حراسة الكبت والحرب على الجسد

تحاول السطور التالية الوقوف على جزء هام من ثقافة الكبت، وهو الجزء المتعلق بالآليات التي طوّرتها هذه الثقافة لمواجهة الحالات التي يقدم فيها الجسد على الخروج عن قوانين وحدود الأمان المجتمعي، سواء أكان هذا الخروج يحمل نسبة عالية من القصدية أم أنه وقع بموجب الخطأ والصدفة، إذ لا تلعب درجة القصدية دوراً حاسماً في تحديد الآلية التي سيرد بها المجتمع على فعل الخروج الذي وقع وانتهى أمره، فالملابسات والتفاصيل والنوايا تسقط من الحساب. ولسهولة البحث ستكتفي هذه المادة بالتركيز على جسد الأنثى وكيفية التعامل معه من وجهة نظر قانونية، أو بشكلٍ آخر، كيف نستطيع قراءة بعض قوانين العقوبات والأحوال الشخصية السوري من وجهة نظر الكبت المطبق على الجسد، الأنثوي تحديداً.

تبدو قوانيننا مفرطة في العنف ومسرفة في انتهاك جسد الأنثى وشخصيتها على السواء، ابتداءً بالقوانين التي تبيح لولي الأمر والقاضي أن يقدم على تزويج الطفلة ذات الثلاثة عشر عاماً، ومروراً بالقانون الذي يجيز أن يقدم المغتصب على الزواج من الأنثى التي اغتصبها، وليس انتهاءً بالقوانين التي تمنح القاتل أعذاراً محلّة حيناً ومخففة أحياناً أخرى لدى إقدامه على إنهاء حياة أنثى مدفوعاً بما اتفق على تسميته بـ"الشرف"! ومن نافل القول إن القوانين المعمول بها على أرض دولةٍ معينة صيغت – في جزء منها على الأقل – وفقاً للتراكمات الثقافية والاجتماعية والدينية على مر الزمن وتعاقب الذهنيات التي امتلكت زمام الفعل والتأثير ونحتِ الآراء والمعتقدات العامة وحرفها من زاوية إلى أخرى.

يمتلك مجتمعنا جملة من الآليات ذات الطابع الحربي إزاء الجسد والتحكم به من الناحية الجنسية، وتندرج تحت ثلاثة مسميات عريضة: الأولى هي الآليات الاستباقية، أي تلك التي تعمل على استباق "المحظور" وتحول دونه وقوعه، فجسد الأنثى بحسب العرف السائد هو مناسبةٌ مستمرة لجلب كل ما هو فاضح ومفاجئ، ومع ازدياد عمرها كل يوم يزداد الاعتقاد بأنها تتهيأ لزجّ جسدها في العار والخطيئة وتزداد احتمالية ارتكابها لفعلٍ ذو طبيعة جنسية يهدد جبين العائلة بدمغة لن تزول. وانطلاقاً من هنا تبدأ سلسلة مكثفة ومحكمة من عمليات المنع والتضييق، كتحديد نوع لباسها وعزلها في الفراش بعيداً عن أخيها الصغير، ومنعها من اللعب خارج المنزل، وإلزامها بطبقة صوت محددة عند التحدث، وإكسابها جميع المهارات التي قرر للأنثى أن تتقنها كالغسيل والطبخ.. إلخ، ولكن ذلك كله لا يكفي، أو يكفي ليكون مرحلة تمهيدية أولى لما نريد ذكره كمثال واضح عن الآليات الاستباقية ألا وهو الزواج المبكر، وهنا تأتي الأحكام الفقهية المستنبطة عن النص القرآني، ومن خلفها تأتي قوانين الأحوال الشخصية لتلبي رهاب الأهل وتغذيه مبيحة لهم وللسلطة القضائية تخلصاً نهائياً من خوفهم من هذا الجسد الهش وقذفه إلى "مؤسسة" الزواج، وبعيداً عن القيمة المادية التي تجنيها بعض العائلات في بعض الأحيان، يبقى الشيء الأهم وهو أن طاقات ابنتهم الجنسية "المتفجرة" أصبح لها الآن مصرفها الشرعي "الزوج"، وهكذا يُسدل الستار نهائياً على احتمالٍ مباغت قد يفاجئون به رغم كل التضييقات والحصار المحكم الذي كان مطبقاً قبل الزواج. تشرعن قوانيننا تزويج الأنثى بعمر الثالثة عشرة، ومع أن المادة القانونية تشترط تأكد القاضي من أهلية هذه الأنثى للزواج بدنياً ونفسياً إلا أن شيئاً من هذا لا يحدث على أرض الواقع، مما يترك لنا مؤشراً واضحاً على الهدف الأعلى من هكذا قانون.

أما النوع الثاني من آليات حماية الكبت فهو ما يمكن أن نسميه بالإجراءات الاستنزافية، وتحمل في طياتها جرعة أعلى من العنف تجاه جسد الأنثى وروحها على حد سواء. تتهيأ ظروف هذه الآلية في الحالات التي تقع فيها الأنثى ضحية لعنف من نوع آخر ولكنه خارج هو الآخر من عباءة الكبت، ونقصد هنا واقعة الاغتصاب، إذ يكون جلياً للقاصي والداني أن الفتاة لم تمتلك النية للوصول إلى ما وصلت إليه، ولكنها، شاءت أم أبت، جزء أو طرف من واقعةٍ تحمل للعائلة خطر الفضيحة والإصابة بوصمة العار. العائلة هنا إزاء خطر يتهدد توازنها وثباتها الاجتماعي، ولكن الواقعة تفرض بما لا لبس فيه أن الأنثى هي ضحية بالنسبة الكاملة، والجاني (المغتصب) واضحٌ كالشمس، وتشاء السماء ألا يفلت تفصيل واحد يمكن اصطياده لإلقاء اللوم على الفتاة.. فما العمل؟

يأتي القانون 508 من قانون العقوبات السوري ليحمل الحل السحري، وينص على تخيير الجاني من الزواج بالمجني عليها، فإن وافق (ووافقت هي أيضاً) يقضيان خمس سنوات من الزواج على الأقل، وإلا فعليه أن يواجه حكماً بالسجن لعدة سنوات. تفقد الأنثى في حالة الاغتصاب عذريتها الاجتماعية، وتغدو بحكم السائد "ناقة جرباء" يتجنبها الجميع وتقترب بنظرهم لأن تعود إلى حالة الجسد الذي يؤذن بالخطر واللعنة الأبدية، وستقف على بعد خطوة واحدة من الاحتمال المؤجل إلى الآن وهو "القتل"، وتحت هذا الضغط لا تجرؤ الأنثى على إبداء رفضها للزواج من مغتصبها. وهنا تجدر الملاحظة بأن العقلية المدبرة لكل هذا لم تغفل اللعب بالورقة الرابحة، وهي المغتصب الذي سيواجه حكماً بالسجن، وهكذا وفي أغلب الحالات "يرضخ" الذكر المغتصب (الذي تجاوز أساساً خطاً اجتماعياً أحمر) ويعلن موافقته على الزواج من ضحيته، وهكذا يتم استحضار الزواج كشكلٍ يحمل شرعيته التي لا تقبل الجدال، وتعقد الصفقة ويُعاد جسد الأنثى الذي ضل طريقه إلى حظيرة أجساد المتزوجين.. ما حصل عملياً هو إجبار الضحية على التنازل عن حقها في الاقتصاص من جلادها، وإجبار الجلاد الذي تجاوز حدود صلاحيته حين أقدم على اغتصابها على دخول الزنزانة ولكن مدججاً بكل أسلحته، ونترك الحرية لخيالكم لتصور ما سيحتويه بيت الزوجية السعيد هذا من عنف ورهبة ورضوض نفسية لا نعرف إن كان هناك فرصة من الشفاء منها، وهكذا يتهتك جسد الأنثى وتشل فعاليته إلى الأبد.

أما المرحلة الثالثة من حماية الكبت فهي آليات الردع، بكل ما تحيل إليه هذه مفردة الردع من معان موازية، كالرد العنيف، أو التأديب، أو تخويف كلّ من سوّلت له نفسه أن يفكر باختراق الخطوط الممنوعة، ومن المعروف بأن الردود الردعية غالباً ما تنطوي على إفراطٍ في استخدام القوة ليضمن الطرف القوي أن الطرف الضعيف لن يعاود محاولة الكرّة، وأنه سيقوم بالتفكير ألف مرة قبل أن يقدم على فعلٍ مماثل، والمقصود هنا بالطرف الضعيف هي الأنثى، وبالطرف القوي المجتمع محمياً ومدعوماً بالغطاءين الديني والقانوني، ومثالنا الفاقع عن هذه الآليات هي ما اصطلح على تسميته بـ "جريمة الشرف". القتل.. التخلص من الجسد الآثم ومحو أثره إلى الأبد، وهنا تشترط العلنية والإشهار كحالة مقابلة لحالة العلن التي أظهرها الجسد المتمرد عندما قرر ونفذ خروجه عن النسق السائد من أشكال العلاقات واختار عبور الخطوط الحمراء وإقامة علاقة ضمن إطار الزواج "على الرغم من معارضة الأهل" أو خارجه، ويجدر بنا هنا أن نلاحظ أن آلية القتل تبقى في حالة التفعيل القصوى سواء أقدم الجسد المتمرد على الدخول في الشرعية الدينية عن طريق الزواج أم أنه لم يفعل، وبالتالي تنتصر رغبة الكبت على مشيئة الله وقوانينه برمتها، وتُطبع صورة الأنثى على ملصقاتٍ كتب تحتها "مطلوب ميتاً" وتلصق على جدران قلوب أهلها وعقولهم، وتبدأ رحلة البحث التي تمتد في بعض الحالات لسنين طويلة، وكلما طالت المدة كلما زادت من قيمة الثأر والانتقام، إن بحث العائلة عن ضحيتها سيبقي عليهم – مؤقتاً – مقبولين ضمن الجماعة ولكنهم تحت المراقبة إلى أن يُنجز الفعل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق