حرب 67: حرب الطفولة

نصرخ فرحين..شقيقي وأنا..حين تقف الآنسة ميمي في نهاية زيارتها لنا- كل مرة- لأنها كانت تصحبنا معها بسيارتها الحمراء. في زمن كان قلة من الرجال يمتلكون السيارات، وكان جميع الأطفال مسحورين بركوبها، كانت ميمي وحدها.. امرأة تملك سيارة وتقودها بنفسها أيضا..! كان لدى زوج خالتي – الضابط السابق– سيارة “شيفروليه” زرقاء..كبيرة..وحين يعود إلى المنزل ويجدنا معا – أنا وابنه في مثل سني – سرعان ما يقع في فخ إصرارنا ولا يجد فكاكا سوى أن يقود سيارته بنا إلى لامكان..عبر شوارع متلألئة.. حيث نكون في منتهى السعادة ونحن وسط الجنة..التي اسمها: دمشق، وهو.. الرجل..النزيه والحازم، مذعن لرغباتنا إلى أن نكتفي..

وعلى العكس من سيارة الشيفروليه والتي كانت بحجم غرفة من المنزل..كانت سيارة ميمي الحمراء صغيرة ومنمنمة.. تشبه ميمي نفسها. هي التي كانت تقترح اصطحابنا..ولم يكن والدانا يعترضان.. لأن هذا بقدر ما يسبب لنا السعادة فإنه يسبب السعادة للآنسة ميمي ضيفة سكان الحارة، أو..على الأقل..الضيفة المدللة لدى أصدقاء السيد محيي الدين..ابن الحارة العريق.

ما إن ينفتح الباب..حتى نعبر إلى خارج المنزل، نهبط على السلم..من الطابق الثالت حتى مدخل العمارة..ونحن نكركر ونزقزق إلى أن نقف..قبالة السيارة ذات اللون الناري..وتلحق بنا ميمي بوجهها البرونزي وشعرها الأشقر وضحكتها الساطعة كنهار صيفي..تفتح باب سيارتها لنا..نصعد بسرعة و هناك نقفز من المقعد الأمامي إلى المقعد الخلفي وبالعكس..بينما تنظر ميمي إلينا تضحك لضحكنا.. وتبتهج لابتهاجنا..في النهاية أجلس على المقعد الأمامي قرب ميمي التي تقود السيارة..لماذا كان وجه ميمي برونزيا ؟ كل نساء دمشق لهن وجوه بيضاء من دون سوء..يقولون: بسبب ماء دمشق..أكثر مياه العالم عذوبة..ويقولون بسبب هوائها العليل..رجما بالغيب..! ويقولون بسبب غوطة دمشق..وقد يكون السبب ذلك كله ..فهذه هي معجزات دمشق: ماؤها وهواؤها وغوطتها وجامعها الكبير..ولا يمكن القول أن ميمي معجزة دمشقية، فقد كانت صغيرة الحجم ، تفيض أنوثة، ومنطلقة، لكنها لم تكن دمشقية، بل لبنانية..تعيش في دمشق، وقد التقى بها السيد محيي الدين واغرم بها وعرض عليها الزواج فورا..بينما طلبت “ميمي” مهلة للتفكير..وكان شرطها..عدم تحديد المهلة.. أما السيد محيي الدين فقد كانت النصيحة الذهبية التي حصل عليها من أصدقائه..عدم الإلحاح..يكفي أنها موجودة، وأنه يراها..ويكفي أنها سعيدة بزياراتها لأصدقائه، واصطحاب أطفالهم معها إلى بيتها..أليست ميمي مغرمة بالأطفال ؟! فلماذا لا تتزوج وسوف يكون لها أطفال قدر ما تشاء ؟..

تنطلق السيارة بنا وسط الحارة، من اليمين صف من العمارات الحديثة –الإسمنتية- تبدأ بالعمارة التي يقع بيتنا في طابقها الثالث والأخير منها وتنتهي بالعمارة حيث بيت جدتي لأمي في الطابق الأول، ومن الشمال صف من البيوت الطينية الصفراء المعجونة بالقش اللامع تحت شمس النهار الحارقة، تنتهي بصورة متناقضة ببيت مكعب، من طابقين، مبني من الأحجار والخشب مقابل بيت جدتي ويدعى “بيت الراعي”. تلتف الطريق حول بيت جدتي نزولا نصف دائرة، فتبلغ الحارة التي تقع خلف العمارات والتي يجري بمحاذاتها نهر صغير، هو أحد فروع “بردى” مثل “تورا” و”يزيد” وسواه..وهناك نلعب بعد الظهيرة كل يوم، حين لا تكون “ميمي” عندنا.. أما إذا واصلت السير أماما – وهو الاتجاه الذي تأخذه ميمي – فإنك تعبر طريقا فوق النهر بمحاذاة أسوار طينية تحجب خلفها بساتين الصبار، وأسوار توازي انعطافات النهر وأخرى تحجب مالا ندري بسبب قصر قاماتنا وعجزنا عن النظر من فوقها، بعدها تقودنا “ميمي” عبر طرقات أخرى وسط أفياء وأنوار..ساحرة ومسحورة..أعجز بعدها عن تحديد الأمكنة وأفقد حس الاتجاه مهما كان عدد المرات التي سلكت فيها الطريق نفسها.. التي ترتفع ببطء إلى أن نبلغ منزل ميمي في مكان ما من دمشق..مكان عال..نجلس في الصالة بينما ميمي تضحك لنا أيا كان ما نفعله أو نقوله..نقفز هنا وهناك وعلى الأرائك في بيت ميمي الذي كأن كل جدرانه من زجاج لأنه كان ممتلئا بضوء الشمس، شمس دمشق الاستثنائية.. بحيث كان ممنوعا على الأطفال الخروج إلى الحارة في الصيف عند الظهيرة، حيث تقف الشمس في وسط السماء..وتحرق كل من يتحرك.. كان الكبار ينامون، وتعم السكينة، ليس البيوت وحسب بل مداخل العمارات..والحارات..ثم الشوارع، والمدينة كلها..كما لو كان الوقت منتصف الليل، بينما الأطفال الذين يعجزون عن النوم، يتعذبون بصمت، محشورين داخل البيوت، وخلف الأبواب يتهامسون ويبتدعون ألعابا خالية من الضجيج والصراخ، وحتى إذا تجرأوا على الخروج خلسة فلن يجدوا أحدا في الخارج، فيعدون الدقائق إلى أن تميل الشمس عصرا ويستيقظ الرجال والنساء، ويطلقون سراح الأولاد وتهب نسائم دمشق الرقيقة وتنبعث المدينة كلها من جديد..نلاقي بعضنا بعضا ونركض مع النهر ونحن نصرخ، ندخل بيوت رفاقنا.. الذين يسكنون في بيوت قديمة حين تنفتح أبوابها يصادفك نهر – فرع من النهر- داخل البيوت..عليك أن تحاذيه، وأحيانا أن تعبره، قبل أن تصل إلى باحة البيت..تم إلى الغرف..وعند الغروب ينعكس الضوء الوردي على النوافذ وعلى إسفلت الطرقات قبل أن يهبط الظلام تماما.. لكن بيت ميمي كان مضاءا بنور لم أعهده في بيتنا.. ولا غرابة أنني لم أستطع في ذلك الوقت – ولا اليوم حتى- أن أحدد المكان الذي يقع فيه، فمنزل الآنسة ميمي لا يمكن تحديده عبر جغرافيا المدينة بل..عبر جغرافيا الحلم الذي كان ذكرى..تغيب ميمي عنا لدقائق تعود بعدها حاملة طبقا عليه أكواب بللورية مليئة بشراب حلو..لذة للشاربين..ماذا كان ؟! ميمي تفعل أي شيء لإسعادنا، تقدم لنا الشراب على طبق كما لو كنا كبارا.. نجلس على الأرائك متقابلين ونشرب العصير وميمي تنظر إلينا بعينيها الراقصتين، وتسألني: هل أنت سعيد ؟ أنا سعيد يا ميمي سعيد..حتى عبر سنوات الشقاء التالية .. ولكن، هل كانت ميمي سعيدة..؟ إنها تفكر..وتفكر، والسيد محيي الدينينتظر..وينتظر..
الرجل البدين..الأنيق واللبق، وجهه مستدير، حليق الذقن، له شارب قصير وثابت، لا يطول ولا يقصر، مثل الابتسامة الأبدية على شفتيه وهو يلقي التحيات، أو حين يتلقاها، أثناء عبوره الحارة إلى محله وسط دمشق… فقط لو أن الآنسة ميمي تمنح السيد محيي الدين نصف الحنان الذي تمنحه لنا نحن الأطفال..لكن..كل ما يحصل عليه هو النصيحة نفسها: اصبر..ولا تلح.. إنها تذهب وتعود إلى الحارة وهي بصحبة الأطفال..هذه إشارات إيجابية… أصبر يا ( محي الدين )..
* * *
كان عالما مليئا بالمسرات..لكن مسرتنا التي لا تنتهي، كانت استكشاف محيط الحارة..بعد “بيت الراعي” تصبح الحارة من خلفنا، ولا يتبقى سوى بيوت غامضة متفرقة لها حدائق وأسوار، بعدها تضيق الطريق بجانب سهل ترابي مليء بالحصى، ثم تنعطف فتختفي الحارة من ورائنا، ولا تظهر الربوة من أمامنا بعد، فتسري قشعريرة لذيذة في جسدي، يرتفع من جهة حبل صغير، بعد السهل، ومن الجهة الأخرى سور طيني، تحته وادي الربوة..ومن خلال انهدامات وفتحات السور، نرى أحياء بعيدة من دمشق..لا يمكن الوصول إليها – من وجهة نظرنا الطفولية – لكن، يمكن رؤيتها فقط، كالأحلام..يمتد بيننا وبينها صوت الصمت وخرير المياه في الأسفل ونشوة تعبق بالمكان كله… ثم تنحدر الطريق بعد انعطافها، انحدارا شديدا، نحو جسر خشبي فوق نهر نعبره نحو المقاهي ونسير على طريق ترابية ضيقة نزولا وسط الربوة وحتى طريق بيروت المحاذي لسكة القطار التي تحاذي نهرا آخر.. بين جبلنا الصغير، وجبل قاسيون… في هذه المنطقة يقال أن القطار انقلب بـآخر الأتراك الذين حملوا كل ما يملكونه وهم يغادرون دمشق، بعد ثورة الشريف (حسين)..وحتى فترة قريبة كان هناك من يبحث عند ضفة النهر، على طول السكة عن الذهب الذي كان الأتراك يحملونه معهم..

كانت هناك مسرات أخرى.. بداية انتشار المجلات المصورة. شقيقي الأكبر كان مولعا بصور الطائرات، ينتزع بالمقص كل ماتطاله يده من صور: طائرات فرنسية وبريطانية وروسية..ويقوم بإلصاقها على أبواب الخزائن في البيت… لكن أمي كافحت هوايته بشدة، مما اضطره إلى حصر نشاطه العسكري على باب خزانته الخاصة، حيث تجد معركة جوية كاملة: طائرات تنقض، تقابلها طائرات صفراء معترضة وتحتها طائرات مناورة باللون الأزرق.. أما شقيقي الثاني الذي يليه في العمر، فقد كان مولعا بالمجلات المصورة للفتيان: “بساط الريح” و”سوبرمان”، ولم نكن نحن الصغار نستطيع القراءة بعد ولكن كنا مسحورين بالرسوم الملونة والمتقنة، وبعد فترة وجيزة أخذت أنسخ تلك الرسوم، وتعلمت الرسم قبل أن أتعلم الكتابة، لكن، ولعنا الأساسي- نحن الشقيقان الصغيران- كان ما يعرضه التلفزيون الذي كان حدثا جديدا: أفلام الكارتون “باباي” وصور الفدائيين الفلسطينيين والمغاوير السوريين..وكانوا في بداياتهم.. كانوا “سو برمانات” حقيقيين بالنسبة لنا.. في أحد الإعلانات التلفزيونية نرى مغوارا يأكل أفعى..كانت بدايات كل شيء..بداية الزمن بالنسبة لنا أيضا..

كانت الأمهات قادرات على إطعام أطفالهن دون عناء أمام التلفزيون.. لكن، في أحد الأيام أحضرت أمي طعام الغداء وهي مرتبكة،..كانت شاشة التلفزيون تعرض أشياء غريبة..في وقت عرض “باباي”… وتجاهلت أمي الأمر وحاولت إشغالنا لكننا رفضنا وصرخنا معا –أنا وشقيقي- : ” ماما..باباي..أين باباي ؟” و لم تجد أمي مفرا سوى أن تخبرنا بالحقيقة مع أنه كان من المشكوك فيه أن نفهم، حين قالت:” نحن متخاصمون مع أميركا..ولن يعرض التلفزيون باباي بعد اليوم لأنه أميركي..وعليكم أن تأكلوا..!” والمدهش أننا نظرنا إلى بعضنا البعض- أنا وشقيقي- وتناولنا طعامنا كما لو أننا فهمنا..وفوق ذلك مضت أيام لم تزرنا ميمي.. والأنباء الطيبة أن الآنسة ميمي اقتربت كثيرا من القبول بالسيد محيي الدين… لابد أن سعادته الآن لا توصف..

* * *

ذات يوم، أفقت من النوم عند الظهيرة بينما كان شقيقي الأكبر يحملني عن السرير بيد، ويحمل حذائي بيده الأخرى، وسمعت صوت أمي من مكان ما في المنزل يقول: “..انزل به إلى القبو..فورا” وعلى سلم العمارة، كان شقيقي يحاول إدخال قدمي في الحذاء .. ومن غير أن يتوقف عن الجري بي، فبكيت، كما يبكي طفل يحاول أشقاؤه الكبار إشراكه في لعبة خشنة لا يريدها، لكن شقيقي نهرني بشدة..لم تكن لعبة.. وحينها بدأت أسمع أصوات مهولة لم تعن لي شيئا لأنني لم أسمع مثلها من قبل: أصوات انفجارات وهدير و.. أدركت العلاقة بين عصبية أخي وهذه الأصوات المجنونة..وبلغتا القبو..وهو الطابق تحت الأرض مكون من شقتين متقابلتين مثل الطوابق العليا، لكنه الأكثر أمانا وهو الآن ملجأ مؤقتا لكل سكان العمارة..أبواب الشقتين مفتوحة على الغارب..للداخلين والخارجين..دخلنا إحداهما..وهي التي وجدنا شقيقي الثاني قد سبقنا إليها مع ابن جيراننا في مثل سنه..كانا جالسين على الأرض وقد وضع كل منهما إلى جانبه رزمة كاملة من مجلات “سوبرمان” و”بساط الريح” التي هربا بها من الطابق الثالث إلى هنا… والآن وقد وصلا بأمان وأنقذا مجلاتهما..جلسا على الأرض بين الأقدام وسط الهرج والمرج وأخذا يتصفحانها مجلة مجلة..ولم يرفع أي منهما رأسه كي يرى ما يحدث حوله أو ماهي أخبار الحرب في الخارج..وقد أصبح تصرفهما موضع تندر الجميع بعد الحرب، لكن.. حينها لم ينتبه أحد إليهما، كانت طريقتهما للتعبير عن الخوف.. تركني شقيقي الأكبر في القبو حيث لحقت بنا أمي مع شقيقي وشقيقاتي الثلاث، وصعد السلم نحو مدخل العمارة الذي كان مسدودا بأجساد كبيرة: أبي وبقية رجال العمارة..الذين كانوا بوقفتهم يشيرون إلى مواقع يتصاعد منها الدخان وأخرى تنقض عليها الطائرات..من جهة، ويحجزون الصغار ورائهم من جهة ثانية، وكان شقيقي الأكبر مغتاظا فهو لن يفوت حربا جلبت طائرات حقيقية إلى مقربة منه، ولا يستطيع الخروج إلى الحارة لمراقبتها بنفسه، لأن أبي كان شديد الحذر من ميوله واهتماماته وكان يتعمد احتجازه وراء ظهره..

أمسكتني أمي بيد وشقيقي باليد الأخرى، وأخذت تركض بنا من مدخل العمارة إلى بيت جدتي للاطمئنان عليها وهناك كان أحد أخوالي، بينما كان خالي الآخر يؤدي الخدمة العسكرية، ومن المفترض أنه على الجبهة، ومع وصول الطائرات الإسرائيلية إلى فوق رؤوسنا، اشتد القلق بالجميع، ونذرت إحدى خالاتي كبشا له قرن واحد إذا عاد خالي سالما من هذه الحرب..ذهابا وإيابا..المرة تلو المرة..بين مدخل العمارة وبيت جدتي..أنا وأمي وشقيقي..ركضنا عشرات المرات وسمعت أصوات الرصاص القريب… والإنفجارات..أنظر إلى وجه أمي فأراها مهمومة وقلقة لكنها ليست خائفة..فلا أخاف..ومرة رأيت طائرة إسرائيلية سوداء، على ارتفاع منخفض تعبر سماء الحارة ورأيت الطيار..نظر إلي..طوال لحظة بطيئة ورأيته يضحك ثم..اختفت الطائرة فوق عمارتنا بالضبط..

لا أتذكر أن زوج خالتي صاحب الشيفروليه- في هذه الأثناء- قد علق عل ما يجري، مع أنه الأجدر بذلك وهو الضابط من عهد الوحدة بين مصر وسوريا، كان غاضبا كالآخرين لكنه كان يراقب بصمت كأن ما يحدث قد سبق ورآه في أحلامه..! مع ذلك كان يفكر بأمر لم ندر نحن الصغار ماهو ؟.. أمر سيتم مع أذان المغرب… أخذتنا أمي إلى السيارة الشيفروليه، ركبنا جميعا باستثناء أبي وشقيقي الكبيرين، ثم جاءت خالتي- التي نذرت ذبح الكبش وحيد القرن- مع أولادها دون زوجها أيضا، ثم خالتي زوجة الضابط وأولادها وانطلقت السيارة الزرقاء محملة بثلاث عائلات تقريبا، واخترقنا دمشق تحت أذان المغرب، كان الوقت رماديا كأن الغبار غطى كل شيء لم تكن الشوارع مقفرة، بل عل العكس.. رأيت رجالا يجلسون على الأرصفة، وعلى عتبات المحلات المغلقة، كان معظمهم ملثمين بكوفيات رغم حرارة الجو في حزيران..بعضهم كان يلصق على أذنه جهاز ترانزيستور… هذه المشاهد هي محتوى التعابير التي سوف أسمعها في السنوات التالية: “هزيمة الـ67” و”نكسة حزيران”…ثم غادرنا دمشق ، المدينة التي تجري من تحت حاراتها وبيوتها الأنهار..وعلى الطريق كانت اسطوانات معدنية تحترق..خزانات وقود ضخمة. وبدأت تظهر على الطريق سيارات تحمل النساء والأطفال وهي تنأى عن دمشق..

ثم أخذت سيارتنا تسافر بنا وسط الظلمة، إلى أن وصلنا في الليل إلى بلدة تبعد ثلاث ساعات عن دمشق، ظننت أننا هاربين ، إلى أي مكان بعيد عن الحرب، لكنني اكتشفت أننا نعود إلى البلدة التي تنتمي إليها عائلاتنا الثلاث..كل وله أعمام وعمات هنا، أوصلنا زوج خالتي إلى بيت عمي، عندما نزل لكي يساعدنا على إنزال حقائبنا، كادت السيارة تتعرض لأضرار لم تصبها أثناء الغارات في دمشق..لأن ابن خالتي الذي في مثل عمري، اغتنم فرصة نزول والده فلعب بدواسات السيارة والمقود، كرت السيارة إلى الوراء فصرخت الخالتان مذعورتين من داخل السيارة، كما صرخنا نحن من خارجها، وأسرع زوج خالتي محاولا تفادي وقوع حادث، وتعالت صيحات لم أسمعها أثناء الغارات الإسرائيلية في النهار، والآن نحن في مكان غير مألوف لنا، وسط العتمة وأبناء عمي الذين مازالوا غرباء عنا، واقفين على باب بيتهم، لكن السيارة ارتطمت بجدار وتوقفت..وما أخاف الجميع وقتها كان الشيء الوحيد الذي أسعدني في ذلك اليوم الحزيراني الكئيب..بل شعرت بالفخر، لأن ابن خالتي، رفيقي وشريك ذكرياتي الدمشقية استطاع وحده تحريك السيارة الكبيرة المليئة بالخالات والأولاد والحقائب، رغم كل شيء… وأيا كان الظرف.

هكذا..كانت حرب الـ”الأيام الستة” التي شنتها إسرائيل، حربا شخصية جدا وكانت غولدا مائير وموشي دايان غريمان لنا، اخترقت طائراتهما السوداء ملعب طفولتنا… وكانت ساعة الصفر: وقت قيلولتنا في يوم حز يراني..ولم تتوقف الغارات إلا بخروجنا قافلة من ثلاث عائلات في سيارة واحدة..عند المغيب. وفي الأثناء سقطت فلسطين، وأجزاء من مصر وسوريا تحت الاحتلال الإسرائيلي..عاد خالي من الحرب سالما..محملا بالغبار والصمت..وأصدر بعد عشر سنوات..ديوان شعر أسمه “مونادا دمشق”…وإذا لم يكن العنوان نداء لدمشق- كما كنا نقرأه- فما معنى “مونادا”؟ كان يشرح دوما:”..ليس منادى..بل مونادا..أي جوهر..”.. ووفت خالتي النذر بذبح كبش بعد عشر سنوات أخرى.

منذ خروجنا من دمشق عدت إليها كل عام، توزعت أعوامي التالية بين دمشق في الصيف والبلدة التي التجأنا إليها بشكل دائم في الشتاء. عندما عدت أول مرة إلى الحارة وجدت آثار الحرب: لاجئون فلسطينيون بنوا بيوتا من الصفيح على جدار “بيت الراعي”..بؤس لم تستطع عقولنا أن تفهمه. لكنني عدت إلى الركض مع النهر، والذهاب إلى المنعطف على طريق الربوة بين الجبل الصغير والسور الطيني واستعادة الرعشة لرؤية أحياء دمشق البعيدة عبر الصمت وسقسقة المياه.. ومن فوق الجبل الصغير استعدت رؤية المشهد نفسه من الأعلى: طريق بيروت..والسكة..والنهر..
الآنسة ميمي بعد أن اقتربت كثيرا من السيد محيي الدين، لم يرها أحد، ولم تودع أحدا، ولم تقل لأحد شيئا، لقد اختفت- هكذا ببساطة- هي وسيارتها الحمراء..حاولت لكنها لم تستطع إقناع نفسها بالزواج.. ظل السيد محيي الدين يعبر الحارة في طريقه إلى محله وسط دمشق لكن أصدقاءه لاحظوا أن المحل يظل مغلقا.! وأكد آخرون أنهم رأوه يبكي دون أن تفارق الابتسامة وجهه، بعد ذلك اختفى محي الدين.

دخلت المدرسة في بلدة أبي وأمي..بلدة أعمامي وأخوالي..لكنها ليست بلدتي..حيث الشمس باهتة، والأفياء دون عبق..والمغيب يأتي فجأة بسبب انحدار الشمس خلف الجبل القريب..واللهجة التي تحتوي حروفا لا يستطيع طفل غريب أن ينطقها. في طريق عودتنا ظهرا من المدرسة كنا نمر بالشارع الرئيسي للبلدة.. ثمة عجوز أعمى يجلس على عتبة دكان..كان الرجال يضربونه من الخلف بهدف التسلية ثم يبتعدون فيطوح العجوز المسكين بعصاه..يضحك الرجال ويعيدون الكرة فيصرخ العجوز ويتألم..بينما يضحك الآخرون، كان يسليهم كثيرا أن العجوز غير قادر على معرفة من الذي سيوجه الضربة التالية. هذا الأمر كان يشجع الصغار أحيانا على تعذيب الأعمى… بؤس آخر لم أفهمه. الشيء الوحيد الذي أحببته في هذه البلدة الغريبة هو مطرها الغزير..لأنه يشبه البكاء.. أخذت تجذبني صور وأسماء لم أعرف – في البداية- ما الذي يربط بينها، لكن كنت مشدودا إليها بقوة الغريزة: صور “قصر الحير” الغربي والشرقي في البادية..مئذنة “الجيرالدا” في اشبيلية..جنة العريف..قصور الحمراء.. مملكة غرناطة..ونهرها..ثم عرقت وأنا أكبر، أنها كلها تعود إلى جذر واحد: دمشق.. التي يستطيع أبناؤها أن يعرفوا الطريق إليها على مسافة ساعة، حتى وهم معصوبي العيون، بسبب الرائحة الزكية التي لا تشبه أية رائحة..! شرط أن يكونوا قد ولدوا فيها.. مثل سماء (القدس)..التي لا يعرف زرقتها سوى الفلسطينيين الذين نزحوا عنها في الـ67…

وأخذت أرسم..وأرسم ..موضوعا واحدا متكررا..في القسم العلوي من اللوحة طائرات سوداء يقودها طيارون وجوههم بادية من القبة الزجاجية.. تواجهها طائرات عربية بيضاء أو ملونة..وعلى أرض اللوحة مواجهة بين فدائيين ملثمين يطلقون نار رشاشاتهم على جنود إسرائيليين يتمايلون على أهبة السقوط قتلى.. أدهشني كيف ساعدني الإسرائيليون على الفرز بين الخير والشر.. بين الأسود والأبيض..حين جعلوا طائراتهم سوداء، وقائدهم يضع عصبة على عينه كالقرصان..!مما جعل الأمر سهلا علي..رغم أن شقيقي الأكبر قال لي:” لون الطائرات الإسرائيلية-في الحقيقة- بني غامق..وليس أسود”..

لم يمت أي فدائي في رسوماتي حتى بلغت المرحلة الثانوية.. حين وقعت حرب بيروت في يونيو عام 1982 وكانت نتيجتها مختلفة عن معارك الرسوم بسبب سقوط الكثير شهداء… لكن جزءا من نبوءة اللوحات قد تحقق بوقوع معركة ملحمية بين الطرفين : الضحايا والجلادين..بالإضافة إلى ذلك، لم يكن فدائيو بيروت أقل شجاعة من فدائيي الرسوم..

أحببت كل طفولة مقطوعة عن أصلها، طفولة تعيش على أرض وتحن إلى أرض أخرى..طفولة الأندلسيين والفلسطينيين وطفولتي..وقلوبنا التي أصبحت بوصلات، تؤشر إلى مكان واحد: غرناطة..أو القدس..أو دمشق..

تماهيت مع أبي عبد الله الصغير، الذي أخرجته الملكة إيزابيلا والملك فرديناند من مملكة غرناطة السعيدة إلى بلدة ريفية. وأطلق الإسبان عليه- ساخرين- لقب شيكو ريو أي: الملك الطفل… فهل كان محض خيال طفولي رؤية الطيار الإسرائيلي يضحك مني وهو يغير على دمشق؟..أم كان يسخر من المصير الذي ستلاقيه طفولتي عما قليل؟..وهل كانت الملكة تهتف بالجموع صارخة: ” لا يوجد شعب أندلسي؟” وهل كان الملك يضع على عينه عصبة كالقراصنة ويرى بعين واحدة أن لا مكان بين نهر “الوادي الكبير” والبحر..سوى لدولة إسبانية واحدة ؟..في النهاية رحل أبو عبد الله الصغير حتى عن البلدة التي أخرج إليها..لأنها لم تعوضه عن غرناطة… لاشيء يعوض عن المكان الذي نولد فيه..أطلق زفرة على ضفة الوادي الكبير…ورحل إلى المغرب…

كان رحيل من تبقى من الفدائيين عن بيروت ذروة الحلم..وذروة انكساره في الوقت نفسه..أدرت أكرة الراديو عن الأخبار إلى أبعد نقطة على المؤشر، حيث توقفت الأكرة تقريبا ..والتقطت إذاعة غريبة تبث موسيقى وأغنيات لم أسمعها من قبل، ورغم أنها باللغة الإنكليزية إلا أنها كانت تذكرني بحياتي السابقة، خضعت لسحرها..وأدمنت عليها، وهي الفن الوحيد الذي تعاطيت معه بإحساس ديني:
(summer time ) و ( there was a boy…) و(world (what a wonderful إلى أن حللت اللغز حين اكتشفت أنه نمط غنائي شهير..هو “البلوز” وهو غناء زنوج أميركا وحنينهم بعد أربعمائة عام على فقدانهم أفريقيا..

عندما عدت في أحد الأعوام، في العطلة الصيفية إلى الحارة الدمشقية، حكى لي رفاقي عما كانوا شهودا عليه: لقد احترق “بيت الراعي” ولا ضحايا- والحمد لله – ورووا لي كيف جاءت ثلاث عشرة سيارة إطفاء من دمشق عجزت كلها عن إنقاذ المنزل.ولم استغرب.قلت لنفسي: “إن الزمن يرحل ويريد أن يأخذ أشياءه معه”، لقد رحلت ميمي ثم محيي الدين ورحلنا نحن والآن يرحل “بيت الراعي”. حتى سكان بيوت الصفيح من الفلسطينيين، رحلوا وأصبح أبناؤهم يعملون في الخليج، لكنني أعترف أن القدر كان في الحقيقة رحيما. فقد بقيت الحارة زمنا طويلا كما كانت، وكل عام كنت أستعيد الأحاسيس ذاتها في نفس الأمكنة. وبعد زواج شقيقي الأكبر ورثت أنا خزانته الخاصة ولم تسقط آخر طائراته الملونة عن باب الخزانة إلا منذ وقت قريب. ومازال الشتاء غزير المطر في البلدة الريفية.. منفاي الأبدي عن دمشق، المونادا..حقا!.

آخر تفسير- هو في الوقت نفسه هبة – أن محمدا النبي جاء مع قافلة من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، قبل الوحي، ووقف على مشارف دمشق وقال:” لا يدخل الإنسان جنة الله إلا مرة واحدة ولأنني أريد أن أدخل جنته التي في السماء فلن أدخل جنته على الأرض”…ورجع عنها..

و يوجد حي سمي بـ”القدم” تبركا بقدم النبي في نفس الموطيء الذي وقف فيه النبي خارج المدينة لكنه اليوم جزء من دمشق.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق