حركة الحداثة وتأثيرها على الشعر باللغة الدارجة

هنالك من يقول إنّ العامّية بنت الفصحى ولا يتعصّبون لواحدة منهما على أخرى، وهنالك من يرفض كلّ ما يكتب باللغة الدارجة ويرفضون تسميته أدبا أصلا، والبعض يقول – تقليلا من شأنه – (زجل شعبي) أو (غناء شعبي)، وإذا كان قليل التعصّب قال هو شعر شعبيّ.

لقد أتيح لي أن أطلع على أكثر التجارب الشعرية الهامّة، على مساحة معظم البلاد العربية، وبحكم معاشرتي وعلاقاتي مع أهل تلك اللغات (العربية) الدارجة، صار بإمكاني القول إنني أفهم تقريبا الشعر باللغة العامية من أيّ شاعر من شعراء الوطن العربي.. وأريد بداية أن أوضّح أمرا هامّا:

هنالك فرق بين الشعر (باللغة الدارجة) كما سمّي في مجلة شعر، ويمكن أن أضع التسميات لهذا الشعر كما تعارف أهله عليه أقصد الشعر العامي الحديث:

ففي مصر يسمّى الشعر العامّي وفي سوريا ولبنان الشعر باللغة المحكيّة، وفي بلاد الجزيرة العربية الشعر النبطي، وفي ليبيا وتونس والجزائر يسمّى الشعر الملحون، أما في المغرب فقليل من يسميه الملحون والمعروف في تسميته هو الزجل ( وكلمة الزجل موجودة في كل الشعر الشعبي في البلاد العربية ). وأقول عن معرفة حقيقية بالتيّار الشعري الحديث، المكتوب باللغة الدارجة في بلاد المملكة المغربية، إنه رغم بقاء اسمه “زجل”، فإنّ التجربة الشعرية الحديثة في المغرب في رأيي من أهمّ التجارب الشعرية العربية وربما تتفوق على تجربتي جارتيها الجزائر وتونس، وهذا ليس عائدا للإعلام ولكن لعدم تشكل نخبة من شعراء موهوبين اتخذوا خطا لهم في لغتهم الدارجة واشتغلوا على تطوير القصيدة وعصرنة لغتها ونزع الموحش المحلي منها كما فعل بعض شعراء ليبيا وبعض شعراء المغرب، وكذلك بعض شعراء دول الخليج وباقي الشعراء في أقطار العرب .

(( إلا أنني أخيرا تعرّفت على تجارب شبابية تونسية جعلتني أعيد النظر بحكمي، لكنني ما زلت أعتقد أن الأمر مجرد محاولات فردية لم تمتدّ كتيّار كما هي في مصر أو المغرب، وأقصد تيار الشعر باللغة الدارجة أي القصيدة الحديثة من حيث الشكل والمضمون )).

فأكثر ما عرف من التجارب العربية- من خلال الإعلام- الشعر العامي المصري وبعده الشعر العامي اللبناني (الذي يطغى بلهجته على كل بلاد الشام إلى حد أن يكتب شاعر فلسطيني فصحوي كبير وهو الشاعر عز الدين المناصرة شعرا عاميّا باللهجة اللبنانية وكذلك أكثر شعراء سوريا هذا عن الشعر باللغة المحكية، أما الزجل ومذاهبه، فالشعر باللهجة اللبنانية تقريبا مسيطر على بلاد الشام إلا قليلا لا يذكر). أما الشعر النبطي فهو ليس كما يظنّ البعض شعر دول الخليج فحسب، بل هو شعر كلّ قبائل البدو التي تسكن بلاد الشام وسيناء والعراق أيضا، وحتى بعض الحضر رغم لهجتهم المتخلصة جدا من لهجة البداوة نجد أن ما يكتبه شعراؤهم يأخذ نمط القصيدة النبطية بلهجتها، كبعض شعراء جنوب سوريا من الدروز .

بعد هذه المقدّمة أريد أن أضع مصالحة تكون في صالح الشعر الخالص، وأقصي نفسي والشعر فيها عن التعصب الذي نراه بين شعراء الفصحى وشعراء العامية الذي يعلو صوته أحيانا، فيتمترس كلٌّ خلف آرائه ويهاجم الطرف الآخر معيبا عليه أو منتقصا منه، وتكون المعركة دائما في صالح شعر الفصحى لأسباب عديدة أهمها السلطات السياسية والإعلامية التي تتبعها، ومن ثمّ ظهور التيارات الدينية واعتمادها اللغة الفصحى ووضعها بمصافّ العقيدة، كما نهج كثير من السلف في العصور الإسلامية السابقة.

تظل اللغة العربية من الناحية السياثقافية والدينية لغة منتصرة تحت شعارات، أهمها الدين والقومية العربية.. وبعد أن انتصر تيّار الحداثة الشعرية في القرن العشرين، تأثّر شعراء العامية المتميّزون بمواهب شعرية فذّة في كل أقطار الوطن العربي، وابتدعوا للقصيدة العامية طرقا تعتمد التفعيلة، وأبدعوا في مجالها مخلّصين القصيدة من أساليب الشعر القديمة وأغراضها. منهم من اشتغل على اللغة وفيهم من اشتغل على الموضوع، وكانت جنبا إلى جنب مع القصيدة الحديثة بأن رافقت التيارات السياسية وأخذت بالقضايا الوطنية التحررية وقضية فلسطين القضية العربية المركزية.

وهذا المنحى لم يكن يروق لكثير من رواد الحداثة الشعرية وأهملوه، كما أهملوا كثيرا من شعر الفصحى الذي سار على نفس الطريق متخذا الشكل الحديث للقصيدة الفصيحة.

ولو عدنا لحركة النقد واهتمامها بالشعر الحديث لما وجدنا إلا النادر جدا، ولم أقرأ لناقد مهمّ كتب عن الشعر العامي أو خصص له حيّزا في كتاب، سوى الكاتب الناقد غالي شكري في كتابه شعرنا الحديث إلى أين، حيث تناول الشعر العامي وخصّ شاعرين بكلمات أكثر … هما الشاعران اللبنانيان ميشال طراد والشاعر عبد الله غانم، وبعدها انصرف عن الشعر العامي، ولكنه فتح بابا للاهتمام بالشعر العامي الحديث. وما أظن أنّ هناك من تابعه، وما كتب من دراسات ومن كتب في الشعر العامّي برأيي الشخصي، أخذ طابع الجمع والمدح وعلى نطاق ضيق ولا يرقى إلى مستوى النقد الحقيقي للشعر.

{{***}}

القصيدة القديمة والقصيدة الحديثة في الشعر العامي :

بعجالة يمكن القول إن القصيدة الشعبية القديمة ظلت قاسية على نفسها في الوزن والقافية إلى حدّ أنّ الشاعر لا يمكن أن يبرز باختيار قافية لصدر البيت وقافية لعجزه.. وظلت القصيدة الشعبية تحمل أغراض القصيدة العمودية القديمة فقصيدة رثاء وقصيدة غزل وقصيدة للمديح وأخرى للهجاء إلى آخره..

ولمتابع الشعر النبطي ظلت القصيدة متأثرة بأمها القصيدة القديمة مبتدئة بوصف الناقة أو الفرس معرجة على الغزل لتصل إلى المدح أو إعلاء شأن القبيلة وهجاء قبيلة أخرى .

أما الشعر الشعبي الحضري، فكانت القصيدة في عمومياتها قصيدة الهموم اليومية للناس والشكوى من الأوضاع الاجتماعية، وقصائد الحبّ والغزل والشكوى من الفراق.. وما تجدد منها لم يتجدد في مفهوم الشعر بل كان التجدد تبعا لمتغيرات الحياة وتطورها، فتبدلت الأدوات بتبدل مسمياتها فظن من يصف القطار أنه جدّد في الشعر، وكذلك من ركب السيارة بدل الحمار وكتب عن هذه الوسيلة السريعة التي تسابق الريح، وكذلك من كتبوا عن تغيّر عادات الأكل واللباس وغيره، حتى صار الناس يقولون هذه قصائد حديثة، وانقسم الناس؛ فمنهم من ظلّ يعتبر القصيدة القديمة بجزالة اللفظ وقوّة المعنى واستخدام الكلمات القاموسية التي لا تفهم، وآخرون تقبلوا القصيدة الحديثة المواكبة لحياتهم اليومية، وبهذا ظلّ الشعر في حالته الوظيفية الاجتماعية، وظل قربه من الناس بقدر ما يسلي وخاصة الشعر الذي يمكن غناؤه بشكل جماعي.

عند تيار كبير من الشعراء، يجب أن تكون القصيدة باللغة الدارجة الحديثة ملاصقة لهموم الشعب وحياته ومشاكله الاجتماعية والسياسية، والقصيدة التي لا تحكي هموم الوطن والناس لا حاجة إليها..

وإذا اعتبرنا أن هنالك قضايا إنسانية شغلت الشعر منذ عرفه الإنسان، كقضايا الحبّ والفقد والفقر والموت وغيرها، كانت تلازم الشعر منذ بدائية اللغات حتى تطورها وتشعبها إلى فصحى وعامية، إلا أن الشعر الحديث الذي تأثر به العرب من الغرب خلق ثورة في الأسلوب وثورة في الجملة الشعرية وثورة في اللغة ذاتها، وتغرّب واغترب عن متلقيه فضلا عن محيطه واقتصر في بداية ثورته على نخبة وسلك مسلك الغموض، مما زاد في غربته حتى عن كثير من النخبة، ولكنه حفر له مجرى في وجدان الجيلين الثاني والثالث، وبانتشار التعليم عمّ الشعر الحديث وازداد تمرّد الشعراء، وصولا إلى قصيدة النثر وساعد في ذلك حالة التفكك وإمساك شعراء متمكّنين من قصيدة النثر إدارة الأقسام الثقافية في الصحف وظلّ الصراع قائما وسيستمرّ.

القصيدة العامية الحديثة بسبب عدم اهتمام السلطات والإعلام بها، ظلّت بعيدة عن الصراع الدائر وبالتالي لم تشكل مشكلة لدى شعراء الفصحى، وحالف الحظ قليلا من شعراء العامية إعلاميا فنالوا من الشهرة ما ناله بعض شعراء الفصحى..

وظل تيار القصيدة الحديثة في اللغات الدارجة يمشي على استحياء رغم الإبداع العظيم الذي كتبه بعض شعراء العامية في الوطن العربي، ومما يزيد العقدة العربية أن شعراء الفصحى دائما ينظرون لأنفسهم بأنهم الشعراء الأحقّ بالصفة، وسلاحهم أنهم يكتبون بلغة القومية العربية لغة الدين ولغة السياسة ولغة الطبقة المتعلمة من الأمّة.. بينما شاعر العامية يعتبر نفسه شاعرا ومبدعا وأحيانا يكون مثقفا ويمتلك لغة أخرى أو عدة لغات غير العربية ويعرف عن الشعر أكثر من مئات بل آلاف يكتبون الفصحى ومع هذا يشعر بعقدة زملائه شعراء الفصحى وهم يفضلون أنفسهم عليه شعريا.

وإذا كان شعراء كبار يصرحون في المقابلات بأن الشعر العامّي شعر حقيقيّ ويحبّونه ويثنون عليه، فهم يفعلون ذلك وفي قلوبهم تربة كفر بشاعر العامية وبشعره وربما تربة الحقد أيضا.

الشعر العامي الحديث هو شعر حقيقيّ وابن الحياة على الأقل من جهة اللغة المحكية، وكثيرا ما سمعت من كبار الشعراء وغيرهم من أهل الكتابة تساؤلات فحواها:

هل يمكن للشعر أن يندثر وينتهي كلون أو كجنس أدبي بين الناس؟ وتأتي الإجابات أنّ الشعر يمكن أن ينتهي ويصبح في التاريخ، ولكنّ رأيي: لا يجيب على هذا السؤال بالإيجاب إلا شعراء الفصحى، لغربتهم من ناحية اللغة الشعرية والفكرية عن محيطهم وعن أقرب الناس إليهم ( وهذه أزمة ثقافية لا حل لها والأمة كلها بأزمات ثقافية والدين أحد أهم أسبابها لاعتبار اللغة كلام الله والله لا يبدّل كلماته )، وأنا أطمئن الإنسان أينما وجد، أن الشعر لا ينتهي وسيظل رفيقا لوجدان الإنسان وقلبه ومشاعره ولكن ليس كما يتوهّم من يصنّمون اللغة ويتعبّدونها، ولا كما يظن شعراء الفصحى الذين يعيشون بأزمة أو بأم الأزمات، وذلك أنهم دائما مقموعون بتاريخ لغوي نفسي وأنهم تحت سقف لا انفلات لهم منه ألا وهو سقف القرآن الذي يعتبر معجزة البيان والكلام في اللغة العربية الفصحى كونه كتاب الله وكلامه، ومهما حاولوا نبذه بالإلحاد أو بالإعراض عنه فهو فوق رؤوسهم مخيّم كالسماء، محيط بهم وبعقولهم وبوجودهم وبغيبهم متجذّر في أعماق النفوس، وبالتالي هم في قرارة أنفسهم يحملون عقدة لا شفاء منها مهما قاموا بثورات وبتفجيرات للغة وباللغة، فهو مهيمن على مواهبهم ولا يعرفون للخلاص سبيلا، ويمكن أن نحسب لهم تلك الإشراقات وتلك الإبداعات التي يجترحونها وهي تصبّ في بركة العصيان والمعارضات والتمرد، ولكن تمرّد الوحش في قفص محكم، وبالتالي يجدر بهم أن يُعاملوا بالاحترام المشبّع بالشفقة أكثر من الاحترام الذي يتصف به خالق مبدع لا قدير عليه.

شعر العامية الحديث ( طبعا لشعراء مواهبهم عظيمة وفذّة فقط ) هو الشعر المنفلت من الأقفاص ومن القيود ومن حركات التشكيل، ومن النحو، ومن كل عقد داخلية أو منصبّة من علٍ، والشعراء الكبار أقصد شعراء اللغات العامية الذين آمنوا بها لا يعيشون وفي نفوسهم عقدة النص المعجزة، إنهم يعيشون بلا سقف وبلا حدود وبلا قيود سوى قيود أن يبتدعوا إعجازا يليق بالإنسان كسيد للكون والطبيعة والحياة، فإن استطاعوا الإعجاز الشعري فقد بلغوا سقفا جديدا من الصعود اللامتناهي، وهذا سقفهم حدَّهم عنده الموت، ويأتي شعراء بمواهب عظيمة ويسجلون قفزات أعلى وهكذا كسلسلة من الصعود تشبه الإنسان بل هي الإنسان في كونه وكينونيته وكونيته أيضا، أقول هذا بنوع من التفاؤل وبإحساس شعري خالص، ولكني كقارئ للشعر الفصيح والعامي أكتب هذا بدافع من حلم متمرّد على رائيه، لأنني أعدّ شعراء العامية العظماء على أصابع يديّ كما أعدّ شعراء الفصحى على يد واحدة وأعني أنّ الشعراء شعراء القصائد لا يعدّون ولا يحصون بالفصحى وباللغة الدارجة، أما الشعراء شعراء الحياة الإنسانية المؤمنة بذاتها إيمان إبليس بربّه الذي خرج عليه فهم أمل الشعر الذي لا يزول.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق