حدّث كارل ماركس قال…

"عودة كارل ماركس" هو نص مونودرامي للمناضل والمؤرخ والكاتب المسرحي الأمريكي الشهير هوارد زين المتوفى في مطلع العام الحالي. يبعث زين الحياة في ماركس و يتركه يفرغ كل ما في جعبته على خشبة المسرح. النص لطيف عميق وممتع. وهو يستحق فعلا ذلك النجاح الكبير الذي لقيه في أحد المسارح الباريسية الصغيرة في الربيع الفائت. هنا ترجمة لمقاطع مقتطفة لبعض ما جاء على لسان الفيلسوف العائد.(1)

 آه .. بفضل الله.. أنتم هنا.  أشكركم على مجيئكم إذ لم يفلح في ثنيكم على الحضور كل هؤلاء الحمقى الأغبياء الذين ما فتئوا يزعقون : "ماركس قد مات". في الحقيقة.. لقد مت ولم أمت! هذا ما تطلقون عليه 'الجدل'!  قد تتساءلون دون شك عن كيفية وصولي إلى هنا. في الحقيقة كنت أود العودة إلى "سوهو" بلندن حيث عشت، ولكن ها أنا في سوهو نيويورك. ومع ذلك أعترف أنني كثيرا ما تمنيت زيارة هذه المدينة.

   لماذا عدت إلى هذا العالم؟ طبعا لأطهّر اسمي مما علق به! قرأت صحفكم، تقول كلها أن أفكاري قد ماتت! ولكن لا جديد في الأمر، فهؤلاء المهرّجون لم يكفوا عن ترديد ذلك منذ قرن. ألم يخطر على بالكم التساؤل عن ضرورة استمرار إعلان موتي هكذا بلا انقطاع؟

  "رأس المال" هو نتيجة جهد مضن دام قرابة خمسة عشر عاما في ظروف "سوهو" الصعبة : كنت أمرّ كل صباح قرب شحاذين نائمين وسط القاذورات وأنا ذاهب إلى المتحف البريطاني للعمل في مكتبته الرائعة حتى غروب الشمس: أقرأ وأقرأ ثم أقرأ! هل هناك أمر ممل ومزعج أكثر من قراءة كتب الاقتصاد السياسي؟ والكتابة فيه!                     

كنت أعود إلى البيت كل مساء عبر طرق مظلمة وفي أذنيّ كان يرن صوت تجار يصرخون منادين بأثمان سلعهم, كما كنت أسمع قدماء الحرب وهم يقصون حكاياتهم الفظيعة، بعضهم فقد البصر والبعض الآخر ترك رجليه هناك. وهم اليوم يشحذون دريهمات في جو موبوء قاتل.. أليست تلك هي رائحة الفقر اللندني التقليدي؟


في محاولة للتقليل من أهمية 'رأس المال'، سيقول نُقادي كعادتهم: " ربما يكون قد عاش تجارب شخصية شنيعة". حسنا إذا أردتم أن تُلّحوا على هذا الجانب الذاتي، فطريق العودة وسط سوهو قد أجّج فعلا الغيظ الموجود في "رأس المال". ها أنا أتخيلكم تقولون: " طبعا، هكذا كان الحال في تلك الفترة، قبل قرن من اليوم".

أفي ذلك الوقت فقط؟                                                      

وأنا قادم اليوم، مشيت في شوارع مدينتكم التي غزتها القاذورات حتى أصبحت رائحة الهواء كريهة خانقة. مررت بمحاذاة أجساد رجال ونساء مرمية في العراء على طول الأرصفة، ينامون الواحد فوق الآخر اتقاء للبرد القارس. وتسمون هذا تقدما ! هل التقدم أن يكون لكم سيارات وهواتف خلوية وطائرات وآلاف العطور لتطييب رائحتكم ؟ وهؤلاء الذين يعيشون في الشوارع! هل فكّر أحد في مصيرهم؟  

ها هو تقرير رسمي يقول أن الناتج  القومي الأمريكي قد وصل في السنة الفارطة  إلى700  مليار دولار. شيء عظيم! ولكن هل يمكن أن تقولوا لي أين تذهب كل تلك الأموال ؟ من المستفيد؟ ومن الذي لا يستفيد؟        

أقل من 500 محظوظ هم المسيطرون على 2000 مليار دولار كـأنشطة تجارية. هل هؤلاء أكثر نبلا؟ هل يعملون أكثر؟  هل هم أكثر قيمة ومنفعة للمجتمع من أم تربي ثلاثة أطفال ولا تملك شيئا بل لا تستطيع حتى دفع فاتورة التدفئة في فصل الشتاء؟                                                                                

ألم أقل منذ أكثر من 100سنة أن الرأسمالية ستضاعف الثراء بشكل كبير جدا ولكن سيزداد انحصار ذلك الثراء بين أيدي قلة تزداد انكماشا باطراد؟

قرأت في جريدة اليوم عن ذلك "الاندماج العظيم بين البنك الكيميائي وبنك تشيز ماناتان. سيفقد على إثر ذلك 12000 عاملا عملهم". ستزداد قيمة الأسهم فقط! ويتجرأ القوم على القول أن أفكاري قد باتت ميتة! هل تعرفون قصيدة أوليفييه غولدميتش" القرية المهجورة" التي يقول فيها :  يئن البلد تحت وطأة شرور ملحاحة / تتكدّس الخيرات ولكن فيه يطحن البشر!                                                                        

نعم يُطحنون… وهذا ما شاهدته بأم عيني وأنا أسير في مدينتكم هذا الصباح. منازل تتهرأ، مدارس تتهرأ و كائنات بشرية تتهرأ… ولكن وجدت نفسي فجأة محاطا برجال تظهر عليهم علامات نعمة باذخة ونساء غارقات تحت الحرير والجواهر النفيسة.                                  

هنا في أمريكا، سجونكم مكتظة. فمن هم الذين يملؤونها ؟                                                           

الفقراء طبعا. بعضهم ارتكب جرائم فظيعة وأغلبهم يمتهنون السرقة باستعمال العنف، قطاع طرق وتجار مخدرات. كلهم يؤمنون بخرافة المبادرة الحرة "دعه يعمل، دعه يمر". ويقلدون ما يقوم به الرأسماليون وإن كان ذلك على أبسط المستويات.

 أتعرفون ماذا كتبت أنا وإنغلز عن السجن؟                                     

"بدل أن تعاقبوا الأفراد عن جرائمهم، ينبغي القضاء على الظروف الاجتماعية التي تولد الجريمة بتوفير لكل فرد ما يحتاجه ليتمكن من تطوير حياته الخاصة."                                                    

نعم تحدثنا أيضا عن ديكتاتورية 'البروليتاريا'، ولكن ليست ديكتاتورية الحزب ولا  اللجنة المركزية ولا الرجل الواحد. كنا نقصد ديكتاتورية الطبقة العاملة لكن ديكتاتورية مؤقتة حيث يأخذ الشعب مقاليد السلطة ويحكم من أجل مصلحة الجميع إلى أن تصبح الدولة ذاتها غير مجدية وتضمحل من تلقاء نفسها تدريجيا. لم يكن باكونين متفقا معنا طبعا. كان يقول أن الدولة حتى و إن كانت عمالية ستغدو مستبدة لو توفر لها الجيش وجهاز الشرطة والسجون. كان يعشق الخصام معي. هل تعرفون من هو باكونين، ذلك الفوضوي الشرس؟ 

لو ابتدع كاتب شخصية مثله لقلنا عنه إنه كاتب غير واقعي. إن القول أنّي وباكونين غير متفاهمين لهو من تحصيل الحاصل. اسمعوا ماذا كان يحكي عنّي وعن أنغلز في الفترة التي كنا فيها منهمكين في كتابة البيان الشيوعي في بروكسل: "ماركس وأنغلز بورجوازيّان لا يشقّ لهما غبار، وعلى وجه الخصوص كارل".  نحن بورجوازيّان! 


حتما مقارنة بباكونين، يصبح كل الناس بورجوازيين لأن باكونين اختار أن يعيش مثل خنزير. وإذا لم تعش مثل خنزير وكان لك سقف فوق رأسك وفي صالونك بيانو وكنت تحب الخبز الطازج والخمر، فأنت بورجوازي لا محالة في نظره. لقد قلت لباكونين يوما: " أتريد أن تعرف ما أقصده بــ 'ديكتاتورية البروليتاريا'؟ تأمل  في كومونة باريس! تلك هي الديمقراطية الحق." لا الديمقراطية الإنغليزية والأمريكية إذ لا تعدو الانتخابات فيهما مجرد سيرك و مهما كان اختيار الناخبين وبغض النظر عن هوية حارس النظام الفائز فالأغنياء هم الذين يستمرون في تسيير البلد دوما.  أوكلت الكومنة للمدرسة مهمة تعليم الأطفال محبة واحترام نظرائهم. اطلعت على نقاشاتكم حول التربية. يا له من لغو! تعلّمون أبناءكم كل ما هو ضروري بغية أن ينجحوا في العالم الرأسمالي، ولكن هل تعلمونهم القتال من أجل العدالة؟

 لقد حققتم معجزات في مجال التكنولوجيا، أرسلتم بشرا إلى سطح القمر، ولكن ماذا أصبح هؤلاء الذين بقوا هنا على الأرض ؟ لماذا هم مرعبون؟ لماذا اتجهوا نحو المخدرات والكحول؟ لماذا يصبحون هائجين ويتحولون إلى قتلة؟

   كتبت حينما كنت في باريس مع زوجتي العزيزة جيني وكان لي من العمر وقتها خمسة وعشرون عاما أن الناس غرباء عن عملهم لأنه أصبح لا يروقهم في النظام الاقتصادي الجديد. أصبحت الطبيعة غريبة عنهم جراء غزو الآلات والروائح المقززة و الأدخنة التي تغزو حواسهم. هم غرباء عن بعضهم البعض لأنهم أُلِّبوا ضد بعضهم. غرباء حتى عن أنفسهم لأنهم يحيون حياة ليست حياتهم. و لا يعيشون الحياة التي يرغبون سوى في أحلامهم.

يسمون ذلك تقدما و يقولون أن 'الرأسمالية انتصرت'. 

انتصرت على من؟ وفي أي مجال! ؟ ألأنّ الأسواق المالية قد حققت أرباحا فاحشة وأصبح المساهمون أكثر غنى من ذي قبل؟  ما طعم ذلك الانتصار حينما يكون ربع أطفال أمريكا يعيشون في فقر؟ حينما يموت 40 ألف منهم قبل أن يحتفلوا بعيد ميلادهم الأول؟

هل أصبح كل الناس غفلا؟ ألا يعرفون تاريخ نظام ما يسمى 'المؤسسة الحرة': عندما تفعل الحكومة كل شيء من أجل الأغنياء و لا شيء في صالح الشعب؟     

لولا معايشتي للشقاء الرأسمالي لما كتبت 'رأس المال'. ففي بريطانيا كان يوجه الأطفال إلى صناعة النسيج لأن أناملهم الصغيرة تستطيع مداعبة المغازل. وفي أمريكا كانت الفتيات تبدأن العمل في المطاحن وهن في سن العاشرة ويمتن في سن السادسة والعشرين.                          

كانت المدن وكرا للرذيلة والفقر. تلك هي الرأسمالية، اليوم والبارحة و في كل مكان.

ولكن عليّ أن أعترف بأنني لم أحسب حسابا لقدرات الرأسمالية على التكيّف ولم أكن أتصور أن هناك أدوية قادرة على جعل هذا النظام المريض يستمر في الحياة: تشن الحروب من أجل دعم الصناعة وإلهاب جنون الناس القومي لينسوا شقاءهم، وتشجيع متعصبين دينين يبشرون الجماهير بعودة المسيح.    قد يبدو لكم خطابي جذريا ؟

لكن تذكروا أن 'جذري' لا يعني سوى التصدي للمشاكل انطلاقا من جذرها. والجذر هو 'نحن'.    

هامش:

 1- Howard Zin, Karl Marx, Le retour, trad. Thierry Discepolo, éd. Agone.

( تُرجم هذا المقتطف عن النسخة الفرنسية للنصّ )

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق