“حرب الملاعب”

من منّا لا يعلم اليوم بالمشاحنات الدائرة بين مرئيات الإعلام ومسموعاته ومقروءاته في مصر والجزائر بمناسبة مقابلة كرة القدم التأهيلية لكأس العالم 2010 والتي ستدور يوم 14 نوفمبر 2009. لقد بدأت طبول الحرب تقرع هنا وهناك، وبلغ الاحتقان أشدّه وساهم “المستفيدون” تجاريا وسياسيا في صبّ الزيت لمزيد إشعال الحريق.

الأمر ليس جديدا في تاريخ” المواجهات” الرياضية بين البلدين المذكورين أو بين أقطار عربية أخرى، الجديد حقّا هو توسّع دائرة “التحرّش” الرياضي وتعدّيها للمعتاد، فلم يعد الأمر حكرا على الصفحتين الأخيرتين من الجريدة، ولا على الدقيقتين الأخيرتين من النشرة، بل أصبحت النشرة والجريدة والفضائية مسخّرة لهذه “المقابلة- الحرب”، وولج السّاسة والفنانون والمشاهير “حلبة” التصعيد الكلاميّ الذي لم يبلغ ربّما ذاك التحفيز الذي عرفته مصر قبل “العبور” في 1973 ولا عرفته الجزائر قبل ” الاستفتاء” سنة 1962.

يتمّ هذا، بل يتزامن تقريبا، مع الاحتفال بالذكرى الخامسة والخمسين للثورة الجزائرية المجيدة، التي ساندها كل العالم وكل العرب وفي مقدمتهم مصر بشعبها وحُكمها ونخبتها آنذاك، ولا زلنا نذكر جميعا ذاك الشريط السينمائي المصري الرائع حول “جميلة بوحيرد” ومدى إتقان الممثلة “ماجدة” لدور المرأة الجزائرية المناضلة ضد القمع الاستعماريّ.

حدث ذلك أيام الأبيض والأسود أيام عدم الانحياز والحلم “الوحدوي – القومي”، أيام زمن جميل تزيّنه لنا تعاسة الحاضر وقتامته أكثر من بهاء الماضي وجماله. أمّا اليوم فيحدث العكس تماما ونجد الفنانين وأشباههم في مقدّمة المواجهة “وقودا” لهذه الحرب الوهمية الساذجة، ويفيض بنا التحليل لنتساءل عن الظاهرة في عمقها وجذورها محاولين الخروج من دائرة الحدث الراهن( مصر والجزائر) والنفاذ إلى تأطيرها اجتماعيا وثقافيا وتاريخيا.
توظيف الرياضة في “البروباغندا السياسية”: من ثمار الكليانية والعولمة تُختزل “الرياضة” عند البعض- عمدا أو جهلا- في كلمة الكرة، والأمر ليس كذلك بالتأكيد ومع هذا وجب التشديد على أنّ “الكرة” ليست لعبة فقط: هي لعبة وإثارة وتوظيف وصراع ورهان.

أخبرتنا الذاكرة، كما الوثائق من عهد جبل أولمب وسرك روما ومهرجان الهند ومبارزات العرب، أنّ الرياضة أداة للترويض و”الترييض” والتوظيف، لقد تواصل الأمر بل استفحل مع الرياضة المعاصرة التي تحتكم إلى أدوات القيس والوزن والتكميم العصريّ، والتي تعتمد الآلة لصناعة معداتها والربح المادّي والمعنويّ كغاية نهائية لها.

مع انتشار المنافسات الرياضية الكبرى قبل الحرب العالمية الثانية وظّف هتلر وموسليني وستالين وتشرشل… كؤوس العالم والألعاب الأولمبية للدعاية السياسية، وعلى خطاهم فعل الكثير من السّاسة والزعماء لتدعيم سطوة الأنظمة الكليانية التي لا تقيم وزنا للحريات ولحقّ التعبير. اضطرّت رغبة تحقيق الانتصارات إلى افتعال مسابقات إقليمية وشبه إقليمية لإكثار فرص “الربح” والتلذّذ به.

وبسبب الرغبة في النصر ولا شيء غيره تتعارض استراتيجيات الفرق والجماعات والدول وتصل مرحلة التطاحن، لقد أخبرتنا أنباء الأمس القريب عن توترات وأزمات دولية حدثت في أمريكا اللاتينية( السلفادور والهندوراس سنة 1970) وكادت تتحول إلى حروب بين الدول المتنافسة المتجاورة (الأرجنتين والبيرو في السبعينات).
لقد كانت التوتاليتارية وغياب الحريات وانعدام الديمقراطية سببا في تفعيل التوترات الرياضية. أما في السنوات الأخيرة فقد انضافت قوانين الجشع الاستثماري للصناعات الرياضية ونمط العولمة المتغوّلة لتزيد في تغذية ذلك الواقع المزري للمنافسات الرياضية. ويتفاقم بؤس المشهد الرياضي أكثر بتسييسه و”تجييشه” ثم تزداد الصورة قتامة بـ”تكوير” السياسة وابتذالها بالترميز الرياضيّ، فما زالت صورة الرئيس الفرنسي جاك شيراك في نهائيّ كأس العالم 1998 وهو مرتدٍ لقميص” الديَكة” رقم 12 راسخة في الأذهان تؤشّر عن حاجة السياسيّ للرياضة كما أنّ الرياضة والرياضيين يحتاجون للسّاسة والسياسة، وفي حالة برليسكوني رئيس جمعية الميلان والحكومة الايطالية خير مثال.

{{” تسييس الكرة وتكوير السياسة “}}

تلعب “الرياضة” بالتأكيد دور المسكّن الاجتماعي والثقافي، وهي رغم أوليّتها وأساسيتها في تهذيب العقل والبدن وصهر الانتماء، تضطلع بأدوار التسكين والتلطيف والإلهاء، خصوصا في البلدان الفاقدة للحريات الأساسية الشخصية والعامة لذلك تلقي التناقضات والتجاذبات بظلالها على أنشطة الرياضة. إنّ مباريات الرياضة ومنازلات الكرة كانت، ومازالت في الغالب، مسرحا لتعقّب تلك الاختلافات والتوظيفات السياسية، وهو ما يؤدّي لاختلاط الرياضة بالسياسة إلى حدّ يصعب معه التفريق بين هذه وتلك.

يزداد الأمر حدّة في البلاد العربية، وتحضر صيغة المبالغة في تفعيل الأمر: فالفريق في “معسكر تدريبي للتربّص بالعدوّ، والمدرّب جهّز خطّة هجومية مباغتة، والدفاع حصين لا يحتاج إلى الترميم، أمّا العدوّ فله ثغرات خاصة في الكتيبة اليسرى، واللاعبون لهم قدرة قتالية عالية على مواجهة ضربات الخصم مهما كانت موجعة، وعلى إحباط مناوراته والمعنويات حديد، وسيكون القائد رأس الحربة وقلب الأسد في موقعة الأستاد الفلاني، سنكسب المنازلة لأنّ التوفيق من عند الله، ثم نهدي النصر للرياضي الأوّل والأخير فخامة جلالته…”

وبالمقابل فإنّ “الفريق الحكومي لم يقدر على حلّ لغز المباراة مع نجوم المعارضة… والملعب يخلو من منافسة جدية بين فريق السلطة والمعارضة وستلعب الأغلبية الصامتة دور الحكًم، لأن اللعبة غامضة لحدّ الآن، والكرة عند جماعة 66 يناير الذين قد يتعثرون في ملعب الطائف….”

تتصفّح الجرائد العربية فتكتشف بلا استغراب أنّ “التحدي” انتصر على” الكرامة ” و” النصر” انهزم أمام “الترسانة”، و”الشرطة” تعادلت مع “الجيش”، و”القوات المسلّحة” خسرت مع “حرس الحدود”، وتتحدث نفس الجريدة عن المجتمع المدني والسلوك الحضاري والمدّ الديمقراطي والسّلم الاجتماعية، وتذكّر من حين إلى آخر بأنّ الرياضة أخلاق أو لا تكون، وهي أيضا أداة تحابب وتعارف بين الشعوب، فمن نصدّق: الشعارات البرّاقة أم الوقائع الدامغة؟

{{“حرب الملاعب” وصمت النخب}}

أصبحت ملاعب “الكرة” في أغلب البلاد العربية اليوم مصدرا للتطاحن وإطلاق شعارات الكراهية والبغضاء وتغذية الطائفية والنعرات العروشية والجهوية، وأسهمت مباريات الرياضة في إضعاف الحسّ المدني وتهميش المواطنة والاستهزاء بسيادة الدولة، فتصبح الجمعية هي الأمّ، والجمهور هو الشعب والفريق هو الدولة، إنها الديماغوجية الغوغائية بعينها. لذلك لا نتعجّب من تناثر مبادرات التهاني للسّاسة ورجال الأمن كلّما “سلًكًت” مباراة حاسمة وانتهت بخير، بلا عنف ولا تهشيم لذلك نستعمل نعت “حرب الملاعب” لوصف ما يقع قبل وأثناء وبعد مباراة الكرة.

لو كان ماركس حيّا لقال إنّ “الكرة أفيون الشعوب”، ولو كان طه حسين حياّ لكتب عن ” المعذّبين في الملعب” من فقراء محرومين وصغار مغرّرين وعن طاقات مهدورة للحاكم والمحكوم للمواطن ورجل الأمن. يحدث هذا ويتعاظم ونخبنا الفكرية والثقافية صامتة متجاهلة.

أين هي الكتابات المعمّقة والتحاليل السوسيولوجية والنفسية؟ أين هو دور النخبة الفكرية والثقافية في رصد الظاهرة ومقاومتها وترشيدها؟ أين فاعلية النخبة وتأثيرها في مثل هذه المنعطفات الهامة؟ أين دور العقلاء والنبهاء ولماذا انحسر تأثيرهم أو غاب تماما؟
هل يقتصر هذا الدور على الحياة السياسة ومسرح السياسوية فقط أم وجب أن يتعدّاه لمختلف مظاهر “المعتاد” والمألوف في الحياة اليومية والسلوكات؟

تلعب اليوم “الكرة ” دورا سلبيا في غالب الأحيان، وتساهم في مزيد تهميش البسطاء وتبئيس الواقع الاجتماعي، وشعار المرحلة معروف؛ كثير من الكرة وقليل من الديمقراطية، لكن وجب التأكيد على سريان عقدة مستفحلة عند قطاع هام من المثقفين العرب تتمثل في تجنّب أحاديث الكرة في المواقف الرسمية ومحاولة إظهار اللامبالاة وعدم معرفة الأشياء بدقة، وهو أيضا موقف أغلب الإداريين والسياسيين والحال أنّ واقع الحياة اليومية وخفايا الأمور تدل على العكس. فالجميع وعلى رأسهم عناصر النخبة الثقافية يتابعون الرياضة وينغمسون في الانتماءات والتحاليل والتعاليق، لكن في فضاءات مخصوصة وكأنهم يمارسون ذنبا، والحال أنهم مطالبون بالتمعّن العقلي الجهري لا بالتذوق العاطفي السرّي.

ومع هذا أردت أن أنهي خطاطتي متفائلا بمقتطف من قصيدة معروف الرصافي التي حفظتها في السنة الخامسة من الصف الابتدائي عندما كنت طفلا بريئا معتقدا أنّ الرياضة تبرئ من الأسقام :
قصدوا الرياضة لاعبين وبينهم كرة تراض بلعبهـا الأجسـام
وقفوا لهـا متشمّريـن فألقــــيـت فتــعاورتهـا منـهــــم الأقــدام
تنحو الشمال بضربـةٍ فيردّهـا نجو الجنـوب ملاعـب لطّـام
وتمر واثبةً على وجه الثــرى مـراً كــــمـا تتـواثــــب الآرام
راضوا بها الأبدان بعد طلابهم علماً تراض بدرسـه الأفهـام
أبنـاء مدرسـة أولاء وكلّهـم يفـع مريـر المرفقيـن غـلام
لابد من هزل النفـوس فجدّهـا تعبٌ وبعض مزاحها استجمـام
فإذا شغلت العقل فالْهُ سويعـةً فاللهو للعقـل الطليـح جمـام
والفكـر منهكـة فباستمـراره تهن العقول وتهـزل الأجسـام
ورياضة الأبـدان ملعبـة بهـا حفظت نشاط جسومها الأقـوام
أن الجسوم إذا تكـون نشيطـةً تقوى بفضل نشاطهـا الأحـلام
هذي ملاعبهم فجسمك رض بها وأسلك مسالكهم عـداك الـذام

{{الهوامش:}}
1- Jean-Marie BROHM et Bernard YANEZ، “Les fonctions sociales du sport de compétition”، L’opium sportif، L’Harmattan، 1996.

2 -Pierre Milza، François Jéquier et Philippe Tétart (dir.)، Le pouvoir des anneaux. Les Jeux olympiques à la lumière de la politique 1896-2004، Paris، Vuibert، 2004.

3 – André Gounot، Denis Jallat et Benoît Caritey (dir.)، Les Politiques au stade. Etude comparée des manifestations sportives du XIXe au XXIe siècle، Rennes، Presses universitaires de Rennes، 2007.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق