالف العادة الأوروبية مثلاً بربط المتّهمين إلى عمود محاط بالحطب ومن ثم إضرام النار في الحطب لتلتهم المتّهمين عندما تتأجّج وتبلغ ذروتها. كيف يا ترى كان يجري الإحراق في القرنين الأولين للإسلام؟ ولا أملك إلا أن ألاحظ استخدام الراوي الثاني لتعبير قرآنيّ (ألقاهم في النار) وكأنه يدفعنا لملاحظة محاكاة تنفيذ حكم علي لتنفيذ العقوبة الإلهية، ممّا يمهّد بالتأكيد لاعتراض ابن عباس على الإحراق لكونه مختصاَ بالله.

إن مداخلة ابن عباس تبدأ بجملة شرطية مشابهة لما رأيناه سابقاً : أي "لو أني كنت أنا" بدلاً عن "لو كنت أنا" في صياغتي ابن حنبل والبخاري، أو "أما أنا فلو كنت" في صياغة الدارمي. مداخلة ابن عباس خضعت لإعادة تأثيث جذرية لا غرض منها كما يبدو لي إلا دمج الأمر والنهي المحمّديين في قاعدة واحدة بصيغة المتكلم، أي "من بدّل دينه فاقتلوه ولا تعذّبوا بعذاب الله"، تأتي كشاهد واحد على محاكمة ابن عباس، وكأن محمّد نطق بالجملتين في آن واحد وأثناء سياق واحد (هذه التصرف في عناصر الأثر قد يتراكم مع الزمن في بعض الحالات ليخلق تفسيراً مختلفاً للأثر الأقدم). الراوي هنا يؤخر القاعدة حتى تنتهي المحاكمة (لو كنت أنا لقتلتهم لقول الرسول ولم أحرقهم لنهي الرسول). إعادة التأثيث هذه لا تغير في عبارات الرواية السابقة وإنما تعيد ترتيبها مما يجعلني أجزم أن الرواية هي ذاتها رواية حماد بن زيد لكن خضعت لجهود راو لاحق وجد في الصيغة الجديدة عرضاً منطقياً أكثر أو جذاباً أكثر لإتيانه القاعدة في جملة واحدة في نهاية الحديث. إن صياغة الطحاوي في اختيار كلماتها هي أقرب ما تكون إلى صياغة ابن حنبل، لكن، وكالعادة، فإن العناصر الثلاثة الأخيرة تخضع مرة أخرى إلى إعادة ترتيب. فيكون مخطط صياغة الطحاوي كالتالي : حكم عليّ، مداخلة الوجوب (رأي، دليل)، مداخلة النهي (رأي، دليل)، والشاهدان (أي حكم الرسول والقاعدة الفقهية) في جملة واحدة.

صياغة ابن حبان ت 354 هـ
(ابن حبان، صحيح ابن حبان) 5606 – أخبرنا الحسن بن سفيان قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة : أن عليا أتي بقوم قد ارتدوا عن الإسلام أو قال : زنادقة معهم كتب فأمر بنار فأججت فألقاهم فيها بكتبهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال : أما أنا لو كنت لم أحرقهم لنهي رسول الله (ص) ولقتلتهم لقول رسول الله (ص) : «لا تعذبوا بعذاب الله» وقال رسول الله (ص) : « من بدل دينه فاقتلوه».

مخطط صياغة ابن حبان هو كالتالي: حكم علي (مع الشك في هوية الموقوفين الدينية، ذكر الكتب وتأجيج النار، الإلقاء)، مخالفة ابن عباس تبدأ بمداخلة النهي تليها مداخلة الوجوب، أما الشواهد فتبدأ بالقاعدة الفقهية وتنتهي بحكم الرسول. أي أن ترتيب الدليلين جاء بعكس ترتيب المداخلتين. لكن لام السببية في "قتلتهم لقول رسول الله لا تعذبوا …" قد تحملنا على الاعتقاد أن القاعدة الفقهية شاهد مزدوج لمداخلة الوجوب ولمداخلة النهي أيضاً، ليأتي حكم الرسول بعده كتأكيد على وجوب القتل الذي اقترحه ابن عباس بدلاً عن الإحراق. فتكون هذه الصياغة حسب هذا التفسير هي الصياغة الأولى التي تحاول ردم هوة الفصل الذي أشرنا إليه بين رأي النهي ودليله. لكننا قد نفهم لام السببية في "لقول رسول الله" عائدة على "لنهي رسول الله" لكنّ الراوي فشل في إضافة لام سببية على القول الثاني الحاوي لحكم الرسول. هذا ترتيب آخر يدلّ على مصارعة الرواة لعناصر الحديث في محاولة لربط قولي الرسول بمداخلة ابن عباس ربطاً منطقياً.

صياغة البيهقي ت 458 هـ
(البيهقي، السنن الكبرى، 8/202) 17310- أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان ح
وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قالا حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة : أنّ عليّا رضي الله عنه أتى بقوم من الزنادقة فحرقهم بالنار فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنه فقال : أما أنا فلو كنت لقتلتهم لقول النبيّ -(ص)- ولما حرقتهم لنهى النبي -(ص)- قال رسول الله -(ص)- :« من بدّل دينه فاقتلوه ». وقال « لا تعذّبوا بعذاب الله عزّ وجلّ». لفظ حديث إسماعيل وفى رواية يعقوب بقوم من الزنادقة أو مرتدين فأمر بهم فحرقوا. رواه البخاري في الصحيح عن أبى النعمان عن حماد.

هذه رواية أخرى لسليمان بن حرب عن حماد بن زيد وهي تتطابق مع رواية سليمان في صياغة الدارمي مع فارقين : الأول هو إلحاق المقولة بدليلها مباشرة، والثاني هو زعم يعقوب بن سفيان أن سليمان تردّد بين "قوم من الزنادقة" و"مرتدين". البيهقي يحدد أن الحديث الذي أورده قد أورده بلفظ إسماعيل بن إسحاق وليس بلفظ يعقوب. فقد يكون لفظ يعقوب مختلفاً عن لفظ إسماعيل في مناحي اعتبرها البيهقي غير ماسة بجوهر الحديث. وفي هذا قد نجد حل معضلة المتن الواحد لراويين مختلفين (كما في صياغة الدارمي وصياغة الطحاوي)، وهو أن المصنف جمع المتون وذكر الحديث بلفظ إحدى الروايتين. نضيف هذه الممارسة إلى هامش الحرية في تغيير الأثر (غالباً في نواحيه السردية) الذي يتحرك فيه الراوي ناقل الأثر. أما إهمال إسماعيل وكذلك الدارمي لشك سليمان بهوية الموقوفين الدينية فهذا يمكن عزوه إما إلى إسقاط إسماعيل لهذا الشك في إحدى جلساته أو إلى إسقاط إسماعيل والدارمي معاً لهذا الشك. وفي الحالتين فإن الرواة متحمسون جداً للمطابقة بين تهمة الزندقة وتهمة الارتداد عن الدين. وللمرة الثانية لا بدّ لنا من البحث في تاريخ الزندقة وتاريخ محاربة أهل الحديث لها فقد يكون الحديث سلاحاً أساسياً في القضاء على الزندقة التي رأى فيها أهل الحديث هرطقة بعيدة عن الإسلام بُعد المرتد عنه. وإلى أن نعود إلى هذا الموضوع نطرح الفكرة التالية على بساط النقاش: إذا اعتُبر الزنادقة مرتدين فلابد أنهم عُدّوا مسلمين حقيقيين في مرحلة تاريخية ما. فالسؤال الهام الذي سيساعدنا في تحديد زمان إشاعة حديث "من بدل دينه" هو متى نظر الخلفاء إلى الزنادقة على أنهم مرتدون؟ ونخص الخلفاء هنا لأن أمر القتل لا ينطبق على المسلم العادي بل على الإمام الحاكم. تخطر سريعاً إلى ذهني ملاحقة الخليفة المهدي للزنادقة وإنشاؤه ديوان الزندقة.

 المراجع:
(1) يرى جوزيف شاخت أن الإسناد نشأ في القرن الثاني الهجري ونما رجعياً إلى أن وصل إلى النبي محمد. انظر
Joseph Schacht. Origins of Muhammadan Jurisprudence. Oxford: Clarendon Press, 1950.
 (2) يرى جوتيه يوينبول أن الإسناد ظهر في أواخر القرن الأول الهجري. وقد طوّر منهاجاً لتحديد تاريخ تقريبي لانتشار (وليس بالضرورة لاختلاق) الكثير من الأحاديث التي وصلتنا مجموعة متنوعة من سلاسل أسانيدها. وكتابه الأخير موسوعة مرتبة ترتيباً أبجدياً لأسماء الصلات المشتركة (أي الرواة المسؤولين عن نشر حديث ما) والأحاديث التي نشروها مع تحليل لشجرة إسناد كل من هذه الأحاديث:
G. H. A. Juynboll. Encyclopedia of Canonical Hadith. Leiden: Brill, 2007.
ولا يعتقد يوينبول بأن الأحاديث برمّتها منحولة بل يعتقد بأن بعضها (نسبة صغيرة من الكل) يجب أن ينسب بالفعل إلى محمد.

(3) المكتبة الشاملة (www.shamela.ws)، برنامج مجاني يمكن تحميله من مواقع كثيرة على الإنترنيت. وهو أداة تدبير وإدارة لبنك هائل من المعلومات يحتوي مئات من الكتب التراثية وغيرها. .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This