حريــــة المــــرأة والفكــــر الأصولـــــي
الحبيــــب الجنحانـــــي

إنه من المعروف أن من أبرز القضايا السياسية والاجتماعية التي يختلف فيها موقف أنصار التيار الليبرالي التقدمي في الوطن العربي عن موقف الحركات الإسلامية قضية الديمقراطية باعتبارها مفهوما كونيا، ومكسبا ثمينا من مكاسب حداثة عصر الأنوار، وهو مكسب لا علاقة له لا من قريب، ولا من بعيد بمفهوم الشورى الذي يستنجد به أنصار السلفية قائلين: إن جذور الديمقراطية راسخة في الفكر السياسي الإسلامي.

أما القضية الثانية فهي حرية المرأة، والسعي إلى مساواتها بالرجل، والنظر إليها باعتبارها إنسانا قبل كل شيء، وضرورة تجاوز النظرة المتخلفة والمنتشرة في المجتمع العربي الإسلامي منذ قرون طويلة، حاصرة دور المرأة في الإنجاب والمتعة الجسدية، وتتجاهل نضالها بالأمس القريب جنبا إلى جنب مع الرجل من أجل التحرر الوطني، واليوم من أجل المساواة، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية، فهي تدفع ثمنا باهظا في سبيل إسهامها الرائد في الذود عن الحريات العامة، وتتعرض في كثير من الحالات إلى الإهانة في الشارع، وانتهاك حرمتها الجسدية لأنها ترفع رأسها وصوتها وتقول لا للنظم القمعية التي تئن تحت نيرها جل الأقطار العربية.

تمتد جذور هذا النضال في المرحلة الحديثة إلى عقود من الزمن، إلى نضال عائشة التيمورية، والأميرة نازلي فاضل، وهدى الشعراوي في مصر، وزينب فواز في بلاد الشام، ونبيهة بن ميلاد وراضية الحداد في تونس، وغيرهن من الرائدات في جميع الأقطار العربية، وكثير منهن لم يحتف بهن التاريخ الذكوري.

إنّ الإيمان بحرية المرأة، والنضال في سبيلها هي نقطة خلاف جوهرية بين التيارين الليبرالي التقدمي، والسلفي. يذهب أنصار التيار الأول إلى ضرورة التنازل، والاتفاق على حدود دنيا، وأرضية مشتركة تجمع بين التيارين خوضا لمعركة الحرية في الوطن العربي، وهي لا تقل شأنا عن معركة التحرر الوطني، ويستبشر الليبراليون خيرا بمواقف ما يعرف بالتيار الإسلامي المستنير حول قضايا الراهن العربي، وفي طليعتها قضية، حرية المرأة، وهي ليست قضية موضة، وإنما قضية إيمان بأنه لا مناص لكسب معركة الحريات العامة دون إسهام المرأة، ووقوفها إلى جنب الرجل، كما وقفت بالأمس في معركة الاستقلال والتحرر الوطني، ولكن سرعان ما يتبخر هذا الاستبشار، وينكشف اللب السلفي.

يصنف فهمي هويدي عادة ضمن الإسلاميين المستنيرين، وهو صحافي بارز عرف بمقالاته النقدية في “الأهرام”، وفي الصحف المصرية والعربيّة، وعرفته معتدلا، ومؤمنا بضرورة الاتفاق على أرضية مشتركة بين شتى التيارات السياسية والفكرية العربية من أجل التخلص من الطاعون الأسود الذي يعاني منه الوطن العربي، طاعون الاستبداد. ولكني فوجئت بمقال نشره قبل أيام قليلة في الصحيفة القاهرية “الشروق الجديد”، وهي منبر إعلامي جديد وجدي يضم بين هيئة تحريره إعلاميين بارزين. تحدث في المقال عن “تفشي ظاهرة عنف الزوجات، وبطشهن بالرجال” في المجتمع التونسي، وأن أحد التونسيين أسس “ملجأ المضطهدين زوجيا”، مشيرا إلى دراسة جامعية (!) حول العنف بين الأزواج تقول:”إن عشرة في المائة من التونسيات المتزوجات يضربن أزواجهن، وأن 30 في المائة منهن يعتدين بالعنف اللفظي عليهم”!

لو ذاعت الظاهرة كما ورد في المقال لسمع بها المواطن التونسي، وتحدثت عنها وسائل الإعلام، ولا شك أنه توجد حالات من العنف داخل الأسر، ولكن ذلك ليس حكرا على المجتمع التونسي، بل نجده حتى في أكثر المجتمعات المتقدمة تطورا، وتساءلت: لماذا سكت عن عشرات المنظمات العربية والغربية المدافعة عن المرأة ضد عنف الأزواج؟ وانحدر به القلم لما حاول تعليل الظاهرة، ذاهبا إلى أن لمجلة الأحول الشخصية التونسية تأثيرا في بروز الظاهرة، إذ أنها أخلت بموازين الأسرة، فهو يوجه سهامه إلى أكثر النصوص جرأة، وتقدما في مجال حرية المرأة العربية وحقوقها، وتعتبر نموذجا في المجتمع العربي الإسلامي، ويبلغ به التردي والإسفاف ليقول: قد يكون لظاهرة تعنيف الأزواج صلة “بما هو معروف عن رقة حال الرجال في تونس، الأمر الذي شجع النساء على الاستقواء عليهم”.

وهكذا يسقط القناع، وتنكشف عقد الفكر الأصولي في كل ما له علاقة بحرية المرأة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق