حديث “مَنْ بدّل دينه” – تحليل نصّيّ (3)

قد يعتقد القارئ أنّ عليه أن يتذكر تفاصيل ونتائج الحلقتين السابقتين من هذه الدراسة، أي تحليل نسخة أيوب برواية حماد بن زيد وتحليل نسخة أيوب برواية سفيان بن عيينة . لكن في الحقيقة، وإن كنا قد حللنا ثلاث عشرة رواية للحديث نفسه، فإن النتيجة بسيطة: تدور كل هذه الروايات في فضاء رواية أصلية أسميناها نسخة أيوب (وإن لم نؤكد أن أيوب هو مصدرها). وهي تنقسم إلى مجموعتين، حيث تتشابه الروايات ضمن كل مجموعة وتختلف بعض الشيء عن روايات المجموعة الأخرى. أسمينا المجموعة الأولى رواية حماد والثانية رواية سفيان. ولاحظنا أن هذا التشابه وهذا الإختلاف يستمر مع الزمن، أي أن كل مجموعة تحافظ على خصائصها مع الزمن، كما تحافظ مجموعة روايات نسخة أيوب كلها على خصائصها كما سنرى هنا. تتّسم مجموعة حماد بابتدائها بعليّ وبتأكيدها في البدء على إحراق عليّ لزنادقة، لكن ثقتها بهذه الهوية الدينية للموقوفين تتخلخل بعض الشيء مع الزمن. كما تتّسم المجموعة بضعف الصلة بين مداخلة ابن عباس بخصوص النهي عن التعذيب بعذاب الله وبين شاهد النهي. أما مجموعة سفيان فتتّسم بابتدائها بوصول نبإ عليّ إلى ابن عبّاس وبشكّها في البدء بهوية الموقوفين، أهم زنادقة أم مرتدون، لكن هؤلاء المرتدين يتحولون مع الزمن إلى مجرد "قوم" أحرقهم عليّ. وتلحق بمجموعة حماد في إحدى الصياغات زائدة ردّ عليّ على مداخلة ابن عباس؛ كما تلحق بمجموعة سفيان زائدة الدهني التي تحاول نفي تهمة التحريق عن عليّ.

أما هذه المقالة فتهتم بتعيين خصائص مجموعة ثالثة من الروايات التي تنتمي إلى روايات نسخة أيوب. وهي المجموعة الأخيرة من روايات نسخة أيوب، فلا بد إذاً من تقديم تعريف واضح لنسخة أيّوب حتى نتمكن من مقارنتها بنسخ أخرى.

نعم أصدقائي هناك نسخ أخرى فلا ينفد صبركم لأنّ فهم ما تراكم على مرّ قرون يحتاج إلى بعض الوقت. ولن نغتر بأناتنا لأن الأجيال القادمة من دارسي التراث الإسلامي لا بد سترى ما غاب عنا فحسبناه غير موجود. لكن النسخ متناهية في عددها وحجمها، وكما رأينا فإن مجموعات من الروايات تميّز نفسها بخصائص ثابتة فنتعامل معها في تحليلنا النصي تعاملنا مع رواية واحدة. أهمّ ما يميز نسخة أيوب هو قالبها القصصي وتركيزها على الجدال الفقهي بين عقوبة التحريق وعقوبة القتل، فنراها تجمع بين مقولتين منسوبتين إلى الرسول محمد، الأولى تأمر بالقتل والثانية تنهى عن التحريق لارتباطه بالعقاب الإلهي. هذا الجدال في قالبه القصصي يعكس جدالاً آخر سياسياً بين أنصار ابن عباس وأنصار عليّ يظهر فيه عليّ وقد تعثر فقهياً ليعيب عليه ابن عباس عثرته هذه. الرواية التي سنناقشها هنا ندعوها برواية إسماعيل بن عليّة، وهي لا تخفي انتماءها إلى نسخة أيوب بإظهارها هذه الصفة الأساسية التي انتهينا تواً من ذكرها. لكن وكما رأينا سابقاً فإن لها خصائصها ومميزاتها التي تفصلها عن روايتي حماد وسفيان. 

قبل أن نبدأ تحليل صياغات رواية إسماعيل، أود أن أصبّر من ضاق صدره بطول التحليل. من الناحية النصية بقي أن ننظر في نسخة غير قصصية لمقولة "من بدل دينه فاقتلوه" منسوبة إلى أيوب ورواته الثلاثة وغيرهم. ثم علينا أن ننظر في عدة روايات لنسخة مدنية منسوبة إلى مالك ابن أنس (وأستبق تحليل الإسناد لأقول بأن نسخة أيوب بكل رواياتها بَصْريّة). وأخيراً سننظر في عدة روايات مفردة يصعب تصنيفها فلابد بفرادتها أن تعطينا معلومات إضافية عن الروايات المعتادة المدنية أو البصرية. وقد دار حول المقالة الماضية جدل بين المعلقين يخصّ انتماء مقولة "من بدل دينه فاقتلوه" إلى فقه حروب الغزوات أم عدمه. كما نرى حتى الآن فإن المقولة تأتي في قالبين: قالب قصصي موظف لجدال القتل والتحريق، وقالب قانوني بحت لا يذكر إلا المقولة دون إضافات، اللهم إلا إذا اعتبرنا زجّ المصنفين للحديث في باب الردة أو في باب آخر من أبواب الفقه إضافة غير نصية لمحتوى الحديث. فكيف يا ترى سنربط الحديث بفقه الحروب؟ إذا قبلنا بوجود المقولة أصلاً كنص دون سياق يربطه الرواة بسياقاتهم التي تهمهم (حقيقية كانت أو متخيلة)، فلا بد إذن أن نجد المقولة أو ما شابهها في قوالب قصصية مختلفة لا رابط بينها، منها قالب يخص الحرب أو الخيانة. وهذا فعلاً ما سنجده. لا بل سنجد مقولة النهي عن التحريق في قوالب قصصية أخرى منفصلة عن مقولة وجوب القتل. فلابد إذن أن ندرس كيف ومتى ولماذا انفصلت المقولتان وكيف ومتى ولماذا ظهرت كل منهما على ساحتي الحديث والفقه، فصبراً. طبعاً نسخة أيوب لا تزعم أن الرسول قال الجملتين في وقت واحد، كل ما هنالك أن ابن عباس جمعهما في مجادلة فقهية واحدة وبهذا يصبح الفصل والجمع موضوعاً جديداً في بحثنا.

صياغة ابن حنبل ت 240 هـ:

لقد رأينا صياغة لابن حنبل في مجموعة رواية حماد. وكعادة المحدثين فإنهم يجمعون كل ما يصل إلى أسماعهم من روايات. فها هو ابن حنبل يقدم لنا أول صياغة نعرفها لرواية إسماعيل بن علية.

(ابن حنبل، مسند ابن حنبل، 4/307) حدثني أبي 1871 … (الحديث). وأيضاً (مسند ابن حنبل، 1/217) 1775 – حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عكرمة أن عليا حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال لم أكن لأحرقهم بالنار وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تعذبوا بعذاب الله» وكنت قاتلهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من بدل دينه فاقتلوه» فبلغ ذلك عليا كرم الله وجهه فقال ويح ابن أمّ ابن عباس

يبدأ الحديث بخبر عليّ، فيجب أن يذكّرنا هذا برواية حماد بن زيد. لكن هذه الأخيرة تؤكد في مقدمتها أن الذين أُحرقوا كانوا من الزنادقة، أما رواية إسماعيل فلا تعرف عنهم إلا أنهم "ناس ارتدوا عن الإسلام" ولا تهمها هويتهم الدينية. كما لا تهمها تفاصيل إحراقهم (من تأجيج النار وإلقائهم فيها مع كتبهم) التي شاهدناها في رواية حماد. إذن نحن هنا بصدد مجموعة منفصلة من الصياغات. وسنرى أنها ستحافظ على خصائصها تماماً كما فعلت المجموعتان السابقتان. أما الجزء الثاني من الحديث، أي مداخلتا ابن عباس، فلا نرى فيه الفوضى التي رأيناها في رواية حماد، فالرأي الفقهي متبوع مباشرة بشاهده من المقولتين المنسوبتين إلى الرسول. أي يقترن الرأي الفقهي ("لم أكن لأحرقهم"، "وكنت قاتلهم") بشاهده المناسب ("لا تعذبوا بعذاب الله"، "من بدل دينه فاقتلوه") الذي يتبعه مباشرة دون فاصل. أما الصلة السببية (وهي غالباً لام السببية) بين رأي النهي وشاهده فهي ضعيفة كما رأيناها في رواية حماد، إذ يقول ابن عباس هنا ("لم أكن لأحرقهم" "وإن رسول الله قال") وكان الأحرى أن يقول ("لم أكن لأحرقهم" "لأن رسول الله قال" أو "لقول رسول الله"). أما ترتيب المداخلتين (النهي عن التحريق ووجوب القتل) فليست سمة ثابتة لأية رواية، والنهي المتبوع بالوجوب في صياغة ابن حنبل هنا سيتبدّل في صياغات لاحقة كما رأينا في روايتي حماد وسفيان. ولا بد هنا من ملاحظة اختلاف منطوق ابن عباس (أي "لم أكن لأحرقهم"، "وكنت قاتلهم") عما عهدناه في الروايات السابقة (أي "لو كنت أنا لم أحرقهم"، "ولقتلتهم"). وسيستمر هذا الاختلاف في عدة صياغات ليعود إلى المعهود في صياغات متأخرة لرواية إسماعيل. وأخيرأ فإن صياغة ابن حنبل تنتهي بردٍّ لعليّ ("ويح ابن أم ابن عباس ") على انتقاد ابن عباس له كما رأينا في صياغة الدارمي لرواية حماد ("ويح ابن أم الفضل إنه لغواص على الهنات"). لكن المثير للابتسام هنا هو أن الراوي إما نسي لقب أم عبد الله بن عباس (أي أم الفضل) أو لم يستسغ ذكر الأم باسمها (وما فيه من ذكر للأعراض) فاستعاض عن اللقب بتركيبة غير معهودة (أي "أم ابن عباس") فذكرها من خلال ابنها ولم يذكرها باسمها شخصياً. ويبدو أن زائدة رد علي كانت موجودة منذ القرن الثالث الهجري (إذ ليس لدينا صياغات أقدم من القرن الثالث)، فاختارها بعض الرواة وتركها بعضهم الآخر.

ولا نستطيع هنا إلا أن نلاحظ الصلات بين رواية إسماعيل ورواية حماد، وكأنّ الأولى نسخة منقحة ومختصرة من الثانية. لا يمكن الجزم بهذا الرأي طبعاً، لكن الواضح من تحليلاتنا السابقة أن كل صياغة للحديث تحمل طابعاً خاصاً يتمثل بترتيب العناصر والربط بينها، وباختيار بعض العبارات والكلمات، وبإدراج أو ترك شذرات مثل جواب علي. بناءً على وجود هذا الطابع المميز للروايات لا يجب أن نغفل ذكر الشبه بين رواية إسماعيل وراية حماد وإمكانية أن تكون إحداهما مشتقة من الأخرى. وبمنطق مماثل يمكننا أن ننظر إلى الصياغة التالية التي ذكرها ابن حنبل أيضاً في مسنده:

(ابن حنبل، مسند، 5/453، حدثني أبي 2552… (الحديث). وأيضاً (مسند ابن حنبل، ، 1/282) 2421 – حدثنا عفان حدثنا وهيب عن أيوب عن عكرمة أن عليا أخذ ناسا ارتدوا عن الإسلام فحرقهم بالنار فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تعذبوا بعذاب الله عز وجل أحدا» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من بدل دينه فاقتلوه» فبلغ عليا ما قال ابن عباس فقال ويح ابن أم ابن عباس

تبدأ هذه الصياغة بخبر علي فهي تشبه بذلك روايتي حماد وإسماعيل. لكن ثلاث ملاحظات تقرّبها أكثر من رواية إسماعيل. الملاحظة الأولى هي غياب هوية الموقوفين الدينية (فهم مجرد "ناس ارتدوا عن الإسلام") والتأكيد على ارتدادهم. الملاحظة الثانية هي جواب علي المطابق لما رأيناه أعلاه (أي غياب لقب الأم واستبداله بـ"أم ابن عباس"). الملاحظة الثالثة هي غياب لام السببية الواصلة بين رأي النهي وشاهد النهي. وإن غياب رأي الوجوب (أي "ولقتلتهم") يمكن أن يكون دليلاً على تعدي السلسلة "عفان عن وهيب" على رواية هذا الحديث (وهو وهيب بن خالد بن عجلان، بصري ت 165 هـ)، فهي لا تبدو أصلية في هذه الرواية. وقد رأينا سابقاً عفان (أي عفان بن مسلم) يحدث عن حماد بن زيد أثناء تحليلنا لصياغة ابن حنبل لرواية حماد بن زيد. وأسوق هاهنا تلك الرواية من حلقتنا الأولى بغرض المقارنة:

(ابن حنبل، مسند ابن حنبل، 5/452) حدثني أبي2551 … (الحديث). (مسند ابن حنبل، 1/282) 2420 – حدثنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن عكرمة أن عليا رضي الله عنه أتي بقوم من هؤلاء الزنادقة ومعهم كتب. فأمر بنار فأججت ثم أحرقهم وكتبهم. قال عكرمة فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله (ص)، ولقتلتهم لقول رسول الله (ص) « من بدل دينه فاقتلوه»، وقال رسول الله (ص) «لا تعذبوا بعذاب الله عز وجل».

رأينا في حلقة سفيان بن عيينة أن نسخاً متمايزة تماماً نُسبت إلى هذا الأخير. لكننا لا نزال نحس بالريبة تجاه هذه الروايات ونفضل الشك بصحة الإسناد. وهنا نجد أنفسنا أمام حالة مماثلة. الرواية مشابهة لرواية إسماعيل لكن الإسناد ينسبها إلى "عفان عن وهيب". بينما نجد رواية لـ"عفان عن حماد بن زيد" أفضل بمتنها من الرواية المشبوهة المنقوصة التي بين أيدينا. فمن يا ترى أقحم عفان ووهيب في رواية ليست لهما؟ الروايتان متعاصرتان ويذكرهما ابن حنبل كلتيهما في مسنده فبمن نشك إذن: بابن حنبل أم بعفان بن مسلم أم بوهيب؟ لقد أهملنا آخر وهو عبد الله بن أحمد بن حنبل (ت 290 هـ) راوية المسند. وهوعادة ما يختفي في ظلال أبيه لكن، وبغياب أية روايات أخرى للمسند، نستطيع أن ننسب المسند لعبد الله هذا وليس لأبيه. قبل أن نتكلم في عبد الله بن أحمد أود أن أسوق ثلاث صياغات مفيدة حتى نحافظ على الترتيب الزمني للصياغات.

صياغة أبي داود ت 275 هـ:

(أبو داود، السنن، 11/428) 3787 – حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا إسمعيل بن إبراهيم أخبرنا أيوب عن عكرمة أن عليا عليه السلام أحرق ناسا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال لم أكن لأحرقهم بالنار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تعذبوا بعذاب الله» وكنت قاتلهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من بدل دينه فاقتلوه» فبلغ ذلك عليا عليه السلام فقال ويح ابن عباس

الإسناد ينسب الحديث إلى أحمد بن حنبل عن إسماعيل بن إبراهيم (وهو إسماعيل بن علية، وعلية أمه). وإن مقارنة سريعة مع صياغة أحمد المذكورة أعلاه (1871 أو 1775) ستقنعنا بأن النسبة لأحمد بن حنبل صحيحة. إن جواب علي هنا محوّر لتلافي ذكر الأم تماماً ("ويح ابن عباس" عوضاً عن "ويح ابن أم ابن عباس)، وهذا دليل آخر على تدخّل الرواة في صياغة الأحاديث لتتوافق مع أفكارهم. كذلك فإن التقديم لشاهد الوجوب ("بقول رسول الله … فإن رسول الله" بدلاً عن "لقول رسول الله") مثال آخر عن هامش الحرية التي أعطاها الرواة لأنفسهم في صياغة مروياتهم. هذه صياغة من أواخر القرن الثالث ولا نزال نلاحظ رواية بالمعنى وحرفية عشوائية (أبقى النسائي على "لم أكن لأحرقهم بالنار" وعلى "وكنت قاتلهم" بينما غيّر تقديم شاهد الوجوب وردّ علي على ابن عباس). الخلاصة النافعة هنا هي أننا تأكدنا الآن أن رواية عبد الله عن أبيه كانت رواية موثوقة ونستطيع أن نؤكد أنها من صياغة أحمد بن حنبل.


صياغة البلاذري ت 279 هـ:

هذه الصياغة تستبدل أيوب بابن عون (وهو عبد الله بن عون، بصري، ت 151 هـ) مع الاحتفاظ بإسماعيل بن علية.

(البلاذري، أنساب الأشراف، 1/461) حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا اسماعيل بن علية عن ابن عون  عن عكرمة أن عليا أحرق ناسا ارتدوا عن الاسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: ما كنت لأحرقهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» ولكني كنت أقتلهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من بدل دينه منكم فاقتلوه» فبلغ ذلك عليا فقال: لله در ابن عباس.

حسب ما خبرناه من ترتيب عناصر النص فإن هذه الرواية تنتمي فعلاً إلى مجموعة إسماعيل بن علية، رغم أن الصلة السببية بين الرأي الفقهي والشاهد موجودة في مداخلتي ابن عباس ("ما كنت لأحرقهم لأن" و "ولكني كنت أقتلهم فإن") على خلاف صياغة ابن حنبل لرواية إسماعيل. كذلك فإن ردّ عليّ تحوّل من الإستنكار المبطن إلى المدح الصريح ("لله در ابن عباس" بدلاً من "ويح ابن أم ابن عباس") مما نفى الحاجة إلى ذكر الأم. لا بد من الإشارة السريعة هنا إلى تغيير طفيف لشاهد الوجوب (وقد رأينا ندرة التغيير في الشاهدين) فقد أضيفت كلمة "منكم" إلى "من بدل دينه فاقتلوه". وهذه إضافة مهمة لانها تخصص الحكم بالمسلمين فلا داعي لقتل مسيحي غيّر دينه مثلاً. وهذا سؤال فقهي أجاب عليه مالك بن أنس في الموطأ والشافعي في الأم (أي في القرن الثاني)، وهذا يعني أن إضافة "منكم" تمت في نهاية الثاني أو في الثالث الهجريين. بالرغم من هذه الفروقات فإن الشكل العام للصياغة ووجود إسماعيل في الإسناد يقربها من رواية إسماعيل عن أيوب. لكن هل يمكن أن نقبل راوية بدل أيوب في إسناد نعرف أنه مربوط بأيوب؟ لا توجد رواية أخرى عن ابن عون لهذا الحديث لهذا فإني أميل إلى اعتبار إقحام ابن عون هنا نوعاً من التدليس مشابهاً لما رأيناه من إقحام وهيب بن خالد (بين عفان بن مسلم وأيوب) في إسناد ابن حنبل المذكور أعلاه. فمن هو المسؤول عن هذا التدليس أهو البلاذري أم عمرو بن محمد (الناقد، محدث بغدادي، ت 232 هـ) أم إسماعيل بن علية؟


صياغة الترمذي ت 279 هـ:

وهنا تصادفنا حالة مشابهة لحالة رواية عفان عن وهيب عن أيوب، أي أن الإسناد لا يحوي إسم إسماعيل بن علية. لكننا سنحاجج أن الرواية تنتمي إلى المجموعة التي أسميناها مجموعة رواية إسماعيل، لتكون حالة التدليس الثالثة التي تمر معنا في هذه الدراسة.

(الترمذي، السنن، 5/379) 1378 – حدثنا أحمد بن عبدة الضبي البصري حدثنا عبد الوهاب [بن عبد المجيد] الثقفي  [بصري 108-194] حدثنا أيوب عن عكرمة أن عليا حرق قوما ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا لقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من بدل دينه فاقتلوه» ولم أكن لأحرقهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تعذبوا بعذاب الله» فبلغ ذلك عليا فقال صدق ابن عباس

إن الصياغة الواردة أعلاه موزونة ومنقحة من كل ما قد يعيبها. فالبداية تُظهر بوضوح أن حكم علي كان على "قوم ارتدوا عن الإسلام" (تحوير طفيف لجملة "ناس ارتدوا عن الإسلام") ولا حاجة للتشكيك في هويتهم. أما مداخلتا ابن عباس فتبدأ كل منهما بالرأي الفقهي بصياغته الأكثر شيوعاً ("لو كنت أنا لقتلتهم" و "ولم أكن لأحرقهم") وتنتهي بالشاهد من أقوال الرسول الداعم للرأي السابق دون إضافات مشبوهة أو تعديلات مخلّة. وكلا الشاهدين يتصل بالرأي الذي يسبقه برابطة سببية هي نفسها في الحالتين (أي لام السببية متبوعة بالمصدر، "لقول رسول الله"). وينتهي الحديث بجواب لعليّ لا أثر فيه للإستنكار ولا حتى للمديح ("صدق ابن عباس") فقد أقرّ عليّ بتفوق حجة ابن عباس الفقهية كما يليق بعالم بأمور دينه. المحاججة الفقهية هنا كاملة مكتملة، وعناصرها محكمة الصياغة والرصف. فنحن هنا أمام رواية لا معالم لها (لأننا اعتدنا فرز الروايات باختلافاتها و"عيوبها") وهذه رواية خالية من العيوب. فهي بالنسبة لي خالية من المعالم، إلا أن البداية ("أن علياً حرق قوماً ارتدوا عن الإسلام") القصيرة الخالية من التفاصيل تمنعني من إلحاق هذه الرواية بمجموعة حماد بن زيد، والإحتفاظ بعلي كلاعب في هذه الدراما، عوض التركيز المباشر على مداخلى ابن عباس، يمنعني من إلحاقها بمجموعة سفيان ابن عيينة. كذلك فإن جملة ("قوماً ارتدوا عن الإسلام") وذكر جواب لعلي يجعلاني ألحق هذه الرواية بمجموعة إسماعيل. هذا معناه أني أتهم أحد الثلاثة، عبد الوهاب الثقفي (بصري ت 194 هـ)، أحمد بن عبدة الضبي ( بصري، ت 245 هـ)، أو الترمذي بالتدليس.


صياغة النسائي ت 303 هـ:

في هذه الصياغة لحديثنا يظهر وهيب بن خالد للمرة الثانية ويختفي إسماعيل بن علية للمرة الثالثة. أما أنا فأعتقد أنها تنتمي إلى مجموعة إسماعيل للأسباب نفسها التي سقتها لتعليل ضمّي صياغة الترمذي إلى هذه المجموعة. ولن أطيل الشرح على القارئ لأني لن آتي بجديد وسأكتفي بإدراج هذه الصياغة أدناه.

 (النسائي، السنن الكبرى 2/301) (3523) وأخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك [ المخرمي، بغدادي، ت 245 هـ] قال حدثنا أبو هشام [مغيرة بن سلمة المخزومي البصري، ت 200 هـ] قال حدثنا وهيب قال حدثنا أيوب عن عكرمة أن ناسا ارتدوا عن الاسلام فحرقهم علي بالنار قال بن عباس لو كنت أنا لم أحرقهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تعذبوا بعذاب الله أحدا» ولو كنت أنا لقتلتهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من بدل دينه فاقتلوه»

بين يديّ الآن ثلاث روايات (ابن حنبل، الترمذي، النسائي) ليس في أسانيدها إسماعيل بن علية وأنا أزعم نسبتها إليه وأتّهم رواتها بالتدليس. هذا إضافة إلى رواية البلاذري التي في إسنادها إسماعيل لكن عن وهيب بن خالد وليس عن أيوب، والتي أيضاً أتهم رواتها بالتدليس. حتى تتضح الصورة للقراء فإني أسوق أدناه الأسانيد الأربعة مع تواريخ وفيات الرواة (أخذتها عن سير أعلام النبلاء للذهبي).

الترمذي (ت 279)، أحمد بن عبدة (ت 245)،   عبد الوهاب (ت 194)،  أيوب (ت 131)، عكرمة.

البلاذري (ت 279)، الناقد عمرو (ت 232)، اسماعيل (ت 193)، ابن عون (ت 151)، عكرمة.

عبد الله (ت 290)،  أحمد بن حنبل (ت 240)،  عفان (ت 219)، وهيب (ت 165)،    أيوب (ت 131)، عكرمة.

النسائي (ت 303)،  ابن المبارك (ت 254)،    أبو هشام (ت 200)، وهيب (ت 165)،    أيوب (ت 131)، عكرمة.

على حد زعم الذهبي في سير أعلام النبلاء فقد توفي أيوب السختياني في سنة 131 هـ وتوفي عكرمة في سنة 104 هـ. نلاحظ من الجدول السابق سعة الهوّة الزمنية بين إسماعيل وأيوب، وهذا جدال سنتركه إلى حين نناقش الاسانيد والرواة في مقالة أخرى. لكن ما أريد قوله هنا هو أن جامع الأحاديث النابه (وكل من ذكرنا محدثون مشهورون وفي حكم الثقات الثبوت) لا تخفى عليه هذه الهوة، لا بل تضعه في مأزق صعب. فمن ناحية يقلّ عدد المحدثين في الإسناد بين الجامع والرسول حين تتسع الهوة الزمنية بين الرواة، وهذا مرغوب مطلوب (ويسمى الإسناد العالي)، خاصة إذا كان الرواة ثقات. ومن ناحية أخرى لن يعدم الجامع ناقداً (والمحدثون معروفون بتنافسهم وغيرتهم) يستغل سعة الهوة الزمنية ليطعن في صحة الإسناد. وهنا قد يفضّل البعض إسناداً يردم الهوة (كأن يحلّ إسمان محل الإسم الواحد، ويسمى الإسناد النازل). وقد كان المحدثون في القرن الثالث وما بعده على الأقل يفضلون جيلين بين محدثين متلاحقين في الإسناد (أي حوالي 40 سنة، وهو الفرق مثلاً بين طبقتين من طبقات ابن سعد). فكانوا مثلاً يفضلون أن يكون شيوخهم من جيل أجدادهم لا من جيل آبائهم. ونرى في الجدول السابق مثالين لكل من هاتين الحالتين. ففي رواية الترمذي هناك هوة بين عبد الوهاب الثقفي (ت 194 هـ) وبين أيوب (ت 131)، فهذا إسناد عال ومرغوب. ولا بد أن الترمذي حين سمع أن أحمد بن عبدة الضبي يروي الحديث أعلاه عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب لم يستطع مقاومة الإغراء، فقِصر الإسناد (علوّ الإسناد) مع صحته كان موضع فخر المحدثين و كانوا يسافرون المسافات الطويلة للحصول عليه. وقد يقول قائل فلِم إذاً لم يعتمد الترمذي على رواية ابن حنبل (أي إسماعيل عن أيوب) التي لا بد أنه سمع بها؟ الحقيقة هي أن الترمذي لم يلقَ ابن حنبل، ووسيلته الوحيدة للحصول على رواية للأخير هي أن يطلبها من ابنه عبد الله الذي هو أصغر منه سناً، وهذا ما لا يفعله المحدثون. إن إغراء رواية الضبي (وهو من جيل ابن حنبل) لحديث رواه ابن حنبل أيضاً لا يقاوم. فإما أن الترمذي وقع في شراك الضبي الذي دلس على شيخه أو أن الترمذي دلس على الضبي. المشكلة في القرن الثالث هي أن الأحاديث المنسوبة للنبي كانت معروفة والأحاديث الموضوعة أو المنكرة كانت معروفة، فالهمّ الأساسي لجامعي الحديث كان الحصول على أفضل إسناد وأقصره، فهو سبيلهم إلى الشهرة.

أما رواية البلاذري فتردم بعضاً من هذه الهوة بين إسماعيل وأيوب (ت 131 هـ) بإحلال ابن عون (ت 151 هـ) محل أيوب بينما تحافظ على قلّة عدد الرواة في الإسناد. ولم لا فكلاهما بصريان معروفان، وكلاهما رويا عن عكرمة. ولو كان إسماعيل قد روى الحديث فعلاً عن ابن عون لعرفنا ذلك من بعض طلابه. وحتى لو سمع الحديث من ابن عون فمن الواضح أنه فضّل نشر رواية أيوب لأنه أقدم (أي أن إسناده أعلى). بناءً على هذا فإني أعتقد أن المدلس هو إما عمرو الناقد أو البلاذري. ومعضلة البلاذري هي نفس معضلة الترمذي (أي أنه أكبر من عبد الله بن أحمد بن حنبل ليروي عنه). 

أما روايتا ابن حنبل والنسائي فسأحاول مناقشة التدليس فيهما معاً فأنا أراهما مرتبطتيْن رغم اختلافهما الظاهر. وهنا سأحوك قصة لا دليل عندي على صحتها المطلقة، لكنها محتملة. ويحق لأي قارئ أن يعترض عليها بدعوى أنها قائمة على حيثيات وتأويلات. لكني أقول إن علم التاريخ بأجمعه قائم على حيثيات وتأويلات لأن إثبات السببية مستحيل، وكل ما يحاول المؤرخ فعله هو أن يجذب القراء إلى حجته وأن يقنعهم باحتمال حدوثها. هاكم ما رواه الخطيب البغدادي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل:

(الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، [5 /423]) أخبرنا هبة الله بن الحسن الطبري أخبرنا عبيد الله بن محمد أخبرنا علي بن إبراهيم المستملي قال سمعت أحمد بن نصر بن طالب أبا طالب يقول سمعت أخا ميمون يقول قال لي عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال لي أبي كتبت حديث عبيد الله عن نافع عن بن عمر «كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل»؟ قال قلت لا. قال في ذاك الجانب المخرم شاب يقال له محمد بن عبد الله يحدث به عن أبي هشام المخزومي عن وهيب فاكتبه عنه.

محمد بن عبد الله بن المبارك (ت 245 هـ) محدث بغدادي غير مشهور من جيل أحمد بن حنبل، لكن عنده أحاديث تهم أحمد بن حنبل، وهذا أحدها، وذلك لاختلاف الفقهاء في وجوب الإغتسال بعد غسل الميت أو عدم وجوبه.  فالحديث الموجود في مسند أحمد يرفعه أبو هريرة إلى النبي ويحض فيه على الإغتسال بعد غسل الميت:

(مسند أحمد ط الرسالة [13 /118-119]) 7689 – حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " من غسلها الغسل، ومن حملها الوضوء ".

وفي مسند أحمد المذيل بأحكام شعيب الأرناؤوط يبدو أن ابن حنبل لم يكن يرى صحة الرفع ويفضل الإجتهاد في موضوع الإغتسال، وهذا ما يعطيه له حديث المخرمي. والأخير حديث موقوف (أين يقف عند صحابي ولا يذكر الرسول) يزعم أن الصحابة اختلفوا في الأمر فمنهم من اغتسل ومنهم من لم يغتسل. الغريب في الأمر أن حديث المخرمي ليس في مسند أحمد، وهذا مفهوم لأن عبد الله يحدث عن أبيه ولا يستطيع إدراج حديث لم يسمعه أباه لكنه سمعه هو نفسه. فلنتخيل الآن أن عبد الله بن أحمد سمع من المخرمي حديث الإغتسال وأحاديث أخرى منها حديث المخرمي عن أبي هشام الثقفي عن وهيب عن أيوب في إحراق المرتدين. وهذا أمر محتمل لأن طالب الحديث لا يجلس إلى شيخ من أجل حديث واحد إلا إذا كانا أصدقاء من الجيل نفسه، والمخرمي من جيل أبي عبد الله بن أحمد وأنا أرجح أنه سمع مجموعة من أو كل أحاديث المخرمي. وبهذا يكون عبد الله بن أحمد أمام المعضلة التالية: يوجد في مسند أبيه ذات الحديث بإسناد عال عن ابن حنبل عن إسماعيل عن أيوب. وهو يعرف تمام المعرفة أن رواية المخرمي هي ذاتها رواية إسماعيل لكن منسوبة خطأ (أو عمداً إلى وهيب). كما أن لديه رواية مختلفة للحديث ذاته عن ابن حنبل عن عفان عن حماد بن زيد عن أيوب (ما أسميناه رواية حماد). فمن أين جاء برواية مشابهة لروية إسماعيل لكن منسوبة إلى وهيب عن طريق عفان؟ فلنلخّص إذن أسانيد الروايات المجتمعة لدى عبد الله كالتالي:
(موجودة) عبد الله (ت 279)،  ابن حنبل (ت 240)،    إسماعيل (ت 193)،                    أيوب (ت 131)،  عكرمة
(محتملة)  عبد الله (ت 279)،  ابن المبارك (ت 254)،  أبو هشام (ت 200)،  وهيب (ت 165)،  أيوب (ت 131)،  عكرمة
(مشبوهة) عبد الله (ت 279)،  ابن حنبل (ت 240)،    عفان (ت 219)،        وهيب (ت 165)،  أيوب (ت 131)، عكرمة
(موجودة) عبد الله (ت 279)،  ابن حنبل (ت 240)،    عفان (ت 219)،        حماد (ت 179)،   أيوب (ت 131)،   عكرمة

عبد الله لا يستطيع إدراج رواية المخرمي في مسند أبيه (لأن الإسناد كما بيّنا لم يمرّ بأبيه)، لكنه يريد إضافة وهيب إلى مجموعة رواته المكوّنة من إسماعيل وحماد (مما يجعل الحديث أكثر تواتراً ويجعل المسند المنسوب لأبيه جامعاً لكل الروايات المعروفة). الحل هو أن يستبدل سلسلة ابن المبارك عن أبي هشام بسلسلة أخرى فيها ابن حنبل وراو آخر موثوق من رواة أبيه المعتادين، خاصة إذا كان هذا الراوي قد روى نسخة ما من حديث "من بدل دينه" ومعروف بروايته عن وهيب. الحل الوحيد هو عفان بن مسلم. وقد يسأل أحدهم السؤال التالي: هل روى إسماعيل عن وهيب في أحاديث أخرى؟ الجواب نعم. فلماذا إذن لم يستعن عبد الله بالسلسلة ابن حنبل-إسماعيل-وهيب-أيوب؟ إن من الغريب أن يكون لمحدث إسناد عال كإسناد إسماعيل فيضعفه بإسناد أقل علواً عن الراوي نفسه (أي إسماعيل). فهذا مما يثير الشك ويجلب الإتهام بانقطاع الإسناد بين إسماعيل وأيوب. وعفان قد روى حديثنا بوساطة حماد فلا بأس بأن نستبدل حماد بوهيب.

أما رواية النسائي عن المخرمي عن أبي هشام عن وهيب فممكنة لأن النسائي من جيل عبد الله ابن حنبل وليس مضطراً لإقحام ابن حنبل في إسناده. ثانياً، هذه إسناد جديد لم يسمع به أحد من قبل فيكون للنسائي بإدراجه في سننه قصب السبق. وهنا أكرر أن همّ المصنفين المتأخرين في القرن الثالث لم يكن جمع الأحاديث بالأسانيد المعروفة وإنما جمع الأحاديث نفسها (فهي محدودة عددياً) بأسانيد مختلفة. وهنا أعتقد أن النسائي قد وقع في شباك المخرمي الذي أرى أنه المتهم الأكبر في تسويق إسناد المخرمي-أبو هشام-وهيب. إذ ليس هو بالمحدث المشهور ولا بد له من أسانيد مغرية ليجلب الطلاب ويستمر إسمه في مصنفاتهم. ينسى الباحثون أحياناً مدى شدة المنافسة بين المحدثين والمصنفين، خاصة في القرن الثالث. ولمن يريد أن يرى الآثار السلبية لهذا التنافس أن ينظر إلى مصنفات تراجم الرجال وآراء المحدثين بأبناء جيلهم، فإن فيها من التناقض والإتهامات الملقاة دون دليل ما يحطم مصداقية هذا العلم ويجعله أداة هدامة لتقوية جماعة على حساب أخرى.

صياغة الدارقطني ت 385 هـ:

الصياغة التالية مطابقة تقريباً لصياغة ابن حنبل عن إسماعيل ولصياغة أبي داود عن ابن حنبل عن إسماعيل. ومصدرها معاصر لابن حنبل وهو يعقوب بن إبراهيم الدورقي. فلا ضرورة إذن لتفصيل الحديث عنها. ونسوقها هنا بهدف جمع كل الصياغات المعروفة للحديث موضوع البحث. وهذه الصياغة تؤكد صحة نسبتنا للمجموعة كلها لإسماعيل بن علية.

(الدارقطني، السنن، 3/108) 90 – نا الحسين بن إسماعيل [المحاملي، بغدادي، ت 330] نا يعقوب بن إبراهيم [الدورقي، بغدادي، ت 252] نا إسماعيل بن علية نا أيوب عن عكرمة : أن عليا رضي الله عنه حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك بن عباس فقال لم أكن لأحرقهم بالنار إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال «لا تعذبوا بعذاب الله» وكنت أقتلهم لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم «من بدل دينه فأقتلوه» قال فبلغ ذلك عليا فقال ويح بن عباس. هذا ثابت صحيح


صياغة الحاكم النيسابوري ت 405 هـ:

والصياغة التالية قريبة جداً من صياغة عبد الله عن ابن حنبل عن عفان عن وهيب ومن صياغة النسائي عن المخرمي عن أبي هشام عن وهيب، وقد جادلنا أن هاتين الصياغتين من منشأ واحد هو المخرمي الذي أخذ صياغة إسماعيل ونسبها لوهيب.

(الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، 3/620) فصل "كتاب معرفة الصحابة، ذكر عبد الله بن عباس"، [ 6295 ] أخبرنا أبو عبد الله الصفار ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا إبراهيم بن الحجاج ثنا عبد الوارث بن سعيد ثنا أيوب السختياني عن عكرمة أن ناسا ارتدوا على عهد علي رضى الله تعالى عنه فأحرقهم بالنار فبلغ ذلك بن عباس رضى الله تعالى عنهما فقال لو كنت أنا كنت قتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من بدل دينه فاقتلوه» ولم أكن أحرقهم لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا تعذبوا بعذاب الله» فبلغ ذلك عليا رضى الله تعالى عنه فقال ويح بن عباس. هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.

الفرق بين هذه الصياغة والصياغتين السابقتين هو وضع مداخلة الوجوب قبل مداخلة النهي على عكس ترتيب ورودهما في الصياغتين السابقتين. لكن ما يستدعي الإهتمام هنا أمران: الأول هو نسبة الرواية إلى عبد الوارث بن سعيد بدل إسماعيل بن علية رغم انتماء الرواية الواضح لمجموعة إسماعيل. والثاني هو زلّة قلم النيسابوري أو أحد رواته حين زعم أن ابن عباس قال "لأني سمعت رسول الله يقول لا تعذبوا بعذاب الله." وهي زلة عظيمة في أثرها رغم اعتقاد القارئ الضمني أن ما يقوله ابن عباس عن الرسول لا بد أنه سمعه منه. وهذا ليس صحيحاً لأن ابن عباس كان بين العاشرة والخامسة عشر من عمره حين توفي الرسول، ويذهب الذهبي في سير أعلام النبلاء إلى أنه صحب الرسول ثلاثين شهراً (لأنه انتقل إلى المدينة سنة فتح مكة). زَعْم السماع هذا لم تأت به أي من الروايات التي حللناها. وقد كان من الممكن الطعن بقول ابن عباس عن النبي على اعتبار أنه لم يسمعه من الرسول مباشرة بينما أغفل ذكر مصدره. ولا يصبح هذا الطعن ممكناً في صياغة الحاكم النيسابوري. وهذا مثال عظيم على أوهام المحدثين وما يتمنون لو كان صحيحاً فيصبح مع الزمن صحيحاً عبر تراكم الزلات والتغييرات الطفيفة.

أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار (ت 339 هـ)، محدث أصبهاني سكن نيسابور ("وسمع المسند الكبير من عبد الله بن أحمد بن حنبل، وكتب عن إسماعيل القاضي تصانيفه". سير [15 /437]). فلا عجب إذأ أنه يروي عن إسماعيل بن إسحاق (199-282 هـ). وإسماعيل محدث بصري (وهو ابن حفيد حماد بن زيد) سكن بغداد وتولى القضاء هناك في النصف الثاني من الثالث الهجري. كان مالكي المذهب ("وجمع حديث أيوب، وحديث مالك". سير [13 /340]). أي أن الصفار يعرف الحديث أعلاه عن ابن حنبل، وكذلك فإن إسماعيل القاضي يعرفه أيضاً بطرق مختلفة لأنه من أحاديث أيوب التى اعتنى بجمعها. فلماذا يروي إسماعيل القاضي، بإسناد غير مشهور البتة، حديثاً يعرف أنه من أحاديث جده الأكبر حماد بن زيد ويعرف أسانيده المختلفة لأنه جمعها؟  أيريد أن يأتي بإسناد جديد لم يسبقه إليه أحد؟ هذا محتمل. لكن لماذا يروي إسماعيل القاضي عن المحدث البصري المغمور إبراهيم بن الحجاج (146-231 هـ)؟ أضف إلى ذلك أن إبراهيم هذا يروي عن شخصية بصرية تحوم حولها شبهات القدرية والإعتزال، أي عبد الوارث بن سعيد (بصري، 102-180 هـ). إسماعيل القاضي عاش في بغداد بعد المحنة أي بعد أن أفل نجم المعتزلة، فلِمَ يروي عن متهم بالاعتزال؟ وإليكم ما تناقله المحدثون من قيل وقال عن عبد الوراث: ("وقال محمود بن غيلان [ت 239 هـ]: قيل لابي داود الطيالسي: لم لا تحدث عن عبد الوارث؟ فقال: أأحدثك عن رجل كان يزعم أن يوما من عمرو بن عبيد أكبر من عمر أيوب السختياني، ويونس، وابن عون". سير [8 /302]). محمود بن غيلان محدث مروزي (ت 239 هـ) حُبس أثناء المحنة؛ وعمرو بن عبيد معتزلي؛ وأما "أيوب ويونس وابن عون" فهم أشهر محدثي البصرة، وكانوا معاصرين لعمرو بن عبيد. ويبدو أن هذه التهمة أصلها محمود بن غيلان لأن يحيى بن معين (بغدادي، ت 233 هـ)، المرجع الأعلى في الحكم على الرجال، لم يسمع بهذا الإتهام. فهو يوثّق عبد الوارث (وكذلك يفعل ابن حنبل). لكن فب الوقت نفسه يروي يحيى بن معين عن عبد الصمد (ت 224 هـ)، وهو ابن عبد الوارث، خبراً يقول فيه ("لم يكتب أبي عن أيوب السختياني حرفا حتى مات". سير [8 /303]). فكيف يكون هذا وقد روى الطبراني في معاجمه الثلاثة سبعة أحاديث عن عبد الوارث عن أيوب أحدها يرويه ابنه عبد الصمد وآخر يرويه أبو معمر عبد الله بن عمرو المقعد (المختص برواية كتب عبد الوارث، حسب ما قاله الذهبي).

فأين الحقيقة؟ وما هي الخلاصة من هذا القيل والقال والنميمة التي يغرقنا فيها المحدثون دائماً؟ فلنترك كل هذا جانباً. بالنسبة لنا، نحن نشك في صحة الإسناد ونرى أن أحد الرواة نسب الرواية إلى عبد الوارث بن سعيد عن أيوب وهي على ما نعتقد لإسماعيل بن علية عن أيوب، ونريد أن نحدد الإتهام براو أو اثنين. الصفار راوية لمصنفات إسماعيل القاضي. وإسماعيل هذا يعرف طرق أحاديث أيوب لأنه جمعها ويعرف التهمة المتأخرة لعبد الوارث بالإعتزال. لا يبقى أمامي إلا إبراهيم بن الحجاج (ت 231) والحاكم النيسابوري وعبد الوارث نفسه. إبراهيم بن الحجاج محدث بصري مغمور وأغلب الأحاديث المروية عنه في كتب التراث يرويها عن حماد بن سلمة وأحياناً حماد بن زيد وله حديث أو اثنان عن عبد الوارث. أما عبد الوارث (ت 180) فهو معاصر لاسماعيل بن علية ولربما كان منافساً له، وله روايات عن أيوب (رغم مارواه ابن معين عن عبد الصمد). فإما أن عبد الوارث نسب الرواية لنفسه أو أنه سمعها فعلاً من أيوب. فإذا سمعها من أيوب فلماذ تطابق روايته رواية إسماعيل بن علية ولا تطابق روايتي حماد بن زيد وسفيان بن عيينة؟ هذا جدال بيزنطي لا نهاية له. ويمكن لأي منا أن يأتي باحتمالات أخرى ويدعمها بأخبار وحجج منطقية. لكن ما يبقى هو شك يتعاظم بنظام الإسناد وعلم الرجال وبمؤسسة الحديث نفسها. وأرى أن تأكيد الشكوك أسهل وأنفع لنا من تأكيد حقائق مزعومة. وهذا بالضبط ما أحاول القيام به.

صياغة الذهبي ت 748 هـ:

اعتاد الذهبي أن يسوق بعضاً من أحاديث أصحاب تراجمه وغالباً ما تكون أحاديث معروفة لكنه يغفل ذكر الإسناد الكامل باعتبار أن القارئ محدث متمرس. وإليكم ما ذكره من حديث ابن علية مع إضافة غريبة:

(الذهبي، سير أعلام النبلاء، ترجمة إسماعيل بن علية) – (3 / 346) ابن علية: حدثنا أيوب، عن عكرمة: أن عليا حرق ناسا ارتدوا عن الاسلام، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لم أكن لاحرقهم أنا بالنار، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» وكنت قاتلهم لقوله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه، فاقتلوه» فبلغ ذلك عليا، فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغواص على الهنات

لقد تعرفنا على رواية إسماعيل دون عناء (دون تحديد الصياغة)، لكن من أين أتى الذهبي بـ "ويح ابن أم الفضل إنه لغواص على الهنات" ونحن لم نرها في رواية إسماعيل (فقط رأينا "ويح ابن أم ابن عباس" ومتغيراتها) وإنما رأيناها في رواية حماد بن زيد؟ وليست هذه الرواية بآخر العجائب التي يقدمها لنا علم الحديث. في هذه الحلقة الثالثة من دراستنا جمعنا أدلة كافية على هجرة بعض العناصر من محدث لآخر. وأقل ما يمكن أن نقوله عن هذا الحديث، وبلغة المحدثين أنفسهم، أنه حديث مضطرب.


مميزات نسخة أيوب الطويلة:

وأخيراً نصل إلى أول محطات التلخيص والإستنتاج. والغرض كما ذكرت في البداية هو تحديد خصائص مجموعات معينة من الروايات بحيث نتعامل معها كرواية واحدة حين نقارنها بمجموعات أخرى.  وقد استنزفت الروايات المعروفة والمنسوبة لأيوب السختياني. وقمت بتقسيم هذه الروايات إلى ثلاثة أقسام نسبت القسم الأول إلى حماد بن زيد والقسم الثاني إلى سفيان بن عيينة والقسم الثالث إلى إسماعيل بن علية. وقد حان الوقت لتلخيص خصائص كل قسم واستخلاص خصائص عامة لكل روايات أيوب التي أسميتها نسخة أيوب. ولا نزال في طور إنشاء مجموعات متجانسة من الروايات ومقارنتها ببعضها البعض لما في ذلك من الفائدة في حصر اشتهار الحديث في فترة زمنية معينة والمسؤولين عن هذا الإشتهار. ويبقي لدينا بعض مجموعات صغيرة سنتحدث عنها في المقالة القادمة.

تبدأ رواية حماد بتوقيف علي لمتهمين بالزندقة ومعهم كتب، فيأمر علي بتأجيج النار وإلقائهم فيها مع كتبهم. وتختصر رواية إسماعيل هذه الحادثة إلى خبر إحراق علي لأناس ارتدوا عن الإسلام، دون أية معلومات تحدد هويتهم الدينية. أما رواية سفيان فتبدأ ببلوغ ابن عباس خبر إحراق علي لأناس تشك بهويتهم إذ ربما كانوا مرتدين أو زنادقة، فيتحول بذلك علي من شخصية في الرواية إلى مجرد خبر ينقله شخص آخر. وتأتي في كل الروايات مداخلة ابن عباس بعد حكاية علي والموقوفين والتي ينتقد فيها الأخير قرار علي بإحراق المتهمين ويفضّل قتلهم. والمداخلة ذات شقين، في كل شق رأي فقهي وشاهد من كلام منسوب للرسول. ترتيب المداخلتين يختلف حتى ضمن المجموعة الواحدة. أما الصلة السببية بين الرأي والشاهد فضعيفة إجمالاً في رواية حماد وإسماعيل وقوية في رواية سفيان. وتتميز رواية إسماعيل بظهور متواتر لردّ مزعوم لعلي على انتقاد ابن عباس. ونرى هذه الرد مرة في رواية حماد، بينما نرى زائدة مختلفة في رواية سفيان تدفع عن علي تهمة الخطأ في تطبيق أحكام الرسول.

وتتسم كل روايات نسخة أيوب بطابعها القصصي، أي بوجود حدث وشخصيات تتفاعل ضمن القصة هي شخصية علي وشخصية ابن عباس. وسنرى في روايات أخرى غياب هذه السمة أو استبدال هذه الشخصيات بشخصيات أخرى وقصة أخرى. وقد حافظت روايات نسخة أيوب على هذه السمة والخط العام للقصة، كما حافظت كل مجموعة جزئية ضمن النسخة على خصائصها التي ذكرناها أعلاه. بالنسبة لي هذا يعني أنه من الممكن أن ننسب السمة القصصية والخط العام للقصة لرواية أصلها أيوب السختياني؛ كما يمكن أن ننسب المجموعات الثلاثة لحماد وسفيان وإسماعيل الذين سمعوا برواية أيوب ولا أستطيع جزم أو نفي أن هؤلاء الثلاثة لقوا أيوب وسمعوا منه. ولا بد من أن نذكر هنا سمة أخرى بقيت مع رواية أيوب زمناً طويلاً وهي انتشارها بين البصريين الذين تداولوها ونشروها وأحياناً نسبت إلى بعضهم وإن لم يشاركوا في روايتها. هذه القصة تراث بصري بحت لم يشترك فيه غيرهم من منتصف الثاني الهجري إلى منتصف الثالث. فهذه الكلمات المنسوبة إلى الرسول تناقلها عديدون لكن قصة علي والمرتدين (أو الزنادقة) وابن عباس هي صناعة بصرية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق