حزن محمود / عزت القمحاوي

لم يعش ليوناردو حتى يرى محمود، وإلا لخلدت نظرة أخرى محيرة، في وجه يسكن البرزخ بين الرجولة والغلامية؛ مثلما يقف وجه الموناليزا بين الأنوثة والرجولة.

لم تدمع عينا الفتى، لكن النظرة الجافة كانت ترسل الحزن متماسكا كعمودين مصقولين بلمعة تشبه لمعة الحب، أو الأمل، أو الامتنان لكونه لم يزل حيا.

الرموش السوداء الثقيلة المظللة متجلدة بدموع بكاء سابق طويل. لكن الرموش الحزينة نفسها تملعنت عندما مرت أمامنا فتاة سمينة، أرعشت له كفها في الهواء محيية 'تشاو مامود'.

'صاحبتي' قال، غامزا إلى صدرها الضخم، ولمعت شفتاه البارزتان كبتلتي وردة وسط زغب الفتوة الشائك في وجه يبدو حرشا وعرا. تلكعت الومضة الخاطفة على وجهه ثوان، وتبددت تحت موجة من الحزن جلبها السؤال عن الطريقة التي جاء بها من كوم حمادة إلى هذه الضاحية الفقيرة بالعاصمة الإيطالية.

'وصلت كبهيمة لأعيش مثل عبد' قال محمود، الذي ولد من جديد منذ ستة أشهر فقط، حيث وصل في واحد من قوارب الموت أبحر به من الإسكندرية ستة أيام. ثمانية وخمسون شابا أكلوا وتغوطوا وناموا وحلموا واقفين في ثلاثة عشر مترا.

في اليوم الأول كانوا بشرا، مهانين قليلا في سبيل البحث عن لقمة عيش. حملهم ميكروباص دفعة وراء دفعة إلى الشاطئ في جوف الليل. ودفعة وراء أخرى استقلوا قاربا صغيرا استبدلوه بواحد أكبر بعد نحو نصف ساعة من التجديف، ثم أفرغ الثاني حمولته في المركب النهائية، التي انتظرت تجمع المسافرين الستة والخمسين لتشرق عليها الشمس مثل زجاجة ضئيلة تتأرجح فوق ماء بلا حدود.

خرج محمود من قريته مع ثلاثة من أصدقاء الطفولة. لم يكن لديهم إحساس بأنهم يتوجهون إلى نزهة هي الأولى في حياتهم، بل يعرفون المشاق التي جربها غيرهم، مستدفئين بشعور من التضامن حافظوا عليه في محبسهم السكندري. وكسبوا صداقات أخرى طوال خمسة أيام بلياليها قضوها صامتين في بيت ريفي بكنج مريوط؛ انتظارا لهدوء الموج وخفر السواحل.

التنافس على أولوية ركوب الميكروباص بدد شيئا من حس التضامن، ومن قارب إلى قارب كان التنافس على موطئ القدم يزيح معه ذكريات أعوام من الصداقة، حتى أن شمس اليوم الأول لم تطلع إلا على غرباء.

ولم تغرب شمس اليوم نفسه حتى كانوا قد ألقوا بثلاث جثث في الماء. طفل في الثالثة عشرة وشاب في العشرين وكهل تجاوز عتبة الأربعين. السن لا تعني شيئا، توقفت قلوبهم واحدا بعد الآخر رعبا من تقافز القارب فوق موجات لا يتجاوزها إلا بعد أن تصفعه وتنكسر قمتها في داخله، ويكون عليهم أن يعصروا ملابسهم وينزحوا الماء من تحت أقدامهم.

عندما ألقوا الجثة الرابعة فقدوا الإحساس بالشفقة.

وبعد 48 ساعة من الإبحار فقدوا الحياء. لم يعد هناك أي حرج في أن يبولوا ويقضوا حاجاتهم على مرأى من بعضهم البعض. لم يكن هناك أثر لكائن خارج المركب، ولا حتى طائر تمكن مراقبة حركاته لمشاغلة الخوف، صارت لعبتهم مراقبة بعضهم البعض، إلى أي مدى يستطيع المتبول أن يدفع ببوله إلى مسافة أبعد، يراقبون لمعة الشمس على القوس الذهبي قبل أن يخترق الذؤابات الزبدية للموج أو تطيره الرياح في وجوههم المملحة.

فقدوا الإحساس بالوسخ، وصاروا يخوضون في مستنقع الماء المالح المختلط بالغائط والاستفراغ بلا أدنى تحفظ.

في اليوم الثالث فقدوا حاسة الخوف، ولم يعد هناك من هدف سوى التخلص من هذا الوضع موتا أو حياة. وفي اليوم الرابع بلغ الإعياء مداه، وبدأ القليل من الماء والخبز الجاف الذي حملوه ينفد، لكن الربان كان يؤكد أنهم في الطريق الصحيح، وأن ما تبقى أقل مما قطعوه. وفي ذلك اليوم ولد نوع جديد من تعاضد الأعداء.

يريدون أن يصلوا سالمين. وإذا كان لا بد من الموت؛ فكل منهم لا يريد أن يكون الضحية عند صدور الأمر. والأمر يصدره الربان، وهو مسافر عادي من بينهم، توسم فيه المهربون قدرته على تعلم توجيه القارب حسب اتجاه البوصلة. في أيام الاحتجاز كان أحدهم يأتي ليأخذه كي يتعلم كيفية التعامل مع أدوات الملاحة. اسمه حسين، بكالوريوس هندسة، هو القائد والجميع جنوده، وسلاحه ذلك التضامن الصامت. لا يصدر أمرا. يكفي أن يعرض الموقف: 'نوشك على الغرق، لا بد من تخفيف الحمولة'.

فورا تتجه الأنظار بحثا عن مصاب بدوار البحر. يصبح الدائخ هدفا للأصحاء المتضامنين. بحسبة اقتصادية بحتة لا يمكن إلقاء سليم والاحتفاظ بمحتضر. وإذا كان هناك أكثر من محتضر؛ فمن المنطق البدء بالسمين أولا.

الستة والخمسون وصلوا ثلاثة عشر بينهم الربان، اندفعوا في الماء الضحل يبكون فرحا بالسلامة عندما شحط القارب بالقرب من الشاطئ.

'كلنا في مثل طولي وجسمي ما عدا حسين' اكتشف محمود أن قامته القصيرة ونحافته، اللتين كانتا مصدر غمه حتى تلك الرحلة، هما سبب نجاته الوحيد. جروا في الغابة كل إلى اتجاه. لا يعرف إن كانت الغابة آمنة أم مسكونة بالضواري، بعد رحلة الأيام الستة لم يعد هناك مكان للخوف.

فجأة ظهر الطريق المعبد كإشراقة شمس. للمرة الأولى بعد مغادرة الإسكندرية يكتشف محمود أنه لم يزل يمتلك قلبا، عادت ضرباته تتسارع فرحا وقلقا. اختفى وراء آخر أكمة. خلع بنطلونه، ثم الشورت ليستخرج كيس البلاستيك المخيط على عنوان ورقم تليفون ابن خالته في روما وثلاثمائة يورو.

تأمل الأوراق الجافة بفرح، وارتدى ملابسه، وخرج إلى الطريق يشير إلى السيارات. توقف سائق شاحنة، سأله عن محطة القطار بأقصر طريقة ممكنة: 'تران' قال ورسم بيده محطة قطار في الهواء. أشار له السائق ليصعد، وأخذ يحدثه بكلام لم يرد عليه إلا بالحيرة البادية في عينيه فصمت السائق أخيرا، وفي مكان ما توقف وأشار إليه بالطريق الذي عليه أن يسلكه.

رأى روما من سيارة عادل، ولم يعرف سوى مخزن الخضراوات والفواكه الكبير الذي يملكه قريبه، والشقة التي يعود ليستريح فيها مع ستة من زملائه، لا يعرف ما يوجد بالطريق بين الشقة ومستودع الخضراوات. دائما أبواب المحال مغلقة؛ لأنه يعود في الظلام ويخرج في الظلام.

يتلفت محمود ليطمئن إلى أن عادل بعيد مسافة كافية، قبل أن يشكو. 'إبن خالتي' ثم يشير إلى شباب آخرين يروحون ويجيئون 'وهؤلاء أقاربنا أيضا، لكنه يعاملنا كعبيد'.

يستيقظ محمود في الثالثة فجرا، ويستمر في العمل حتى الثامنة مساء مقابل مئتي يورو في الأسبوع. البعض يتقاضى مائتين وخمسين أو ثلاثمائة، وليست هناك خبرة مطلوبة، ولا مؤهلات دراسية، لكن التقدم في اللغة الإيطالية هو معيار الزيادة في المرتب.

يتلفت محمود مرة أخرى قبل أن يستأنف:

'جاهل، وطول النهار يقول لي انت لا تفهم، لا يضع اعتبارا للقرابة، طيب على الأقل أنت مسلم، الإيطالي المسيحي عنده دين أكثر من عادل'.

أسأل محمود حامل ليسانس الشريعة والقانون عن دخل الدين فيما يقول؛ فيستدرك: أقصد أنه مصري من ديني، كان من الواجب أن يكون أكثر رأفة من الإيطالي.

عادت الفتاة، بصحبة امرأة هذه المرة، ولوحت له مجددا. ابتسم محمود مجددا، ثم استأنف بجدية: 'رغم كل شيء هنا أحسن من مصر، أستطيع توفير أربعمائة يورو في الشهر، يعني ألفين وثمانمائة جنيه، أين أجدها هناك؟!'.

 

عن جريدة القدس العربي 11/7/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق