“حذو النعلِ بالنعلِ والحافر بالحافرِ”

مع أنّني أحبّذ البداية التي لا نهي فيها ولا رفض ولا نفي، أقول: لا يمكن الخروج النهائي، (كشرط منطقي)، من حالة ما، قبل الدخول فيها، “على فرض أنّ الدخول فيها لامناص منه ولا مندوحة عنه”. ولا تغيير في المنطقة العربية والإسلامية بمعناه الحقيقي، أي بالمعنى الإنساني الذي يضع الإنسان بأعلى قائمة التقييم، ويضع المجتمع على سكة التقدم العلمي والرقي الحضاري ودولة الحريات العامة وحقوق الإنسان. حتى الدخول في التجربة مع التيارات الإسلامية وما يعرف بقوى الاعتدال وعلى رأسها “الإخوان المسلمين” بمختلف مسمّياتهم والتي يبدو للوهلة الأولى بأنها طفت على سطح الأحداث في أكثر من بلد عربي من مصر إلى اليمن ومن المغرب إلى ليبيا إلى تونس فسورية والأردن مروراً بالكويت، ولا أعني بالتجربة صراع المطالب العادلة الذي تخوضه النخب الفكرية الليبرالية واليسارية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدني المختلفة وعلى رأسها منظمات حقوق المرأة وحقوق الطفل وحماة البيئة، بل التجربة التي سيخوضها السواد الأعظم من المجتمع وفي أوّل القائمة يأتي بالطبع جيوش “المحرومين والمستضعفين” الذين طالما كانوا قميص عثمان لدى كلّ من سلك طريق “النضال” أو “الجهاد” لا فرق، عندما كانوا السلعة الرائجة لكل متاجر بأحلام الفقراء والمعدمين. نعم لا يمكن للسواد الأعظم من شعوبنا الخروج من تجربة الموجة الأخيرة دون أن تخوض غمارها وتكتوي بنارها. فالشعوب التي ذاقت نار الظلم والظلام والمجاعة والسخرة والموت في المعارك النائية في عهد “سفربرلك” الخلافة العثمانية، تجاوزت نخبها المحنة بالوعي القومي والتحالف مع الإنجليز والفرنسيين، الذين قدموا الدعم والمؤازرة لها في ثوراتها وانتفاضاتها ضدّ التتريك والاستبداد العثماني، فخرجت من “تحت الدلف إلى تحت المزراب” كما يقول المثل الدارج، فوقعت تحت نير الاستعمار ولكي تتحرر منه التفّت حول شخصيات “كارزمية” وقيادات “تاريخية” وأشعلت ثورات وطنية قدمت خيرة أبنائها لنيل الاستقلال، فجاء الاستقلال أعرج يتوكأ على الأنظمة الشمولية التي ضيّعت فلسطين ومعها الحرية والكرامة والرغيف. 

تلك البُنى التي جاء جلّ زعمائها من أطراف البداوة ومن دوائر القبيلة والطائفة، التي سعت جاهدة لبدونة المدن أو ترييفها بدل تمدين الريف وتوطين البدو، وقامت بأكبر عملية تشويه لمنظومة القيم الاجتماعية، والسياسية والإنسانية، بخلق نماذج ديكتاتورية أدخلت الشعوب في حالة من الفصام، حولتها إلى الاستلاب الكامل أمام الأنظمة التي احتكرت ليس الحاضر بل والمستقبل فضلاً عن تفسير الماضي “المجيد”. فدخلنا مرحلة زعماء الألقاب والنياشين، وأبطال الحروب المنسية التي نثرت ضحاياها على سوح القتال في أكثر من منطقة، من اليمن إلى العراق ومن الصحراء الغربية حتى ظفار فضلا عن حروب الفصائل وصراع النفوذ في لبنان، وعلى تخوم فلسطين الحلم الضائع بين دهاليز “العدالة” الدولية و “تراجيديا الثورية الطوباوية” على حدّ تعبير عنوان كتاب للدكتور ميثم الجنابي عن الإمام علي.

ستتبع الشعوب العربية خطى بعضها “حذو النعل بالنعل والحافر بالحافر”. حتى تسقط ورقة التوت الأخيرة وآخر وسيلة دفاعية (كما يظن البعض) لمجتمعاتنا، المحافظة المختبئة بجلباب الأب /الشيخ / المفتي/ المرجع، والذي تلتمس فيه النجاة والخلاص. بتعبير آخر : دخول التجربة هذه المرة مع الإسلام السياسي ومع القوى التي تحاول بكل ما أوتيت من قوة ومن رباط الخيل، مستفيدة من “مكر التاريخ” على قول ماركس “رحمه الله” وتقلب الأيام، وشمرت عن سواعد أبنائها لاختطاف اللحظة التاريخية التي كانت حلماً طوباوياً لدى جلّ النخب الفكرية والسياسية. هذه القوى وأعني بها ما أصبح يسمى الاعتدال الإسلامي بقواه وتياراته المتعددة الوجوه والتمويل واللعب السياسي والتسويق الإعلامي المدعومة بتأييد مريب من القوى الفاعلة على المسرح الدولي في مواجهة مكشوفة مع قوى المجتمع المدني من أحزاب علمانية وجمعيات حقوقية ونقابات مهنية. في هذا المعترك الذي لا يمكن تحديد متى ينتهي أو متى يشارف على نهاية مرحلة الشعارات ويلامس مرحلة التنفيذ، ستبقى دائرة العنف والعنف المضاد بأقسى وأقذر صورها تدور وتطحن برحاها ضحايا وشهداء ورموز وأصوات ارتفعت بالمطالب المحقة ومخلصين للحياة الحرة الكريمة للجميع ودعاة للعدالة الاجتماعية وتقسيم الثروات والمساواة في الفرص، وذلك عبر معارك جانبية ليس لها أي قيمة في مقياس المطالب الحقيقية كمعركة النقاب والحجاب أو أي معركة صغيرة يضخمها الإعلام كالحديث عن مقالة جريئة هنا يوصم كاتبها بالاجتراء على الله ورسوله وتحقيق صحفي هناك يمسّ المسكوت عنه في قاع المدينة وفضائحها.

قد يعترض على ما أسلفت معترض يرفع يافطة أصبحت بمثابة تهمة جاهزة لكل من لا ينضوي تحت عباءة الإسلام السياسي، ويبارك حشوده، أعني الـ”إسلام فوبيا”، وكأن النفخ في نار الطائفية وجرّ الناس نحو التعصب الذي تنشره قنوات فضائية ومواقع انترنت وجبال من السب والقذف والاتهامات والتخوين ودعوات التكفير وهدر الدم الذي يمارسه دعاة من هذا الجانب ومن ذاك، ليست كافية لتوضح الصورة وتبرر المخاوف من الصراعات القادمة. وربّ قائل يقول إن الإسلاميين مواطنون كغيرهم ولديهم حقّ بالعمل السياسي من جملة الحقوق التي يتضمنها حق المواطنة، وهذا كلام لا أختلف معه مع أني من دعاة وضع دساتير تمنع تشكيل الأحزاب على أساس ديني أو طائفي وأدعو للعمل ضمن هذا التوجه، إلا أني أرد وأقول إن حق الإنسان في التعبير، بما فيه التعبير ضمن نطاق العمل السياسي، حق مقدس لكن أن يكون حقا مقدسا للجميع وليس فقط للإسلام السياسي الذي يستطيع تجنيد وتحريك الآلاف من الأميين وأنصاف المتعلمين “بشعارات ديماغوجية”، تنطلي على البسطاء، للتجاوز على حقوق آخرين كدعاة العلمانية والمطالبين بالدولة المدنية، على أساس أنهم ثلة قليلة لا تمثل إلا نفسها، وبشعار زائف إسمه “مطالب الأكثرية المسلمة”، تلك الأكثرية التي يتلاعب بعواطفها خطباء المنابر والدعاة ورعاة بيت المال الجدد، الذين يوزعون الإعانات الاجتماعية على الفقراء والمعوزين من الأموال التي يُفترض أن تكون حقوقاً مشروعة لا هبات على شكل صدقات يتكرم بها أولو الأمر، من قيادات ومشايخ، لكسب أصوات “الأكثرية المحرومة”، وبالطبع هذه الهبات والمساعدات لا تشكل سوى فتات الفتات من ميزانية “الجهاد الأكبر” الذي يأتي من مصادر عديدة كأموال الزكاة، ومن كرم جهات لا يعلمها إلا منْ كان حاذقاً يدرك أين يصطف ومتى ومع منْ، بتعبير آخر منْ قدّم فروض الطاعة أو ألقى السمع وهو شهيد.
 

ثمّة تخوّف مشروع من الاستقطاب الطائفي الذي لا بدّ للإسلام السياسي أن يقع فيه عاجلاً أو آجلاً، والذي بدأ يتشكل خصوصاً في دول المشرق العربي، واللافتات التي تشير إلى مدى خطورة “الهلال الشيعي” التي رفعها بعض المتظاهرين في سوريا خير مثال على ذلك. ولتركيا وإيران، فضلاً عن السعودية، الدور المحوري في فاعلية هذا الاستقطاب واتساعه، فالمعيار المزدوج التي تتعامل به هذه الدول في تقييم ما بات يسمّى “الربيع العربي” واضحة للعيان وفي النموذج البحريني التي سعت السعودية وحلفاؤها الخليجيون بالتدخل المباشر لوأده ودفع المتظاهرين دفعاً إلى أحضان إيران، خير مثال، مثلما تمّ قمع المحتجين في المناطق الشرقية، وفي الوقت الذي اتفقت فيه دول الخليج على دعم التظاهرات في سوريا وتشديد الضغوط على النظام الحاكم فيها، دعمت النظام اليمني عبر المبادرة الخليجية التي فتحت لعلي صالح أبواب العلاج قبل أن تسلّمه مظلة النجاة. ثمة أسئلة ومخاوف موضوعية حول المعارك السياسية القادمة على يد “الاعتدال الإسلامي” الذي وصل إلى سدة الحكم في أكثر من بلد عربي، والأثمان الباهظة التي يجب دفعها، فيما لو حوصرت أحزابه الحاكمة بالمطالب الحقيقية للشعوب، وأرادت الأولى إلهاء الثانية بمعارك جانبية، فئوية، طائفية، سلمان رشدي جديد، أو زرقاوي جديد ينصر الإسلام “السلفي” بإشهاره السيف بوجه الهلال “الشيعي”….

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق