حزب الله وخطوطه الحمر / بلال خبيز

أجمع صحافيو «حزب الله» على كون ما أوردته مجلة دير شبيغل الألمانية على موقعها الإلكتروني من أن سير التحقيقات في جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري تتجه إلى اتهام «حزب الله» مباشرة بتنفيذ العملية، هو تقرير مفبرك أعد في بيروت، وأن نشر هذا التقرير في مجلة ألمانية، يعني أن ثمة من ينفخ في نار الحرب الأهلية. بعض الصحافيين المقربين من «حزب الله» اعتبروا أن ثمة في لبنان من لم يفهم ولا يريد أن يفهم أن المقاومة ستدافع عن سلاحها بسلاحها وأنها أصبحت أكثر قوة من أن تنال منها أي مؤامرات.

لسان حال «حزب الله» في بيروت يقول: إذا ما تمادى أهل الموالاة والأطرف الخارجية التي تدعمهم في لبنان في محاولة اتهام «حزب الله» بالجريمة، أو في الهجوم على «حزب الله»، فإن الحزب لن يتورع عن احتلال البلد برمته، وطرد من يريد طرده، ممن يعتبرهم عملاء لأميركا وجهات مشبوهة، وفرض نظامه على البلد برمته بالقوة العارية.

هذا وقد ذهب أمين عام «حزب الله» منذ أسابيع قليلة إلى الإعلان بأن يوم 7 أيار/مايو هو يوم مجيد من أيام المقاومة، بما يعني أن المقاومة التي كان لأيامها المجيدة ميادين محددة في جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، أصبح لها الآن ميادين أخرى، في بيروت ومناطق لبنان الداخلية. ومعلوم، لـ«حزب الله» ولغير «حزب الله»، أن هذه المناطق لا تخضع لقوات احتلال مسيطرة من الخارج، مما يعني أن ميادين المقاومة الجديدة، ليست عسكرية تماماً بقدر ما هي أمنية، وليست على الحدود بقدر ما هي في الداخل. أما تقرير دير شبيغل، فليس إلا حجة للتنفيذ.

أن يتحول ميدان المقاومة من الحدود إلى الداخل، وأن يتبدل نشاطها من العسكري إلى الأمني، فهذا لا يؤخذ بوصفه تغييراً لوجستياً عملانياً فقط.

مثل هذا التغيير يعني أن «حزب الله» قرر إخضاع البلد عموماً لسلطانه الأمني، وتالياً، لا يبدو تجدد الحديث عن عملاء إسرائيل الذين أطلقوا من السجون اللبنانية بعدما قضوا عقوبات مخففة، حديثاً مبدئياً، مثلما لا يبدو النشاط المحموم الذي يقوده «حزب الله» حملة سياسية وأمنية ضد بعض رموز القضاء اللبناني إلا بعض مقدمات المعركة التي ينوي «حزب الله» خوضها في الداخل اللبناني.

وليس خافياً أن طرفاً مسلحاً ومبالغاً في احترازاته الأمنية كـ«حزب الله» حين يقرر خوض معركته في الداخل لا على الحدود، وضد عملاء وليس ضد جيوش، فإنما يعني أنه يريد إدارة البلد تماماً، أقله على المستويين الأمني والقضائي، وهذا يعني حكماً، أن «حزب الله» قرر منذ اللحظة التي قرر فيها تحويل ميدانه ووجهته نحو الداخل اللبناني، حدود المسموح والممنوع في التداول السياسي.

والأرجح أنه لن يطول الأمر بـ«حزب الله» حتى يمنع أي اعتراض داخلي على سياساته بالقوة المسلحة، فضلاً عن أن معرفة الخطوط الحمر التي سيضعها «حزب الله» لخصومه، والتي قد تعرضهم إذا ما تجاوزوها لناره وحديده، ليست متيسرة للجميع. بل إنها على ما نعلم خطوط مطاطة ورجراجة، وقد تجعل كل محاولة لإبداء رأي في السياسة سبباً لاتهام بالعمالة وحجة لإهدار الدم. على أي حال، لم يعد خافياً أن السلوك المخابراتي والأمني الذي حرص «حزب الله» على رعايته طوال السنتين الماضيتين، منشئاً قنوات تحريض إعلامي مشبوهة، تتهم كل من يخالف «حزب الله» الرأي بأنه عميل إسرائيلي، قد وضعت سلفاً قائمة المستهدفين بوصفهم أعداء المقاومة، ولم يعد ثمة أمام المقاومين والجمهور العريض الذي يوالي المقاومة سوى التنفيذ.

أكثر ما في هذا التحول في الميدان واللوجستية التي يعتمدها «حزب الله» منذ سنتين بعداً تراجيدياً، أن خصومه هم في أغلبهم الأعم من الصحافيين. بل إن الرد العنيف الذي أعلنه «حزب الله» على تقرير دير شبيغل، طاول بالاتهام صحافيين أكثر مما طاول سياسيين. مما يعني أن الهدف المقبل للمعارضة اللبنانية هو صحافة لبنان، وأكثر ما يؤسف له في هذه المعركة، أن بعض قادة الهجوم على الصحافة اللبنانية هم ممن يسمون أنفسهم صحافيين. لقد جهدت مواقع ومدونات على الشبكة العنكوبتية منذ سنوات قليلة في اتهام الصحافيين اللبنانيين وبعض السياسيين بالعمالة لإسرائيل، ووالاها في هذا الاتهام «حزب الله» وجمهوره الغاضب. اليوم، يبدو أن عمل مدونة «فيلكا إسرائيل» التي بدت لزمن مجرد مزحة سمجة، قد وصلت إلى تمام بيانها، حيث إنها على مدى أعوام أعدت ونشرت قائمة بمن تعتبرهم أعداء المقاومة والعملاء، وما كان حتى الأمس القريب يقع في مجال الشائعات السمجة والمتهالكة، أصبح اليوم من عناوين سياسة «حزب الله» المقاومة.

عن جريدة الجريدة 27/5/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق