حضور الملائكة في سيرة النبيّ من خلال النصّ القرآنيّ

ورد الحديث عن الملائكة في النّص القرآني في آيات عديدة و في مناسبات متنوّعة مثل قصّة خلق الإنسان و قصص الأنبياء السّابقين و قيام السّاعة و عذاب جهنّم… نهتمّ في مقالنا هذا بالآيات القرآنيّة التي تذكر الملائكة و لها صلة مباشرة بسيرة النّبي محمّد.

ولد محمّد في مكة، و فيها نزل عليه الوحي و قضّى القسم الأكبر من زمن نبوّته، و كانت دعوة محمّد في بداياتها موجّهة إلى أهل مكّة بصفة أساسيّة، و دار بين محمّد و أهل مكّة جدال احتفظ القرآن ببعض تفاصيله، و مثّلت الملائكة أحد محاور هذا الجدال.

كان أهل مكّة يؤمنون بوجود الملائكة و يعتقدون أنّها من جنس الأنثى ” و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرّحمان إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم و يسألون ” -1- و اعتقد أهل مكّة أنّ الملائكة بنات الله ” أفأصفاكم ربّكم بالبنين و اتّخذ من الملائكة إناثا إنّكم لتقولون قولا عظيما ” -2- اعتقد أهل مكّة أنّ الملائكة بنات الله من زواجه ببنات وجهاء الجن -3- جاء في النّص القرآني على لسان الجنّ ” و إنّه تعالى ربّنا ما اتّخذ صاحبة و لا ولدا و أنّه كان يقول سفيهنا على الله شططا ” -4-

كان أهل مكّة يعتقدون بوجود اله أعلى ” و لئن سألتهم من خلق السّماوات و الأرض و سخّر الشّمس و القمر ليقولنّ الله فأنّى يؤفكون ” -5- و اعتقد أهل مكّة أنّ الله هو الأعلى و الأقدر وبقيّة الآلهة شفعاء عنده ” و يعبدون من دون الله ما لا يضرّهم و لا ينفعهم و يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ” – 6- إنّ إله مكة الأعلى الذي يذكره القرآن باسم ” الله ” هو ما كانوا يطلقون عليه اسم ” هبل ” و اعتقد أهل مكّة أنّ اللاّت و العزّى و مناة هنّ بنات هبل- 7- و هذا ما يمكننا من الاستنتاج أنّ الملائكة عند أهل مكّة هي هذه الآلهة ( بنات هبل ).

عظّم أهل مكّة الملائكة، و اعتقدوا أنّها شفيعهم عند الإله الأعلى، و هذا ما ينفيه النّص القرآني

ففي سورة النّجم بعد ذكره اللاّت و العزّى و مناة ” و كم من ملك في السّماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلاّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء و يرضى ” -8- و جاء في الآيات الشيطانية التي كانت جزءا من سورة النّجم قبل أن تحذف ذكر لشفاعة آلهة مكّة ( بنات هبل ) ” … فلمّا انتهى إلى قوله – أفرأيتم اللاّت و العزّى و مناة الثالثة الأخرى – ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدّث به نفسه، و يتمنّى أن يأتي به قومه: تلك الغرانيق العلا و إنّ شفاعتهنّ لترتجى ” -9- إنّ تشبيه آلهة مكّة بالغرانيق في الآيات الشيطانيّة يجعلها على صورة قريبة من الملائكة كمّا تحدّث عنها النّص القرآني ” الحمد لله فاطر السّماوات و الأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى و ثلاث و رباع يزيد في الخلق ما يشاء إنّ الله على كلّ شيء قدير ” -10-

يحوز القول بأنوثة الملائكة مكانة هامة في عقيدة أهل مكّة، و يرتبط القول بأنوثة الملائكة عندهم بعدم الإيمان باليوم الآخر، جاء في النّص القرآني ” إنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى” -11- و يذكر القرآن في موضع آخر ارتباط الاعتقاد في تعدّد الآلهة عند أهل مكّة بعدم الاعتقاد في اليوم الآخر ” و إذا ذكر الله وحده اشمأزّت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة و إذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون “-12-

عبد أهل مكّة الملائكة، و اعتبروها شفعاءهم عند الإله الأعلى، و أقرّ محمّد بوجود الملائكة،ونفى بشدّة أن تكون بنات الله، واعتبرها كسائر المخلوقات، و لم ينف إمكانية شفاعتها،وأسندت إلى الملائكة في دين محمّد وظائف عديدة مثل قبض الأرواح و تعذيب أصحاب النّار… و كانت الملائكة كما صوّرها القرآن موضوع سخرية أسياد مكّة ” فقال أبو جهل يوما و هو يهزأ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم و ما جاء به من الحقّ: يا معشر قريش، يزعم محمّد أنّ جنود الله الذين يعذّبونكم و يحبسونكم فيها تسعة عشر، و أنتم أكثر النّاس عددا و كثرة، فيعجز كلّ مائة رجل منكم عن رجل منهم… ” -13- جاء في النّص القرآني ” و ما جعلنا أصحاب النّار إلاّ ملائكة و ما جعلنا عدّتهم إلاّ فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب و يزداد الذين آمنوا إيمانا و لا يرتاب الذين أوتوا الكتاب و المؤمنون و ليقول الذين في قلوبهم مرض و الكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا … ” -14-

سخر أسياد مكّة من مقالات محمّد، و عملوا على تعجيزه، فطالبوه أن يجيء معه بملك ” قالوا ما لهذا الرّسول يأكل الطّعام و يمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا “-15- طالب أسياد مكّة محمّدا أن يجيء بملك يكون شاهدا على صدق نبوّته، فأجابهم النّص القرآني أنّ نزول الملائكة في هيأة ظاهرة سيكون علامة على نهاية الدنيا وقيام السّاعة -16- كان اعتقاد أهل مكّة في أبوّة الله للملائكة شديدا و هذا ما يفسّر دعوة القرآن المتكرّرة إلى الإيمان بالملائكة كبعض مخلوقات الله -17-

عجز محمّد عن إقناع أغلب أهل مكّة بصدق ما يدّعيه، ووصلت دعوته في مكّة إلى أفق مسدود، و مثّل ذلك سببا قويّا لهجرته مع معظم أتباعه إلى يثرب، و بعد مضيّ مدّة زمنيّة قصيرة أخذ محمّد و أتباعه يعترضون قوافل مكّة التّجاريّة، وانتهى الأمر إلى مواجهة عسكريّة بين الطرفين عرفت بواقعة بدر. انتهت هذه الواقعة بهزيمة أهل مكّة هزيمة فادحة، و استطاع أتباع محمّد رغم قلّة عددهم أن ينتصروا على أعدائهم، والنّص القرآني قد تحدّث عن دور للملائكة في واقعة بدر في عدّة آيات. جاء في سورة الأنفال ” إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين ” -18- اختلف القرّاء حول لفظة ” مردفين ” فبعضهم قرأها بكسر الدال و البعض الآخر قرأها بفتح الدّال -19- كلمة مردِفين ( بكسر الدّال ) فيها إبراز للجانب الحسّي الملموس لحضور الملائكة، و هذا ما جعلها أدعى إلى القبول و الانتشار فوقع اعتمادها في المصحف الرّسمي، و أصبح القول بحضور الملائكة يوم بدر حضورا مباشرا ظاهرا شائعا لدى النّاس، و انطلاقا ممّا جاء في النّص القرآني نسجت قصص كثيرة عن مشاهدة أتباع محمّد و أعدائه للملائكة يوم بدر، و بناء على القول بحضور الملائكة يوم بدر وقع تفسير آيات أخرى من القرآن، و ربط بين حديث القرآن عن تعذيب الملائكة للكافرين و ما جرى يوم بدر مثل قوله تعالى ” و لو ترى إذ يتوفّى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم و أدبارهم، و ذوقوا عذاب الحريق “-20- و جاء في سورة آل عمران ” إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض… ” -21- تجمع مصادر عديدة على أنّ ” الذين توفّاهم الملائكة ” هم أبناء مكّة الذين سبق لهم أن دخلوا في دين محمّد ولم يهاجروا معه إلى يثرب و قاتلوا مع أهل مكّة يوم بدر وقتلوا-22- عبارة ” توفاهم الملائكة ” رأى فيها المفسرون علامة على أنّ هذه الآية ذات صلة بحضور الملائكة يوم بدر رغم أنّ النّص القرآني كثيرا ما استعمل عبارة ” توفّاهم الملائكة ” عند الحديث عن الموت بصفة عامة من ذلك قوله تعالى ” الذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون ” -23-

كان الرأي الغالب عند المفسّرين أنّ ما جاء في سورة الأنفال من حديث عن الملائكة يثبت حضورها بشكل حسّي ظاهر في واقعة بدر و مشاركتها في القتال مع أتباع محمّد، و سيعود القرآن من جديد في سورة آل عمران للحديث عن الملائكة و دورها في مؤازرة المسلمين في حروبهم كبشرى و وعد، يقول تعالى ” إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، بلى إن تصبروا و تتّقوا و يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين و ما جعله الله إلاّ بشرى لكم و لتطمئنّ قلوبكم به و ما النّصر إلا من عند الله العزيز الحكيم” -24- اختلف المفسّرون حول هذه الآيات، و تعدّدت مواقفهم، اختلفوا حول طبيعة حضور الملائكة إن كان حسيّا ظاهرا أو خفيّا مستترا، و اختلفوا حول الوقائع التي قاتلت فيها الملائكة مع المسلمين و الوقائع التي حضرتها و لم تقاتل… -25-

كان للملائكة حضور بارز في سيرة النّبي محمّد وخاصة في جداله مع أهل مكّة و صراعه معهم، و حاز جبريل أهميّة خاصة بين سائر الملائكة في هذه السّيرة. قامت نبوّة محمّد على مبدإ تلقّيه الوحي من الله، و هذا ما لم يصدّقه أغلب أهل مكّة، و في سياق الجدال الذي دار بين الطرفين، تحدّث النّص القرآني عن تجربة محمّد في تلقي الوحي. جاء في سورة التّكوير ” و ما صاحبكم بمجنون و لقد رآه بالأفق المبين و ما هو على الغيب بضنين ” -26- و في سورة النّجم يعاد مشهد تلقي محمّد للوحي بأكثر تفصيلا ” و النّجم إذا هوى ما ضلّ صاحبكم و ما غوى و ما ينطق عن الهوى إن هوّ إلا وحي يوحى علّمه شديد القوى ذو مرّة فاستوى و هو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى و لقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنّة المأوى إذ يغشى السّدرة ما يغشى ما زاغ البصر و ما طغى لقد رأى من آيات ربّه الكبرى “-27-

ما جاء في سورة التّكوير و سورة النّجم يكتنفه غموض كبير فغير واضح إن كان المقصود لقاء محمّد مع الله مباشرة أو لقاء محمّد مع أحد رسل الله. يذكر المفسّرون أنّ لقاء محمّد كان مع ملك مكلّف من طرف الله بتبليغ الوحي، و استند المفسّرون في ما ذهبوا إليه بما نزل لاحقا من الآيات القرآنيّة التي تحدّثت عن تولّي رسول من الله تبليغ الوحي لمحمّد، هذا الرّسول لقّب في سورة الشعراء بالرّوح الأمين -28- و لقّب في سورة النّحل بروح القدس -29- و سمّي في ما يلي من القرآن باسم جبريل ” قل من كان عدوّا لجبريل فإنّه نزّله على قلبك بإذن الله مصدّقا لما بين يديه و بشرى للمؤمنين ” -30- تجمع مصادر كثيرة على أنّ أعداء جبريل المتحدّث عنهم في هذه الآية هم اليهود، و لا تقدّم المصادر أشياء ذات فائدة عن أسباب هذه العداوة، الاحتمال الأرجح أنّ أعداء جبريل المتحّدث عنهم في هذه الآية هم النّصارى، فصاحب محمّد الذي يأتيه بالوحي يلقّب بروح القدس و هو اسم أحد الأقانيم الثلاثة التي تشكّل الإله عند معظم الطوائف المسيحيّة. النّصارى في نظر القرآن قاموا بتأليه المسيح و تأليه جبريل/ روح القدس. جاء في النّص القرآني ” لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله و لا الملائكة المقرّبون و من يستنكف عن عبادته و يستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ” -31- رأى القرآن أنّ النّصارى لا يختلفون في شيء عن كفّار أهل مكّة لتأليههم الملائكة ” و لا يأمركم أن تتّخذوا الملائكة و النّبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون “-32-

نشأ الإسلام في بيئة يسيطر عليها الأفق الغيبي، و تشكّل الملائكة عنصرا هاما في دين مجتمع الدعوة، و لهذا حازت الملائكة مكانة هامّة في سيرة النّبي محمّد. كانت موضوع جدال بينه وبين أهل مكّة في مرحلة أولى وبينه و بين النّصارى في مرحلة ثانية. احتفظ النّص القرآني بهذا الجدال حول الملائكة، و تحدّث عن دور لها في مؤازرة المسلمين في حروبهم، فكانت عنصرا هاما في تشكيل الأفق الغيبي الذي انفتح عليه دين محمّد.

1- الزخرف 19

2- الإسراء 40

3- يوسف شلحد: بنى المقدّس عند العرب تعريب خليل أحمد خليل دار الطّليعة للطباعة و النّشر بيروت لبنان ط 1 1996 ص 52

4- الجن 3-4

5- العنكبوت 61

6- يونس 18

7- محمّد عجينة: موسوعة أساطير العرب. عن الجاهلية و دلالاتها، دار محمّد علي للنشر ( تونس) دار الفارابي ( لبنان ) طبعة جديدة منقّحة 2005 ص 197

8- النجم 26

9- الطبري : تاريخ الأمم و الملوك تحقيق و تعليق عبدا علي مهنا مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيوت ط 1 ص 1998م 2 ص 247

10-فاطر 1

11-فاطر 27

12- الزّمر 42

13-ابن هشام: السّيرة النّبويّة تحقيق و تعليق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، علي محمّد معوّض فتحي عبد الرّحمان أحمد حجازي مكتبة العبيكان الرياض ط 1 1998ج 1ص 337

14- المدثّر 31

15- فرقان 7

16- الفرقان 22

17- البقرة 177/ 285

النساء 117/ 136

18- اللأنفال 9

19- الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن دار الفكر بيروت ط 1 2001 م 6 ج 9ص 229

20- الأنفال 50

21 – آل عمران 97

22- ابن هشام: السّيرة النّبويّة ج 2 ص 233

23- الطبري: جامع البيان… م 3 ج 4 ص ص 93-102

24- النّحل 32

25- آل عمران 124-126

26- التّكوير 22-23

27- النجم 1-18

28- الشعراء 193

29- النحل 102

30- البقرة 97

31- النّساء 172

32- آل عمران 80

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق