حرائق “الحارقين”: جذور و دلالات


قام جمع من المهاجرين “السرّيين” (في الأسبوع الثالث من شهر فيفري) بمحاولات هرب جماعي ثم بإحراق عنابر من معتقل ” لمبدوزا ” الإيطالي المنعوت في بعض الصحف الايطالية و عند الناشطين الحقوقيين بـ”غوانتنامو المتوسّط ” وفي نفس الوقت تقريبا قامت مجموعة أخرى بحرق مركز إيقاف (هال فار) بمالطا


حاولت السلطات الايطالية كما المالطية تلطيف الأحداث والمداراة عنها بتعليمات واضحة لوسائل الإخبار وتقبّلته وسائل الإعلام بدول جنوب المتوسط وعلى رأسها ” الصحافة التونسية ” بنفس إخباريّ روتينيّ جافّ يعرض للحدث وكأنه وقع في بحر الصين أو في مضيق الشيلي ولكن يبدو أنّ هول المصاب وخطورة الوقائع جعلت الغالبية تتدارك الأمر فيما بعد وتعيد النظر في قراءة الحادث والتعامل مع ” الفاجعة” وتداعياتها الخطيرة، خصوصا أنّ هؤلاء ” المهاجرين غير الشرعيين” ما هم إلاّ أبناء الوطن الشرعيون، مهما نأت بهم قوارب الأحلام الواهمة وأضغاث الرفاهية الموعودة.

ما الذي جعل “الحارقين” يحرقون ” محتشداتهم” التي تسمّيها السلطات الايطالية من باب التجميل والمداراة ” مراكز إيقاف و إيواء” وما لذي دفع بهم إلى مواجهة ” سجّانيهم”، والاحتجاج بعنف، وتخيّر الحرق الناري كوسيلة للتعبير الانتفاضي في نفس التوقيت تقريبا وفي أماكن مختلفة؟ أهو” أمر منظّم أم فوضى عابرة” وصدفوية؟ ثم لماذا تزعّم المهاجرون التونسيون أعمال الحرق و” التمرّد” قبل غيرهم من المهاجرين؟ هل هو مجرّد إخراج إعلامي مالطو-إيطالي- أوروبي أم هي حقيقة تستدعي التأمّل إن ثبتت صحتها؟
كانت محاولة باسط بن حسن ( حارقو الأمل واليأس) محاولة تأمّل فلسفيّ في تفشيّ التنميط المعولم المضلّل والمفروض على شريحة المنبوذين من ” المهاجرين – الحرّاقة “وقد أرفقها بفسحة شعرية معبّرة، معتادة من قلمه وقريحته المتعاطفة مع هؤلاء المغتربين.
وتندرج مساهمتنا في إطار الاستزادة في فهم جذور هذا الحدث المتكرر ودلالاته.

في انحياز التسمية: برابرة…أو حرّاقة هم مهاجرون من العالم الإنسي

تختلف التسميات الناعتة للمهاجرين بدون جواز ولا تأشيرة، فتطلق عليهم التسميات الرائجة والزاعمة للحياد نعوت “المهاجرين السريين “و” المهاجرين خلسة” و” المهاجرين غير الشرعيين” و” مجتازي الحدود بدون ترخيص” و”الخارجين عن القانون”. أمّا التسميات المضادّة لهؤلاء الوافدين رغم أنف الحدود والجوازات والتأشيرات، فهي تطلق عليهم ألفاظ : ” الغزاة ” و”الهمج” و” الجانحين” ، وقد أسماهم روبارتو ماروني مرشّح رابطة اليمين للانتخابات (ووزير الداخلية الايطالي الحالي ) ببرابرة “الجنوب”، هو الذي ضبط ” متلبسا ” بتشغيل مهاجرين غير شرعيين من رومانيا (في منزله) وكأنّ ” البرابرة ” لا يأتون إلا من “الجنوب الأسفل”.

لا وزن لهذه التسميات الرسمية أو المعادية أمام التسمية الحقيقية والرائجة والتي تنعتهم بـ”الحرّاقة أو الحارقين”، وهو نعت اشتقاقي من الحرقة والحرقان( الحريك مع تفخيم الكاف في المغرب الأقصى) فالمهمّ أن المهاجرين تبنّوا تلك التسمية وقبلوا بها، وهي تعني من جملة ما تعني المقامرة بلعب الورقة الأخيرة أي ورقة ” الحرق”.
واختلفت التفسيرات والتأويلات في شأن تفسير نعت ” الحرقة والحرقان” فالنعت مجازي في كلّ الأحوال، يرمز إلى خرق المألوف وتجاوز الحدود بحرق قوانين العبور وضوابط الحدود والجوازات وأعراف التأشيرات


الحارق هو المخترق لإرادة منعه من الترحال والهجرة، والظاهرة قديمة على عكس الاعتقاد السائر. فتراخيص السفر( السراح والمسراح والتذكرة…) كانت موجودة في بعض النطاقات، خاصة زمن الحروب والفتن والأوبئة الفتّاكة، ثم تطوّرت في عهد الدول القطرية الحديثة لتظهر “جوازات الحدود ” و”تراخيص السفر”.
وبقطع النظر عن الحمولة الرمزية والمجازية لنعت “الحرقة”، يبدو أنّ هذا اللفظ الذي تلازم مع الاجتياز البحري للحدود القطرية ( يعوضه نعت الهروب و”التفليق” و الاجتياز والاختراق في حالة الحدود البرية والجوية ) ارتبط تاريخيا بنوع من القوارب السريعة التي كانت تسمّى” الحرّاقة ” وهي قوارب متوسطية خفيفة ومحدودة الحمولة تجمع بين قصر المسافة وسرعة الانجاز، وهو نوع يختلف عن قوارب ” الزلاّقة ” و”الغراب” و”الصندل” و”اللود” .
تتناسب لفظتا الحرقة والحارقين في المعنى مع المحاولة اليائسة والمتحدية لرفض القبول ومنع التجوال والسفر، أما في الواقع فهي تتناسب مع وسيلة النقل المستعملة غالبا والتي ظلت تقريبا هي نفسها ” سريعة وخفيفة وقريبة ” حتى إن تجمّلت بمحرك آليّ صغير أو عوّض المطاط العصري خشبها العتيق.
وتتشابه الهجرة الممنوعة مع العادة السرية: فكلاهما قديم ومحظور في العلن متواتر في الواقع يستفيد منه الكثير خلسة وتلعنه وتحاربه الكثرة جهرا.

حريق على حريق
لم أصب بأيّ نوع من أنواع الدهشة أو الاستغراب عندما طالعت في الصحف وشاهدت في نشرات الأخبار دخان حرائق”الحارقين”، وأثنيت فقط على عبقرية التسمية، وينتابني الآن عطش رهيب لمعرفة مخترع التسمية أكبر من عطشي لمعرفة من سمّى بحر الروم وبحر الظلمات والبحر الأسود والبحر الميّت.
يُعلمنا المختصّون في شأن هذا النوع من الهجرة غير المباح أنّ “الحرقة ” تتم بسبب الفقر والتهميش والحرمان والبطالة و قلّة الاندماج والرغبة في الترقّي الاجتماعي. ومع تسليمنا بذلك لا بدّ من النظر إلى الدوافع النفسية والانسانيوية: من ذلك حقّ السفر وحُرقة الاكتشاف وشهوة الرحلة وعطش التجوال والرغبة في اختراق النسق المعتاد …

لا شكّ أن عمليات “الحرق الناري ” الأخيرة والمنجرّة عن الحرق المائي المفروض والمرفوض، تندرج في إطار الدفاع الذاتي لهؤلاء الناجين من الموت والمتشبثين بخيط الأمل الرقيق، دفاع ذاتي عن إنسانيتهم التي تحاصرها أصوات الغفّارات والكلاب البوليسية والأسلاك الشائكة، دفاع ذاتي عن كرامة مهدورة تعوّض فيه الأرقام والرموز والأسماء المستعارة شخصياتهم الحقيقية المطاردة وهوياتهم المستنفرة المذعورة، دفاع شرعي عن حثالة كرامة وبقايا حرية لم يجرّدهم منها البحر ولا أمواجه أو حيتانه المتوثّبة والمتصيّدة لأشلاء المراكب.

سيجلس المسؤولون في المكاتب ويتباحثون الأمر ويكثرون من مخافر الحراسة والرادارات والطائرات العمودية والمخبرين، ولن يفلحوا في إطفاء “الحرائق” ربّما لأنهم لم يدركوا كنه ما قاله المؤرخ الفرنسي الكبير فرنان برودال بأنّ ” المتوسّط هو سهل مائي” La méditerranée est une plaine liquide
ليس من اليسير أن يتحوّل السهل المائيّ إلى جبل شاهق عازل أو ستار حديدي مانع للأدفاق البشرية، لو كان الأمر ممكنا لنجحت أسوار الأباطرة في الصين وحواجز الإمبراطور أدريان في ليبيا القديمة في عزل البشر عن التزاور والتبادل المنفعي.

تزامنت عمليات التضييق على هجرة ” أهل الجنوب” مع سقوط الجدران بين غرب أوروبا و شرقها في مطلع تسعينات القرن العشرين فانبثق ” الحرقان ” من جديد كحركة طبيعية دؤوب بين ضفاف الجنوب و الشمال المتوسطي ونسي العديد أنّ تلك “الحرقات ” كان يقوم بها الصقلّيون والمازاريون والساردو والكورسو والبلنسيان والبنادقة والمالطيون… في الاتجاه المعاكس في عصر سعيد سابق وفي أيام خوالٍ لم يندرس رسم ذكراها.
لن تنتهي “الحرقة”، ولن تنطفئ “الحرائق” حتّى لو تخلّى عن تنظيمها التونسيون وأدبر عن إنجاحها المغاربة. لقد ” تعولمت ” الحرقة، فتبنّاها الأفارقة وطوّروها وتركوا “ساحلهم” الجافّ وأصبحوا يحجّون إلى سواحل ” المتوسّط” الطافحة والواعدة مثلما تحرّك قبلهم الصُّفر والحمر والشقر في كلّ الاتجاهات المقصودة والمحظورة.

إلى هواة الأرقام
بلغ عدد الموقوفين سنة 2008بجزيرة لمبدوزا حسب وزارة الداخلية الايطالية 31700 مهاجر أغلبهم من أصول مغاربية وإفريقية وأكبر عدد من ” الحارقين” من أصول تونسية ومغربية وهو ما يفسّر بطبيعة الحال ظهورهم في صدارة الأحداث الأخيرة .
لم يكن عدد الموقوفين قبل عشر سنوات بلمبدوزا يتجاوز 700 شخص مما يدل على تضييق الخناق على “الحارقين” وتقلّص فرصة إفلاتهم نحو “الجنة” الموعودة وليس مؤشّرا عن تزايد عمليات ” الحرقة “.
يحتضن مركز لمبدوزا أكثر من ألفي مهاجر في حين أنّ طاقة الإيواء لا تتعدّى أكثر من 700 فقط وهو ما يعني تفاقم الأمراض والعدوى وانعدام المرافق واستفحال اليأس.
اندلعت عمليات الحرق بعد اتخاذ قرار ترحيل الموقوفين على دفعات ستبلغ ذروتها في شهر مارس الحالي( ألف حارق) حسب مخطط وزارة الداخلية الايطالية.
في لمبدوزا الايطالية كما في ” هال فار ” المالطية فاحت أخبار الترحيل وتدهورت ظروف الإقامة وساءت المعاملة فكان دخان الحرائق.

إلى هواة الأغاني والأزجال:

في سواحل جبنيانة من البلاد التونسية وقرب موقع قصر زياد التاريخي الذي أبحر منه أسد بن الفرات إلى صقلية “فاتحا “يمتدّ المرسى البحري الشهير باسم الوليّ سيدي مسرّة وهو عبارة عن ” كعبة ” الحارقين فقال في شأنه المغنّي الشعبي النابه :

” يا بابور سيدي مسرّة يا بابور تعزّ عليّة
ركّبني خرّجني البرّة نزّلني وآش عند فيّة
يا بابور البحر الميّت خرجني نعيش حياتي
يا بابور بالاكشي تزهّر نكبر وانبدّل خطواتي
يا بابور العمر فنالي يا بابور مشى في بالي
ركبني بالك تزهالي يرجع عمري بين ايديّة
يا رايس البابور بابور سير بينا واركب عالموجة بثبات
كيف الدهر خلّى بينا صعبت علينا الحياة
يا رايس البابور أمانة وصّلنا لبرّ السلامة
خلّي قلبي تحلى أيّامه أنا مدفون وعيني حيّة
يا بابور الدنيا غرورة شط مسرّة شُقّ بحوره
ركّبني نجرب زهري أمّا طورة وإلا فوره
يا رايس البابور مسرّة إنت مجرّب وإنت تعرف
وصلني بالكش تخطف نروّح راكب عالجويّة “

والبابور هو قارب بخاري صغير ستعمله الحارقون و” الطورة والفورة “هي ضربة الحظ نحو الأعالي أو الأسافل والجوية هي الطائرة التي يعود فيها الحارقون بعد تسوية وضعيتهم والحصول على الأوراق القانونية وهي أيضا طائرة الترحيل ونهاية “الحرقة” … أو علّها علّة الحريق .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق