حزيران 67… بصيغة الجمع والتباين

حزيران في الوعي العربي لحظة تأسيسية للزمن العربي الحديث، فهي من جهة تعين نهاية حقبة المشروع القومي العربي والدولة الوطنية، والتي كانت النكسة ذاتها سببا- كما بدت- لهذه النهاية. من ناحية أخرى حددت النكسة بداية لزمن الهزيمة الدائمة منذ النكسة الى سقوط بغداد. ماقبل حزيران غير ما بعده، هكذا بدا الزمن الحزيراني.

تأثير النكسة كان عميقا على النخبة العربية بشكل خاص، هذه التي بدأت بعد حزيران بمشاريع النقد الحضاري الذي طال المجتمع العربي ببنيته وثقافته وإيديولوجياته. فالهزيمة لم تعاينها النخبة كهزيمة عسكرية انما كهزيمة تامة للمجتمع العربي بأسره، لتخلف المجتمع وفواته.
لم يكتف النقد وقتها ببنى المجتمع نفسها –كما في نقد الفكرالديني والبنى البطريركية أو الطبقات القديمة- إنما انصب على المشروع الثوري ذاته والذي حملته النخبة ذاتها في الزمن السابق للنكسة، نقد اللاعقلانية المتحكمة في الإيدلولوجيا الثورية نفسها كما مثلتها أعمال ياسين الحافظ وعبد الله العروي.

من النتائج الأولى للنقد كما بدت وقتها، انحلال حركة القوميين العرب – التي اعتبرت حامل الناصرية خارج مصر- وانتقال أغلب كوادرها إلى تنظيمات أقصى اليسار البازغة وقتها مدشنة ظاهرة اليسار الجديد.

حزيران نفسها تؤرخ ايضا لبداية “الصحوة الإسلامية”، وعودة الإيديولوجيا الدينية إلى الحياة بعد ابعادها تحت التاثير الشعبي والقمعي للناصرية آنذاك.

حزيران بهذا الشكل بدت زمنا للبدايات والنهايات مما شرعها زمنا تأسيسيا، لكن بالمقابل لا تبدو حزيران على هذا القدر من الأصالة. فالنكسة سبقتها النكبة، والتي لم تدخل في الوعي العربي كزمن مفارق كما حزيران برغم من أن أثرها الفعلي وواقع الهزيمة للمجتمع العربي فيها لم يكن يقل دلالة عن حزيران.

الوعي بالحاجة الى التغيير كان أيضا نتاجا لمعايشة النكبة كما حصل مع الضابط جمال عبد الناصر في حرب 48 في فلسطين. في سوريا والعراق لم يختلف الحال، فمع النكبة اهتزت شرعية الأنظمة، كما ارتكزت الانقلابات وحركات الضباط الأحرار في احد أبعاد تثبيت مشروعيتها على إزاحة المتسببين بالنكبة وتجاوزها.

بالمقابل لم يحصل أي تغيير بعد النكسة – برغم الحركات الثورية والنقد الأشد جذرية اللذين انتشرا وقتها- واستمرت جميع الأنظمة الحزيرانية. حتى التغييرات لم تحدث إلا من داخل النظام نفسه، فالسادات كان نائبا لناصر والتغيير في النهج الذي أجراه تم عبر نخبة النظام نفسها –بعد معركة غير خطرة مع الجناح الناصري- ومحافظا على شرعية ثورة 52.

الحال ذاته مع “الحركة التصحيحية” السورية (يدل اسمها على هويتها كتصحيح واستمرار، وليس إعادة تأسيس)، التي حافظت هي الأخرى على شرعية “ثورة آذار”. حتى أن أحد أوجه الاعتراض الذي ساقته “الحركة التصحيحية” على “الجناح الشباطي” (استولى على السلطة في شباط 1963) في حزب البعث تعلق بالممارسة السياسية التالية للنكسة، وقد اعتبرت يسارية طفولية، وليس على النكسة ذاتها.

بعد حزبران شهد العرب هزائم وانتكاسات لا تقل هولا عن النكسة الأصلية، إن لم تتجاوزها في أثرها الفعلي على الأحداث، من الاجتياح الاسرائيلي للبنان واحتلال أول عاصمة عربية إلى حرب الخليج وفيما بعد احتلال العراق وبينها الحروب العربية- العربية. جميعها لم تؤسس لزمن جديد أو تقف بالموازاة من حزيران بل بدت وكأنها مجرد استمرار لها.

من ناحية ثانية لم تتأثر صورة الهزيمة الحزيرانية بالنجاحات التي حققها العرب فيما بعد بدءا من معركة الكرامة إلى حرب تشرين، وصولا الى المقاومة اللبنانية وتحرير الجنوب وحرب تموز الأخيرة.

حزيران بقيت عصية على الانتهاك وبقينا نحياها كزمن ممتد، لا كتاريخ. المعنى الرمزي لحزيران في الوعي العربي كان أقوى بكثير من الأثر الواقعي لحزيران.

ما الذي يجعل من هذه القيمة الرمزية أهم وأبلغ أثرا من الحدث الحزيراني الواقعي؟

يعود هذا في جانب ما إلى أن حزيران عينت، أكثر من أي حدث آخر، نهاية المشروع القومي العربي، برغم وعي قسم كبير من النخبة العربية بأن نكسة حزيران لم يكن ليتنسى لها إخراج المشروع من مساره إن لم يكن يعاني هو نفسه من عيوب قاتلة. لكن المهم أن هذا المشروع أعطى الشرعية لنظام عربي (جانب من هذه الشرعية لم يحظ بها ولن يحظ بها أي نظام عربي فيما بعد) لدى الشارع العربي، الذي رأى فيه صدى لطموحاته.

المشروع، على علاته، بقي إمكانية واقعية يعيشها العرب لتحقيق وحدتهم واستقلالهم، وتجاوز تخلفهم. هذه الإمكانية انتهت، أو أعلنت نهايتها على الملأ، مع حزيران (أو بعده بقليل مع وفاة ناصر). حزيران كانت اللحظة التي تم التصريح فيها بنهاية المشروع/ الحلم، وليس المشروع/الواقع فقط، هذا المشروع الذي سيبقى يراكم حنينا عاطفيا لدى العرب تجاهه حتى عندما يكون موضوعا للنقد.

من جانب آخر تأخذ حزيران أهميتها لما سيؤسس عليها من خيارات سياسية لاحقة على الحدث ذاته، والتي ستبدي تباينا ملفتا للنظر في العبر والدروس التي تم استخلاصها بالرغم من اتفاق الجميع على كون حزيران أرضية تأسيسية. حزيران دخلت كنقطة البداية للروايات المتنوعة لتعطيها الأرضية التي تقف عليها وتشرعنها، بمعزل عن الحدث التاريخي ذاته.

بهذا الشكل يكون لدينا عدة حزيرانات عوضا عن حزيران فعلي وحيد.

أول هذه الحزيرانات هو حزيران النظام العربي الرسمي، نظام “الاعتدال” كما في وصفه الحالي.

حزيران ساهمت بشكل او آخر مع وفاة ناصر بنهاية القومية اليسارية الرسمية من الوجود الفعلي، فاسحة المجال لهيمنة يمينية مطلقة على النظام الرسمي بتمامه، والذي سيرى حزيران من منظور الواقعية واللاواقعية. حزيران لديه هي اللاواقعية والتهور والتطرف ضد النظام والاستقرار والواقعية والمرونة السياسية، حيث أوراق الحل في اليد الاميركية، من هذه الناحية تكون حزيران المدخل لإعادة الاندماج بالنظام الإقليمي من جديد والقضاء على حالات التمرد الممكنة والتي مثلتها لوهلة الناصرية.

درس حزيران هو الاستقرار والاستمرار خارج عالم المغامرة.

كان حزيران المثقفين الدليل على عجز المجتمع، كما هو، عن مواجهة الآخرين وعلى ضرورة التغيير الجذري.

دلالة حزيران هذه كانت غير قابلة على التجاوز بحكم الأحداث التالية، ليس لأنها لم تكن قابلة للمقارنة مع الحدث الحزيراني الأصلي فحسب، ولكن أيضا لأنها لا تثبت الحاجة المطلقة للتغيير كما أثبتها حزيران نفسه.

كيفية التغيير وجهته اختلفت تماما مع الزمن وهذا ما يؤكد على طبيعة حزيران، لا كحدث إنما كحاجة لتبرير ضرورة التغيير وهشاشة المجتمع العربي ببناه الحالية.

في البدء اتجه النقد إلى اليسار، ضرورة الثورة بمواجهة المجتمع، نقد يساري وماركسي للناصرية والوعي الاجتماعي ومعه انتشرت التنظيمات اليسارية. عطب الناصرية فسر على أنها إيديولوجيا البرجوازية الصغيرة، غير الثورية بالشكل الكافي لقيادة الثورة. ومن ناحية ثانية كان هناك نقد للاعقلانية كـ”نواة متحكمة في إيديولوجيا الثورة”، وإن كان هذا النقد لم يحقق هيمنة ولم تتم استعادته إلا متأخرا، وعلى العكس مما أراده أصحابه، الذين طمحوا بدورهم إلى ثورة معقلنة.

المرحلة الثانية في تطور وعي حزيران لدى المثقفين (طبعا بشكل عام وبالمقابل بقيت رواية القوميين لحزيران التي تروي حنينا للماضي الجميل الذي قطعه الاستعمار، لكن هذه لم تعد تحظى بالأهمية) كان النقد من اليمين. موضوع هذا النقد ليس نقص عقلانية الإيديولوجيا الثورية أو نقص ثوريتها إنما لاعقلانيتها، أي ثوريتها الاشتراكية ذاتها. برغم التناقض الظاهر بين النخبة الثقافية والنظام الرسمي، انتهى المثقفون الى ذات الرواية التي اعتمدها النظام الرسمي.

رواية حزيران في الخطاب الثقافي كانت دوما بغرض التأكيد على حتمية التغيير الاجتماعي، لدرجة انه لم يعد يرى –ولم يكن يرغب أصلا في رؤية- أي إنجاز يمكن تحقيقه عبر هذا المجتمع، أو يتوجس خشية من أن ينجزه هذا المجتمع، لأنه ينتقص من ضرورة التغيير ويعطي حقا ما للمجتمع بالاستمرار.

هذه الحالة بدت في الحرب الأخيرة، لبنان صيف 2006، التي رآها قسم كبير من النخبة ككارثة وهزيمة محققة حتى قبل مضي الأيام الأولى منها. وبعد نهايتها وبرغم الاعتراف الاسرائيلي بالفشل بقيت هزيمة بينة. ربما ساهم الخوف من هزيمة جديدة اعتادها العرب في هذه الحال، لكن أيضا الجزع من الاعتراف بنصر تحققه إيدولوجيات يفترض بها أنها العطل ذاته.

حزيران الثالث هو حزيران الشارع العربي (مجازا بحكم أن هناك أكثر من شارع إلا أنها تتقاطع لحد كبير) الذي شعر هو الآخر بثقل الهزيمة وجرح الكرامة الذي لم يندمل، إلا إنه رآها بطريقة مغايرة. الهزيمة لم تسبب وحسب نهاية النظام الوحيد الذي حظي بقسط من الشرعية، إنما ثبتت، ونهائيا، القطيعة بين الشارع العربي وبين النظام العربي الرسمي.

حزيران وما لحقها لم يعن إلا هزيمة مستمرة للأنظمة قبل الشعوب، هذه التي منعت من الحرب ولم تمتنع عن الحرب. درسها ليس جذرية النقد أو العقلنة، بل استعصاء بناء الشرعية مرة أخرى. كذلك احتفاظ الشارع بالثقة بوعيه وتقاليده التي لم تخض اختبارا جديا –كما يرى- و درس الفوات لم يتحول إلى درس جاد، لأن الشارع لم يتجرع الهزيمة بشكل كامل. فخياراته لم تتحول إلى أنظمة تسقط مع هزيمتها، بل رأى اسرائيل تهزم جيوش الدول في أيام وتعجز أمام حفنة من المقاتلين.

هذا الجانب لم يره المثقفون في زمن ما بعد حزيران كذلك لم تره الأنظمة، بالمقابل لم ير الشارع حجم الهزيمة واستحالة النصر النهائي عبر ميليشيا سيكون انجازها -مهما عظم- تعطيلا ما إلى هذا الحد أو ذاك.

روايات حزيران خدمت كل مجموعة في بناء وعيها الذاتي، وإعطاء الشرعية لخطابها، كما في مواجهة الآخرين وتفكيك شرعيتهم، ولكنها تشترك جميعها في تأكيد مفارقة حزيران.

حزيران يؤكد على الانفصال بين هذه المجموعات برغم تداخل مصائرها. كل منها يتحدث بلغة مغايرة للآخرين ويستخلص دروسا مغايرة، ويروي حكاية حزيران بطريقة مختلفة… مجموعات تحيا عوالم مختلفة بدءا من حزيران 1967.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق