حزب الله” ومصر: المناقشة المطلوبة / توفيق هندي

ما هو مؤكد في التهم المساقة ضد “حزب الله” من قبل الدولة المصرية هو ما إعترف به بفخر وأعتزاز الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، أي مساعدة المقاومة في غزة بتهريب الأسلحة والمقاتلين إليها عبر بوابة رفح المصرية.
لقضية “حزب الله” في مصر أكثر من وجه:
الأول، يكمن في الإساءة للعلاقات بين الدولتين المصرية واللبنانية. فـ”حزب الله” هو حزب لبناني له تمثيله في مجلس النواب كما في الحكومة. من هنا، فالدولة اللبنانية متورطة، ولو بطريقة غير مباشرة، في أنشطته على أراضي دولة شقيقة وصديقة.
الثاني، يكمن في عدم إحترام مبدأ أساسي لطالما عانى منه لبنان، ألا وهو إحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية بأية حجة كانت ( قومية أو إسلامية أو مقاومتية أو تغييرية أو…) وعدم الدعوة المباشرة أو غير المباشرة إلى تغيير أنظمتها أو إسقاط حكامها، فهذا الأمر شأن شعب مصر حصراً في مصر، وشعب سوريا حصراً في سوريا، وشعب لبنان حصراً في لبنان…
الثالث، يكمن في الفكر القومي أو الإسلامي الذي يضع المصلحة القومية أو الإسلامية (أي مصلحة الأمة – هذه الكلمة ذات المعاني المتعددة والمطاطة!) فوق المصلحة القطرية، فيحسم أصحاب هذا الفكر القرار لمصلحة الأمة على حساب القطر وشعبه إذا تناقضت مصلحة الأمة مع مصلحة القطر، كما يسمحون لأنفسهم أن يعبروا الحدود القطرية، ليساهموا في نصرة القضية الجامعة على أراضي الغير، ورغم إرادة السلطات القطرية وحتى بعكس مصالح هذه البلاد كما يراها حكامها. وغالباً ما يخلط أصحاب هذا الفكر عندما يصبحون أيضاً أصحاب سلطة دولتية أو غير دولتية بين مصلحة كيانهم الحزبي أو التنظيمي أو الدولتي (القطري) ومصلحة الأمة، فيسمحون لأنفسهم بالتدخل في شوؤن الأمة أينما يرون هم أنه ثمة ضرورة للتدخل لنصرة قضايا الأمة.
وهكذا، من الطبيعي لدى قيادة “حزب الله”، هذا الحزب اللبناني ذو الرؤى والأفق الإسلامية، أن تتحرك سياسياً وإعلامياً وعملانياً وإستراتيجياً في العالم الإسلامي والعربي وبشكل خاص في بلدان الطوق، حيث مركز ثقل الصراع العربي – الإسرائيلي، وحيث قد يكون مطلوباً بنظرها عودة أوزن دولة عربية (مصر) إلى حلبة الصراع بعد خروجها منه عام 1978 (اتفاقية “كمب ديفيد”) عبر توريطها فيه أو إحداث تغيير في موازينها الداخلية.
وهكذا أيضاً يمكننا فهم النقد الذاتي الذي قام به الرئيس السوري بشار الأسد أمام مجموعة مثقفين لبنانيين حيث صوب طريقة تدخله في الشؤون اللبنانية رافضاً التعاطي من خلال الطوائف والمذاهب وحاصراً دعمه بالمقاومة ومن يدعمها. بمعنى آخر، ثمة مشروعية بنظره للتدخل السوري في لبنان إذا كان لمناصرة قضية الأمة المركزية، وفي المقابل وبالتأكيد هذا الفهم للقضية القومية وتجسيده على أرض الواقع ينسجم مع مصالح سوريا الإستراتيجية وتحالفاتها وسياساتها الإقليمية.
الرابع، وهو الأخطر، وهو يتعلق بالإخلال بإلتزامات “حزب الله” تجاه الشعب اللبناني بأسره حيث أكد في أكثر من مناسبة أنه حزب لبناني ليس له هدف أكثر من الدفاع عن لبنان عامة وجنوبه خاصة من أجل ردع العدو الصهيوني، وليس له نشاط خارج لبنان تحت أية يافطة كانت. وها هو يعلن بكل فخر واعتزاز أنه يدعم المقاومة في غزة حتى قبل إندلاع الحرب عليها، وهو في الحقيقة يدعم نفسه ويدعم حليفه الإستراتيجي “حماس” في إطار التحالف الإستراتيجي الرباعي (ايران، سوريا، “حزب الله”، “حماس”). وها هو أيضاً، يحاول أن يطبع في عقول اللبنانيين فكرة دعم المقاومة عملانياً وليس فقط سياسياً وإعلامياً خارج لبنان، متخطياً بذلك أطر العمل العربي المشترك، وفي الوقت عينه متمترساً وراء إحتضان الدولة والشعب اللبناني، وإن كان هذا الإحتضان على مضض بالنسبة لأكثرية اللبنانيين.
ولنكن صريحين: إن هذا الدعم العملاني للمقاومة في غزة إنطلاقاً من الأراضي المصرية، وبالرغم من نبل مقاصد “حزب الله” يزيد من منسوب إحتمال حرب إسرائيلية مدمرة لكل لبنان هذه المرة، وإن خسرت إسرائيل هذه الحرب. ولنكن صريحين أيضاً وأيضاً: لا يحق لـ”حزب الله” أن يتصرف إزاء موضوع بهذه الخطورة بغفلة عن شركائه في الوطن كما أن الشعب اللبناني أشد حرصاً أن لا يدمر بلده، من أن يلحق هزيمة غير حاسمة باسرائيل، كما حصل في حرب تموز.
ولا بد هنا من التوقف على مسؤولية الحكومة في مناقشة هادئة لهذا الموضوع الخطير لأن ما حدث في مصر يناقض البيان الوزاري، حيث بعد جدل طويل وتحت وطأة موازين القوى آنذاك أقر البيان بوجود السلاح في يد “حزب الله” تحت عنوان المقاومة وتحدث عن تناغم بين المقاومة والجيش والدولة ولكن في إطار الجغرافيا اللبنانية.
ولا بد من الملاحظة أيضاً أن ما ظهر في مصر يسخّف الحوار حول الإستراتيجية الدفاعية، حيث أحد الأطراف الرئيسة في هذا الحوار بات ينفذ على الأرض إستراتيجية غير دفاعية بالمفهوم اللبناني قد تكون لها تداعيات وخيمة على لبنان.
وأخيراً، لا بد من الملاحظة أن تصرف “حزب الله” هذا يخرج تماماً عن إطار ورقة التفاهم بينه وبين “التيار الوطني الحر”.
الكل مطالب بالتحرك ليس بهدف إستهداف “حزب الله” أو إستغلال أزمته مع مصر لمحاولة إيذائه، إنما لإخراج لبنان من أي تورط، والسعي معاً لحل معقول بين مصر و”حزب الله” على قاعدة ترسيخ قاعدة إحترام سيادة الدول على أراضيها وعدم التعرض لأمنها وسياساتها العربية والخارجية، وذلك تنفيذاً لسياسة إخراج لبنان من أتون الصراعات الدولية والإقليمية القاتلة في المنطقة.
الحكومة ولجنة الحوار التي يرئسها فخامة الرئيس ميشال سليمان مطالبان بمناقشة “حزب الله” حول المحاور التالية:
• أين موقع لبنان في الصراع العربي – الإسرائيلي؟ هل هو رأس رمح هذا الصراع أو أنه يتحرك بالتناغم مع محصلة المواقف العربية بشكل ديناميكي؟
• هل يقبل “حزب الله” تنفيذ إتفاقية الهدنة المنصوص عنها في إتفاق الطائف كما في القرار 1701 وذلك بعد استعادة مزارع شبعا، أو تمهيداً لإستعادتها وفي إنتظار الحل الشامل والعادل للصراع العربي-الإسرائيلي؟
• بغض النظر عن الموقف الإسرائيلي، ما هو موقف “حزب الله” النهائي والحقيقي والواضح بالنسبة للسلام العادل والشامل في المنطقة؟ هل يرفضه ويعمل لإفشاله مهما كانت مواصفاته، وحتى لو تأمنت فرص تحقيقه، وذلك لأن لا حل إلا بتدمير دولة إسرائيل المغتصبة لحقوق العرب والمسلمين؟
هل هو مع حل الدولتين إذا توافرت ظروفه؟ هل يوافق فعلاً على سياسة لبنان الداعمة لمبادرة السلام العربية؟
فقط إجابات “حزب الله” الواضحة والعلنية على هذه الأسئلة الخطيرة تسمح بالمضي قدماً في الحوار الوطني حول موضوع إستراتيجية شاملة للأمن القومي اللبناني! العكس يعني إستمرار لبنان في النفق المظلم!

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق